المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في الرياض
المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في الرياض

بقلم منصور الحاج/

بعد النجاح الذي حققه تنظيم الدولة الإسلامية المعروف أيضا بـ"داعش" في تجنيد آلاف المسلمين من مختلف دول العالم عبر الإنترنت، ودفعهم لترك بلدانهم والهجرة إلى المناطق التي يسيطر عليها أو تحريضهم لتنفيذ عمليات إرهابية في الدول التي يعيشون فيها، تم تدشين العديد من المشاريع والبرامج للتصدي للفكر الجهادي ومقارعة الجهاديين على الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي.

وعلى الرغم من الإمكانيات الهائلة والميزانيات الضخمة التي تم تخصيصها لهذه المشاريع، إلا أنها فشلت في التصدي للفكر الجهادي ومقارعة الخطاب الإعلامي الجهادي الذي يتميز بالحرفية العالية ويقف خلفه جيش من المتطوعين أو من يعرفون بـ"أنصار المجاهدين" أو "مجاهدي الكيبورد" أو "المجاهدين الإلكترونيين".

وتختلف الأنشطة التي تقوم بها هذه البرامج التي تدعمها كل من الولايات المتحدة الأميركية والسعودية والإمارات. ففيما يعمد بعضها إلى التركيز على الفتاوى الدينية التي تؤكد ضلال الدواعش وبُعد ما يقومون به عن الإسلام وقيمه، تروج أخرى للهزائم التي يتلقاها التنظيم على الأرض بعرض جثث القتلى ونشر مقابلات مصورة مع مقاتليه الذين وقعوا في الأسر يقرون فيها بالجرائم التي ارتكبها التنظيم ويعربون عن ندمهم على التحاقهم به.

إن فشل جهود مراكز كـ"هداية" و"صواب" و"الحرب الفكرية" وبرامج وأنشطة "فريق التواصل الإلكتروني" التابع لوزارة الخارجية الأميركية والبرامج التابعة للقيادة المركزية الأميركية الوسطى "سنتكوم"، في مقارعة نشاط الجهاديين على الإنترنت عائد في الأساس إلى انعدام البعد الشخصي والاستقلالية وغياب الإستراتيجية فضلا عن انعدام الدعم الشعبي.

ففيما نلمس بوضوح الحرفية العالية في إصدارات "داعش" والحماس والإصرار لدى أنصاره في الترويج لها ونشرها على أوسطع نظاق في مواقع التواصل الإجتماعي بلا مقابل مادي، نلاحظ غياب الحرفية والإبداع في إصدارات هذه المراكز وهذا يعود في اعتقادي إلى نقص الخبرة وافتقاد العاملين للدافع الشخصي الذي يحفزهم على التفاني في العمل.

سبب آخر لهذا الفشل هو مصادر الدعم التي تقف خلفها دول كالولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وليست منظمات تطوعية أو جماعات مستقلة. ولا يخفى على أحد أن لكل دولة مصالح وسياسات وأجندات تسعى لتحقيقها وحمايتها، وتوازنات تحاول مراعاتها كل تلك العوامل قد تؤثر بلا شك في مصداقية تلك البرامج ونوايا القائمين عليها، الأمر الذي جعل الدعم الشعبي لتلك الجهود محدودا جدا بل يكاد ينعدم.

وشعور التوجس والريبة من علاقة الدول بالمنظمات الجهادية لم يأت من فراغ، فقد تراوحت سياسات دول كالولايات المتحدة والسعودية تجاه الجماعات الجهادية في العقود الماضية بين الدعم في سنوات الحرب الباردة للجهاديين الإسلاميين في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، والتجاهل قبل هجمات الـ11 من سبتمبر، والمواجهة بعد انتشار الفكر الجهادي وبدء الحملة الدولية ضد التنظيمات الإرهابية.

وتفتقد تلك المشاريع لاستراتيجية رد شاملة لا تقتصر فقط على دحض فكر الجماعات الجهادية بخطاب ديني مضاد يرى أنهم "فئة" ضالة أو "خوارج" استنادا إلى آراء رجال دين يعمل أغلبهم لصالح أنظمة سياسية ويأتمرون بأوامرها، ولذلك يوصفون في الإعلام الجهادي بأنهم "وعاظ السلاطين" و"علماء السوء". ومكمن الإشكال في الفتاوى والبيانات الدينية التي تبرئ الإسلام من إرهاب الجماعات الجهادية هو أنها في النهاية اجتهادية لا تختلف في ما انتهت إليه عن اجتهادات الجماعات الدينية في استحلال الدماء وسبي النساء ومجاهدة الطواغيت "لإعلاء كلمة الله".

