الشيخ محمد عبد الله نصر
الشيخ محمد عبد الله نصر

بقلم ماهر جبره

ثلاثة عشر عاما هي مجمل الأحكام في خمس قضايا تم الحكم فيها ومازال هناك أربع أخر لم يُحكم فيها، وكلها بتهمة واحدة! إنها التهمة التي يتم بها إخراس المفكرين وكل من يتجرأ على محاولة تحريك المياه الراكدة، إنها ازدراء الأديان. تهمة طالت الجميع من لا دينيين مثل شريف جابر إلى رجال دين مسيحيين مثل القس مكاري يونان إلى فنانين مثل عادل إمام وكتّاب مثل فاطمة ناعوت مرورا بمفكرين إسلاميين مثل إسلام بحيري، وصولا إلى أزهريين مثل الشيخ محمد عبد الله نصر. نعم، يمكنك أن تكون مسلما، بل شيخا، درست وتخرجت من الأزهر ويتم اتهامك بازدراء الإسلام!

الواقع أن تهمة نصر الحقيقية، هي أنه تجرأ وأعمل عقله في التراث الإسلامي، بل تجرأ واجتهد ليفسر بعض نصوص القرآن بطريقة جديدة. فإحدى القضايا التي حُكم عليه فيها بالسجن لمدة عامين، كانت بسبب ما قاله عن حد السرقة، تفسيرا للآية القرآنية التي تقول: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما". وفسرها بأن القطع المذكور في النص هو القطع المعنوي وليس المادي، بمعنى محاولة منع السارق من تكرار فعل السرقة، عن طريق تأهيله ليكون مواطنا صالحا. ففي رأي نصر المقصود هنا هو قطع فعل السرقة وليس قطع اليد المادي بمعنى البتر.

المثير للدهشة أن القاضي الذي حكم عليه بسنتين في هذه القضية، هو شخصيا لا يحكم على السارق بقطع يده! حيث أن تطبيق الحدود غير معمول به في مصر، وبدلا منه تستخدم مصر قانون عقوبات فرنسي الأصل. فإذا كان حد السرقة بالفعل قد تم استبداله بعقوبة الحبس، فأي جرم ارتكبه هذا الشيخ المسكين؟ فهل يعد تقديم تفسير جديد للقرآن جريمة؟

وعلى فرض أنه أخطأ التفسير، أو أخطأ في بعض الآراء. يظل السؤال هنا، ما هي جريمته؟ أنا شخصيا لا أتفق مع كل ما قاله نصر، ولكنه بحسب الدستور المصري، لم يُجّرم على الإطلاق. لأن الدستور يكفل له الحق في التعبير وفي حرية الاعتقاد. وهو لم يفعل أكثر من ذلك. أما من وجهة نظر الدين، فهو قد اجتهد. فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، أليس كذلك؟

الواقع أن جريمة نصر الحقيقية هي أنه هدد سلطة أصحاب العمائم الذين يتحدثون باسم الله، ويحتكرون تفسير النص الديني ولا يرحمون من يجرؤ على التجديد. فحال الشيخ نصر لا يختلف كثيرا عن حال كل من حاولوا تحرير العقل المسلم عبر التاريخ!

الشيخ نصر كان نشطا جدا في ثورة يناير، ولهذا السبب لُقب بـ "خطيب الميدان". وكان أيضا من أشد المعارضين لحكم الإخوان المسلمين وكان من أوائل من طالبوا بإسقاط مرسي، فضلا عن إنه أسس حركة "أزهريون من أجل الدولة المدنية"، والتي تهدف إلى مناهضة حركات الإسلام السياسي.

اشتهر نصر بتصريحاته الجريئة حول أمرين شغلا الرأي العام عموما، وأوساط المفكرين والمثقفين في مصر خصوصا. الأول هو كتاب صحيح البخاري وهل نحتاج إلى تنقيحه من الأحاديث التي تتعارض مع القرآن أو المنطق، والثاني هو الحاجة إلى مراجعة وتطوير مناهج الأزهر.

وقد كان نصر يدعو لإعمال العقل في هاتين القضيتين. فقد واجه نصر على الفضائيات الكثير من الشيوخ الأزهريين مثل الشيخ صبري عبادة وكيل الأزهر والشيخ عبد الله رشدي والدكتور عبد الله النجار الأستاذ الأزهري. وفي كل مرة كان يأتي بأحاديث محددة تثير تساؤلات منطقية جدا من كتاب صحيح البخاري. أو ببعض النصوص من مناهج الأزهر التي تحض بوضوح على العنف والتطرف.

وقد كان رأي نصر أنه ينأى بالرسول أن يكون قد قال أحاديث مثل "من بدل دينه فاقتلوه"، أو "جُعّل رزقي تحت ظل رُمحي". أو “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ومحمد رسول الله" لتعارضهم مع الآية القرآنية التي تقول: "لا إكراه في الدين".

