مقاتلة روسية في قاعدة جوية في سورية
طائرة روسية في قاعدة عسكرية في سورية، أرشيف

بقلم د. عماد بوظو/

في الساعات الأولى من فجر الخميس 7 أيلول/سبتمبر 2017 قامت الطائرات الإسرائيليّة بغارة على منشأة عسكريّة شمال شرق مصياف، وقد صرّح مصدر عسكري تابع للنظام السوري، أن الغارة استهدفت موقعا عسكريّا سورياً، وأن الهجوم أسفر عن مقتل جنديين وخسائر ماديّة في الموقع، وقالت مصادر معارضة إنّ الموقع المستهدف هو مركز للبحوث العلميّة وفيه مركز للأسلحة الكيماوية والصواريخ المتوسطة المدى، وأنّ عدّة انفجارات قويّة استمرّت في الموقع لمدة 15 دقيقة بعد الضربة الإسرائيليّة.

الغارات الإسرائيليّة على أهداف داخل سورية تعتبر أمرا مألوفا خلال سنوات الثورة وقبلها، ولكن هذه الغارة تختلف عن سابقاتها لأن المنطقة التي استهدفتها بعيدة عن حدود إسرائيل بعكس الغارات خلال السنوات الست السابقة، لأنها استهدفت شمال غرب سورية، أي قلب قاعدة النظام السوري الأمنية والطائفيّة. وتبعد المنطقة المستهدفة عن كل من القاعدة الجويّة الروسية في حميميم والقاعدة الروسيّة البحريّة في طرطوس أربعين ميلا فقط، وكان من الطبيعي التساؤل عن صواريخ S400 و 300 S، الّتي يكرّر الإعلامان الروسي و الإيراني أن كامل منطقة شرق المتوسط باتت تحت حماية مظلة الدفاع الجوي الروسيّة وقد خرجت بعض التعليقات الساخرة التي تقول إن صواريخ S400 ربّما ليست أفضل من حاملة الطائرات الروسية اليتيمة الأدميرال كوزنتسوف، الّتي تحتاج لمن يقطرها لتقطع البحار والدخان يتصاعد منها، مع حوادث وقوع الطائرات أثناء الإقلاع والهبوط عليها أو من الصواريخ المجنحة التي أطلقتها روسيا من شمال بحر قزوين باتجاه تدمر في نهاية 2015، ولم يصب أي منها الهدف بل سقط أربعة منها في إيران والباقي في الصحراء شرقي حمص.

استهدفت الغارة الإسرائيليّة حسب المعلومات المتوفّرة من مصادر على الأرض ومن المرصد السوري لحقوق الإنسان بشكل مباشر منشأة يعمل فيها خبراء إيرانيّون ولم يعلن رسميا سقوط قتلى بينهم وقد جرت العادة خلال السنوات الست الماضية عند حدوث خسائر لإيران أو حزب الله نتيجة غارات إسرائيليّة ألا يعلنوا عنها حتّى لا يتعرّضوا للإحراج أمام جمهورهم نتيجة عدم قدرتهم على الرد، وقد أغارت إسرائيل خلال السنوات الماضية عشرات المرّات على مواقع وشاحنات ومخازن لحزب الله داخل سورية ولبنان وكانت أخبار هذه الغارات تأتي من شهود عيان على الأرض ووكالات الأنباء العالميّة دون بيانات رسميّة من إسرائيل أو حزب الله أو إيران، وفي نفس يوم الغارة آنفة الذكر قرب مصياف، أغارت طائرات إسرائيليّة على قافلة لحزب الله قرب بعلبك، أي أنّ إسرائيل بعثت برسالة عبر هذه الغارة أنّها مستعدّة لمواجهة عسكريّة مع إيران إذا لزم الأمر.

كان نتانياهو قد التقى ببوتين قبل أسبوعين من الغارة في منتجع سوتشي في زيارة هامّة رافقه فيها رئيس الموساد يوسي كوهين ورئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبا، وخلالها عبر نتنياهو عن وجهة نظر إسرائيل، بأنّ إيران تملأ الفراغ الّذي تتركه هزيمة داعش الآن وأنّ إسرائيل تعترض على وجود إيراني طويل الأمد في سورية، كما قال له إنّ معلومات إسرائيل تقول إن إيران تنشئ مصنعا لصواريخ دقيقة في سورية، و قد صرّح نتانياهو عقب لقائه مع بوتين بالقول: "سياستنا واضحة: إننا نعارض بشدّة الحشد العسكري لإيران ووكلائها و خاصة حزب الله في سورية و سنبذل كل ما في وسعنا لحماية أمن إسرائيل"، وبعد هذه الزيارة تحدث الإعلام الموالي للمحور الإيراني عن فشل الزيارة و عن أن بوتين لم يستجب لمطالب نتانياهو. وقال فضل طهبوب محلل سياسي فلسطيني إن "بوتين لن يقدم ضمانات لإسرائيل بشأن وجود إيران وحزب الله في الأراضي السورية، فهو يعتبر أنّ إسرائيل لا شأن لها بذلك، إضافة إلى أنّه الطرف الأقوى في المعادلة السورية اليوم و لن يقدّم أي تنازلات لإسرائيل أو لواشنطن".

و صرح عاموس يدلين الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية إنّ الغارة الأخيرة على سورية ليست روتينية، حيث نشر على حسابه في تويتر: "إنّ الهجوم الّذي وقع فجر اليوم الخميس بالقرب من مدينة مصياف كان بياناً إسرائيلياً أخلاقياً حول المجزرة في سورية"، وأضاف أن المنشأة مخصصة لإنتاج أسلحة كيماوية وبراميل متفجرة قتلت آلاف المدنيين السوريين وكانت تنتج صواريخ دقيقة وأسلحة أخرى، واعتبر الهجوم يحمل ثلاث رسائل:

إن إسرائيل لن تسمح بتعزيز قدرات القوات الإيرانية وإنتاج أسلحة استراتيجية.

إسرائيل تنوي فرض خطوطها الحمراء رغم تجاهل القوى الكبرى لهذه الخطوط.

وجود الدفاعات الجوية الروسية لا يمنع الغارات الإسرائيلية.

وقال الخبير في الشؤون العربية تسفي بارئيل في مقال بصحيفة هارتس، إنّ إسرائيل قد تحولت من وضعية المراقبة لما يحدث في سورية إلى شريكة فعلية في أحداثها على الأرض وإنّ إسرائيل تريد تعهدا روسيا واضحا بسحب قوات إيران من سورية وإن هناك فرصة لمهاجمة أهداف أخرى سوريّة أو إيرانيّة عند اللزوم، ويجب أخذ الوجود العسكري الإسرائيلي في الحساب عند التسويات، تماما مثل الوجود العسكري لروسيا وتركيا وإيران، أمّا الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال يعقوب عميدور فقد قال في صحيفة إسرائيل اليوم "إنّ الهجوم الإسرائيلي الأخير على مصنع الأسلحة السورية يعني توسيعاً للسياسة الإسرائيلية بعدما اقتصر سابقا على منع إرسال قوافل السلاح الإيرانية إلى حزب الله، وإن الهجوم رسالة لروسيا وإيران وحزب الله أنّه لا يوجد مكان آمن في سورية"

ــــــــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