وللأمانة وكمتطرف سابق فإنني أرى أن خطاب الجماعات الجهادية أكثر تماسكا من تلك الفتاوى التي يصدرها رجال دين يأتمرون بأمر الحاكم، فتناقضات الجهاديين أقل بالمقارنة مع تناقضات رجال الدين الذين يعملون في وظائف حكومية، وحرص الجهاديين على تطبيق الشريعة ورغبتهم في الدفاع عن المستضعفين ومجاهدة الطواغيت بحسب فهمهم أوضح مقارنة بمواقف من ينتقدونهم.

والإشكال الذي ينشأ حين نحاول الرد على الجهاديين بخطاب إسلامي مضاد يخرجهم من الإسلام هو أن هذا الطرح لا يختلف كثيرا عن طرح الجهاديين أنفسهم الذين يرون أنهم فقط من يمثل الإسلام. وللخروج من هذا المأزق ولتجاوز إشكالية التكفير والتكفير والمضاد يجب فتح المجال أمام المزيد من الآراء والتفاسير وعرضها إلى جانب آراء الجهاديين والوهابيين والأزهريين وغيرهم.

ولهذا، فإنني أقترح إنشاء مؤسسة إعلامية تعنى بواجب التصدي للخطاب الجهادي من خلال إعداد وإنتاج فيديوهات للرد على إصدارات الجماعات الجهادية بصورة مباشرة. وتصوري لفكرة الفيديوهات يتمحور حول تناول الأفكار الجهادية وتخصيص فيديو لكل فكرة بحيث يتم عرض الفكرة الجهادية كمفهوم "الولاء والبراء مثلا" ثم تضمين آراء وتفسيرات غير متداولة لنفس المفهوم يتبناها علماء ومفكرون قدماء أو معاصرون ينتمون لمذاهب أو طوائف إسلامية مختلفة.

وعلى نفس المنوال تواصل المؤسسة إنتاج الفيديوهات مع مفاهيم ومصطلحات أخرى كالتوحيد، الطاغوت، الصليبيين، والاستشهاد، والجهاد، والردة، والسبي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكفير وغيرها من المصطلحات التي يستخدمها الجهاديون.

ولأن الجماعات الجهادية تخاطب المسلمين وتوجه إليهم رسائل مباشرة في إصداراتهم المرئية والمسموعة والمقروءة، ينبغي لنجاح هذه المبادرة تفاعل المسلمين من كل مكان في العالم معها لتمثل ردا مناسبا على رسائل الجهاديين إليهم. كما يجب أيضا أن تحظى هذه المبادرة بدعم شعبي على الأرض وفي مواقع التواصل الإجتماعي وحث الجميع وخاصة المشاهير في هذه المنصات على دعم الفيديوهات والترويج لها على أوسع نطاق.

أؤمن بأن هناك آلاف الأشخاص يوافقونني الرأي في ضرورة إنشاء هذه المؤسسة ويرغبون في أن يكونوا جزءا من أي عمل من شأنه تعرية الخطاب الجهادي ومقارعة نشاط الأجهزة الإعلامية للمنظمات الإرهابية بأسلوب عصري وجديد نستفيد فيه من عقول المبدعين ومما توفره التكنولوجيا ووسائل التواصل الإجماعي والأرشيف الضخم للمواد المرئية الموجود على الإنترنت، ومن الملايين الذين يستخدمون الإنترنت لتقديم طرح عالمي للإسلام يتماشى مع العصر ويعكس التعددية الفكرية والتنوع الثقافي للمجتمعات الإسلامية حول العالم، وإثبات أنهم أوسع بكثير من أن يتم حصرهم في سنة وشيعة وأكبر من محاولات تنظيمات جهادية كالقاعدة والدولة الإسلامية ودول كإيران والسعودية من استغلالهم في مشاريعهم السياسية أو أيدولوجياتهم الدينية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن) 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