تحدث أيضا كثيرا في قضية مناهج الأزهر وضرورة مراجعتها وتجديدها. فلا يعقل أننا في عام 2017 ومازال الأزهر يدرس أفكارا مثل أكل لحم الأسير وقتل تارك الصلاة، أو سبي النساء في الحروب والتمتع بهن جنسيا تحت اسم ملك اليمين.

ولكن بدلا من أن يردوا عليه ويبادلوه الحجة بالحجة، فإن أغلب ردودهم كانت تتلخص في أنك جاهل ولا تعلم شيئا وأنك ممول وإلى آخره من هذه الاتهامات الجزافية التي لا تستند إلى أي دليل!

إن ما حدث للشيخ نصر هو مثال حي على كيفية مواجهة الأصوليين خصومهم الفكريين. فعندما يفشلون في هزيمتهم فكريا، عادة ما يحاولون أن يُخرسوهم بطرق أخرى. ففي البداية أطلق عليه بعض السلفيين في قناة الحافظ اسم "ميزو" لتحقيره، بعدها أصبح الأزهريون، وأيضا كثير من الإعلاميين يلقبونه بنفس اللقب. وبالطبع اسم بهذا الشكل، ينتقص من هيبته كرجل دين، فضلا عن أنه لم يختره لنفسه، بل فُرض عليه.

ثم تم فصله من عمله وتشريده، حتى أنني أذكر في مرة أنه كتب على صفحته على فيسبوك أنه لا يجد ثمن دواء والدته لأن لا أحد يريد أن يمنحه فرصة للعمل، بعدما قام الأزهر بمعاداته علنا على الشاشات.  بل أن وزير الأوقاف هاجمه على الهواء مباشرة، وطالب الداخلية بالقبض عليه لو حاول أن يعتلي منصة مسجد أو يخطب في الناس بأي شكل.

ثم رفع عليه المحامي سمير صبري، الشهير بقضايا الحسبة، عدة قضايا متهما إياه بازدراء الإسلام. وقد أخذ كل تصريح جدلي قاله الشيخ على حدة ورفع به قضية منفصلة! وبالتالي أصبح نصر يواجه تسع قضايا بنفس التهمة، حُكم عليه في خمس منها ومازال ينتظر الحكم في الباقي.   

ومما يزيد الأمر سوءا إن الشيخ نصر مريض بالتليف الكبدي وبفيروس سي الخطير. وقد أفادت آخر تحاليل طبية له بأن حالته الصحية تدهورت بشدة داخل السجن وهو ما قد يهدد حياته.

وللأسف بالرغم من أن الرئيس المصري طالب الأزهر مرارا وتكرارا بتجديد الخطاب الديني. ورغم أن ما قاله وفعله نصر هو محاولة لتنفيذ ما طالب به الرئيس، إلا أن ذلك لم يحمه!  ورغم مناشدة السيسي من قبل عدد من المفكرين للإفراج عن نصر بعفو رئاسي، لم يتجاوب مع هذه الدعاوى. والسؤال بوضوح هنا للرئيس المصري، كيف نصدق دعواتك المتكررة لتجديد الخطاب الديني، في حين أن مصر تلقي بالمفكرين والمجددين في غياهب السجون؟!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Moroccan volunteers of local organisation National Institute for Solidarity with Women in Distress prepare food donations to be…

في فترات الأزمات، تظهر معادن الناس الحقيقية.

شعار نكرره جميعا... لكن، اليوم، ونحن نعيش أزمة صحية عالمية، تظهر فعلا أمامنا عينات مختلفة من الناس.

هناك عينات تسعى لمساعدة من حولها بإمدادهم بالأخبار الصحيحة، أو عبر مساعدات مادية أو عينية لهؤلاء الذين فقدوا مصدر دخلهم بسبب المرض، وعبر مختلف أشكال التضامن المادي والمعنوي والنفسي.

ثم هناك عينات تسعى لاستغلال الأزمة لصالحها، كقطاع التعليم الخصوصي والمصحات الخاصة في المغرب أو ممثلي بعض المهن الحرة (كالمهندسين)، الذين طلبوا بدورهم الاستفادة من الدعم المادي الذي تقدمه الدولة لقطاعات اقتصادية وفئات اجتماعية مهددة.

