راية إقليم كردستان
راية إقليم كردستان

بقلم صامويل تادرس

في الـ25 من الشهر الجاري، يتوجه ملايين الأكراد إلى صناديق الاقتراع للتصويت بـ"نعم" أو بـ"لا" حول سؤال بسيط: "هل تريد لمنطقة الحكم الذاتي الكردية والمناطق الكردية الأخرى خارج منطقة الحكم الذاتي أن تصير دولة مستقلة؟". السؤال المبسط يحمل دلالات كبيرة.

ليست المرة الأولى التي يصوت فيها الأكراد في العراق على الاستقلال. الاستفتاء السابق في عام 2005 حظي بموافقة شبه إجماعية، ولكنه لم يحقق شيئاً. يختلف الأكراد في ما بينهم. التاريخ الكردي هو سلسلة متواصلة من الحروب والصراعات المزمنة بين الزعامات الكردية. حلم الاستقلال فقط يوحدهم. عمر الحلم قرابة القرن. الفكرة القومية ظهرت في المنطقة مع مجيء الأوروبيين. عاشت شعوب المنطقة قبلها تحت إطار الدولة العثمانية. مع نهاية الحرب العالمية الأولى صار الحلم قريب المنال. نقاط الرئيس الأميركي ويلسون الـ14 أثارت مخيلة الكثيرين.

وجد الأكراد أنفسهم بين شقي رحى نتيجة عزلتهم في المناطق الجبلية غير الساحلية. كانوا أقل اتصالا بالغرب وبالحداثة. طوال تاريخهم كان الكرد محاطين بقوميات أقوى منهم: الأتراك، الفرس والعرب. حصل مشروع الاستقلال الكردي على بعض التأييد الدولي ولكن في نهاية الأمر فضلت القوى الدولية الشعوب الأخرى على الأكراد. في تركيا نجح مصطفى كمال أتاتورك في القضاء على الحركة الكردية. في سورية تجاهلهم الفرنسيون. في العراق أتى الإنكليز بفيصل ملكاً وبالعروبة إطاراً للدولة الوليدة. لم يكن حالهم في إيران أفضل. اختلفت وتصارعت الدول التي يعيش فيها الأكراد على كل شيء، إلا على سحق الحلم الكردي. على مدى السنين داعبهم الحلم عدة مرات. في الصراعات فيما بينها أيدت تركيا، وإيران، وسورية والعراق الحركات الكردية في الدول المجاورة، لكن في نهاية الأمر تخلت عنهم. مرة تلو الأخرى وجدوا أنفسهم وحدهم دون مؤيد.

وعى الأكراد درس التاريخ. فمن دون الحصول على تأييد دولي لا يمكن للحلم أن يتحقق. من دون بناء علاقات مع دول الجوار، المشروع الكردي مساره الفشل. من دون بناء مؤسسات كردية ليست هناك دولة. جاءت الفرصة أخيراً. الغزو الأميركي للعراق أطاح بصدام، ولكن الأميركيين لم يرحبوا بتقسيم العراق. تقبل الأكراد ذلك على مضض. لم يستعجلوا الاستقلال. طوروا علاقتهم مع دول العالم. حاولوا إرضاء دول الجوار. الأهم من ذلك، ركزوا على بناء مؤسسات الدولة. وبينما شهدت بقية مناطق العراق صراعاً دموياً استطاع الأكراد الحفاظ على كردستان منطقة آمنة.

رغم ذلك الاستفتاء الكردي مرفوض من قبل الجميع. عاصمة إقليم كردستان، أربيل، تشهد زيارات مكثفة لمبعوثين دوليين يحملون باقة من التهديدات والوعود، يرغبون في إلغاء الاستفتاء. الكل مازال متمسكاً بسياسة العراق الواحد. حتى لو صوت الأكراد بنعم، فالاستقلال ما يزال بعيد المنال. مفاوضات شاقة ستتبعه قبل أن يحصل الأكراد على حلمهم في دولة مستقلة. الصراع على المناطق المتنازع عليها وعلى رأسها كركوك لن يحل بسهولة. الحكومة العراقية ومن ورائها إيران والميليشيات الشيعية لن تتخلى عن كركوك من دون قتال. تركيا تتخوف من تبعات الاستقلال على الأكراد في تركيا. على حدودها الجنوبية منطقة كردية مستقلة في سورية ترفضها تركيا. ربما يؤجل الاستفتاء هذه المرة.