هناك عينة من الناس تعتبر أن الوباء أصابنا بسبب الفساد والانحلال

هناك أيضا عينة من الناس ترى في كل شيء عقابا من الله: رجال دين مسلمون رأوا في كورونا عقابا من الله، قبل أن يصاب أحدهم، هو نفسه، بكورونا. وزير إسرائيلي متدين اعتبر أن كورونا لا يصيب إلا المثليين، قبل أن يصاب به هو نفسه! رجال دين مسيحيون اعتبروا أن المجيء للقداس يحمي المتدينين من الإصابة بالعدوى، قبل أن تتحول بعض التجمعات الكنسية إلى أحد أهم أسباب انتشار العدوى... وغيرها من أشكال التأويل الديني للمصائب: الله يعاقبنا بالفيروسات والأمراض والفياضانات. الفيروسات جند من جنود الله (وماذا حين تصيب المتدينين؟). الوضوء يحمي من الإصابة (وماذا عن التيمم؟). الرسول أمر بالحجر الصحي (وكأن الرسول طبيب... علما أن عددا من الثقافات قبل وبعد الإسلام كانت قد تطورت معرفتها تدريجيا ببعض الأمراض وكانت تقوم بالعزل في حالة انتشار الأمراض المعدية). زيارة الكنيسة وممارسة كل طقوس التعبد تحمي من الإصابة بكورونا (علما أن الشرب من نفس الإناء من طرف عشرات المتدينين في نفس القداس هو أسرع وسيلة لنقل العدوى)... وغيرها من أشكال خلط الدين بالصحة والأوبئة.

هناك عينة أخرى (تقترب من العينة أعلاه) تعتبر أن الوباء أصابنا بسبب الفساد والانحلال، وأننا نحتاج للقرآن أكثر من حاجتنا للفن. لماذا لا تقرأ القرآن وتترك غيرك يسمع لفيروز أو بتهوفن أو ناس الغيوان، حسب هواه؟ ثم، لو كانت قراءة القرآن تحمي المؤمنين من المصائب، كيف مات عدد من الصحابة والتابعين بسبب الأمراض أو بسبب التقتيل بين المسلمين في معارك متعددة، وهم "السلف الصالح"؟ لماذا لم يحمِهم القرآن؟

هناك عينة أخرى من الناس، تحديدا في المغرب، يبدو لك أنها ترفض أن تعترف بأن هناك، على العموم، تدبيرا جيدا للأزمة الصحية التي يعيشها العالم. وكأنها تتمنى أن يتم تدبير الأزمة الصحية بشكل سيء حتى تتمكن من التشفي ونشر هاشتاغات "لك الله يا وطني".

عموما، دبر المغرب بشكل جيد أزمة كورونا، إذ كان من أوائل البلدان التي أقفلت الحدود وقامت بعدد من الإجراءات الوقائية والصحية والاقتصادية (فرض العزل المنزلي وإجراءات التباعد الاجتماعي مع ظهور الحالات الأولى، إغلاق جميع الفضاءات العامة من مقاهي وحمامات ومساجد وغيرها، توفير صندوق مالي مهم خاص بتدبير الجائحة، فرض الكمامات مع إنتاجها بشكل واسع ودعمها اقتصاديا لتكون في متناول الجميع بسعر 70 سنتيم يورو، دعم الأسر الفقيرة ماديا، تقديم تسهيلات للمقاولات التي تضررت بسبب الأزمة، نشر حملات واسعة للتوعية، تطوير البنيات الصحية ودعمها بمختلف الوسائل، وغيرها من الإجراءات).

اليوم، يفترض أننا جميعا أمام هدف واحد: الخروج من هذه الأزمة الصحية بأقل الأضرار الإنسانية

إلى غاية اليوم، الوضع تحت السيطرة إلى حد كبير وإن كان لا أحد (في المغرب وفي العالم) يعرف كيف ستتطور الأمور. لكن هناك عينة من مواطنينا يبدو أنها تبحث عن أشكال الخلل مهما كانت صغيرة (أو وهمية) لكي تثبت أن الدولة لا تقوم بواجبها. بل حتى وكأن البعض يتمنى بشكل أو بآخر انفجار عدد الإصابات والموتى لكي تصح نظريته.

أي نعم، الوضع صعب وهناك بعض أشكال الخلل. لكن بشكل عام، ومع كل ما يمكن قوله حول ضعف بنيات الصحة في المغرب (وهذه قضية إشكالية أساسية علينا أن نعود لها بعد انتهاء هذه الأزمة)؛ إلا أن التدبير العام إلى غاية هذه اللحظة يتم بشكل استباقي جيد، خصوصا مقارنة مع دول متقدمة كفرنسا أو إسبانيا أو الولايات المتحدة الأميركية.

في العموم وخارج أزمة كورونا، هناك الكثير مما يمكن انتقاده في بلداننا على مستوى التدبير... لكن، اليوم، يفترض أننا جميعا أمام هدف واحد: الخروج من هذه الأزمة الصحية بأقل الأضرار الإنسانية. هناك أشخاص مصابون وآخرون فقدوا أو سيفقدون حياتهم. هناك الآلاف ممن سيتضررون اقتصاديا من هذه الأزمة. نحتاج لتظافر الجهود لتجاوز الكارثة... لا لتقريع بعضنا البعض بسبب أمور ليس هذا وقتها بتاتا.

فلنكن بخير... جميعنا!