ليس هذا هو المهم. الواقع يقول إن الأكراد سيحصلون على دولتهم إن آجلاً أم عاجلاً. العراق شبه منته كدولة. يطيب لكثيرين أن يلوموا أميركا. ربما جاء الغزو بالضربة القاضية، ولكن العراق يترنح منذ إنشائه. مثل أغلب دول المنطقة، فرضت حدود الدولة على شعوب مختلفة -أراد كل منها دولته هروباً من واقعه- حلم العرب بالوحدة الكبرى. المشكلة لم تكن يوماً في صغر الدول، بل في كبرها. العراق مثل غيره ضم شعوبا شتى. ربما كان بالإمكان إنقاذ الموقف. دول أخري استطاعت بناء نفسها رغم الاختلافات بين شعوبها. القومية العربية دمرت الإمكانية. المفكر القومي ساطع الحصري شكل الدولة العراقية. هو وغيره أرادوا فرض الهوية العربية على الأكراد، والأيزيديين والأشوريين رغم أنفهم. رفضَ اعتبار الإرادة شرطاً من شروط العروبة. قال مقولته الشهيرة: "هو عربي، شاء أم أبي، اعتز أم لم يعتز، اعترف أم لم يعترف". دفع كثيرون الثمن غالياً.

السؤال إذاً ليس إن، ولا حتى متى، أو كيف، بل ما؟ ما هي طبيعة الدولة التي سيشكلها الأكراد؟ في الجوار نماذج عدة، كلها غير مشجعة. حصل العرب على الاستقلال، ولكن النتيجة كانت محزنة. مثلهم مثل الأتراك والفرس. حارب سكان جنوب السودان طويلاً لكي يحصلوا على استقلالهم. حصلوا عليه، ثم استداروا ليقتلوا بعضهم. التاريخ الكردي غير مشجع. على مدى تاريخهم كان الأكراد أعتى أعداء أنفسهم. أكراد العراق أنفسهم منقسمون. يوحدهم حلم الدولة، وتفرقهم العشائر والأحزاب. المؤسسات الكردية منقسمة. الديموقراطية غائبة بين الحزبين الكبيرين. يعيش أكراد العراق في دولتين شبه منفصلتين بين البرزاني والطالباني.

هذه تحديات كبرى، والواقع الكردي لا يشجع على التفاؤل. لكن السؤال الأهم ليس متعلقاً بالكرد فقط، بل بغيرهم. مع سقوط الموصل في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية استطاع الأكراد السيطرة على كركوك، قدسهم كما يصفونها، وعلى غيرها من المناطق. لكن الأرض لم تأت فارغة، أتت ومعها سكان. هرب الكثير من العراقيين إلى المنطقة الكردية. وفر الأكراد لهم الحياة و الأمان. لكن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده. ما هو مصير غير الأكراد في الدولة الكردية؟ مواطنون أم رعايا؟ شركاء أم درجة ثانية؟ هذا هو التحدي الأكبر، التحدي الذي فشلت فيه دول المنطقة جميعها. كيف سيتعامل الأكراد مع غير الأكراد في دولتهم؟ هل سيحاولون تكريدهم كما حاول العرب تعريب الكرد؟ هل سيحاولون إلغاء هوية غيرهم؟ هل سينظرون إلى الاختلافات العرقية والدينية كمصدر تهديد أم إثراء؟ كيف تبني مواطنين لدولة كردستان دون أن تحاول جعلهم أكرادا؟ إدارة التنوع هذا هو التحدي!

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.