فيروز
فيروز

بقلم مالك العثامنة/

أواخر الثمانينات، كانت الصحافة المطبوعة نافذتنا على العالم، وكان من ضمن ما يقدمه أحد الفنون الصحفية تلك "الصورة الإخبارية" وهي تختلف عن التقرير المصور، فالصورة الإخبارية سرد تفصيلي يخلق الصورة في ذهن القارئ عن الحدث أو القصة المروية.

ولذا، كانت تلك القصة المكتوبة التي يجتهد الخيال والعقل لتشكيلها، ترسخ في الذاكرة، ومن هنا لا يزال يرسخ في ذاكرتي تقرير صورة إخبارية سردية في تلك الفترة المتزامنة مع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، تقرير إخباري بثته وكالة أنباء وتناقلته الصحف المطبوعة آنذاك عن عودة للسيدة فيروز إلى لبنان بعد سفر، وكيف أن موعد عودتها المعلن خلق حالة فانتازية من الهدنة بين كل الفصائل المتنازعة، فقررت تلك الفصائل يوم وصول السيدة إلى مطار بيروت أن تفتح كل حواجزها ومتاريسها في خط سير السيدة إلى بيتها، وأن ينكس كل المقاتلين على تلك المتاريس أسلحتهم في حضورها العابر. (وكان للسيدة منزلان في بيروت تقيم فيهما دوريا أيام الحرب الأهلية، أحدهما في الرابية حيث الأكثرية المسيحية والآخر في الروشة حيث الأكثرية مسلمة).

تلك الصورة الإخبارية المطبوعة بالأحرف السوداء، كانت كافية لتترك لمخيلة قارئها مساحات شاسعة لتلوينها بكل الألوان الممكنة، وكافية أيضا لتوضيح رمزية "السيدة فيروز" في المخيال اللبناني وفي الوجدان العربي على أوسع نطاق، وهي رمزية تتجاوز شخص السيدة الوقورة طوال مسيرتها الفنية الطويلة إلى حالة يوتوبيا وردية كانت بمثابة جنة الأحلام لكل عربي مقهور وجد في عالم الرحابنة تلك الأمنيات الوادعة.

الرحابنة كانوا يمارسون نفس فعل "الأديان" في ترغيب مريديهم، قدموا لهم فردوسا من أوطان وأناس فوق الغيم، وكانت فيروز التلاوة المقدسة لكل الكلام الحلو بصوت يسحبك بعيدا.

الأخوين رحباني حالة ثنائية فريدة شكلت في النهاية وحدة حال لمدرسة في الغناء والموسيقى والمسرح، أسسها عاصي ومنصور ومن تحت عباءة الحالة خرج إلياس وزياد كعبقريات موسيقية لم تنشق عن الأصل بل كانت مستقلة بتكوينها ومرتبطة بتأسيسها.

من مدهشات الحالة الرحبانية أنك أمام رجلين من إنطلياس، "ضيعة" من ضياع المتن اللبناني، ذابا في الموسيقى والشعر فاستطاعت الحالة أن تنبش في الربع الخالي نفسه لتعيد إحياء عنترة بن شداد مثلا، تلك الشخصية الغابرة جدا في التاريخ من قبيلة بني عبس، وتعيد إنتاجه من جديد فتنفض عنه مخملية الصوت الفيروزي كثبان الرمل بغنائها "لو كان قلبي معي.." وبدمج تاريخي فانتازي كمقدمة لموشحات أندلسية متأخرة عن عنترة بمئات السنين منتقاة بعناية فتصبح خطوط الطول ودوائر العرض عدما لا وجود له في حضرة الموسيقى الرحبانية.

تلك الحالة ذاتها التي أعادت الاعتبار لشخصية قلقة ومقلقة في تاريخ الشعر والسياسة العربية الإسلامية، مثل أبي نواس، الحسن بن هانيء، فقام الرحابنة وبهدوء شديد بإحياء أرق غزله في مواجهة تاريخية متأخرة أمام تيار سلفي شوه سيرة الحسن بن هانيء لأسباب سياسية فصوره بالخالع العابث والكحولي المدمن صاحب الميول البيدوفيلية، فكانت رائعته بصوت فيروز "حامل الهوى تعب" ردا موسيقيا مفحما على التشويه التاريخي.

عمليا وواقعيا (باستثناء زياد) كان الرحابنة دوما فوق الانحيازات السياسية والخنادق الطائفية، ورغم انتمائهما المسيحي للطائفة الأرثوذكسية استطاعا التحليق بارتفاعات شاهقة فوق كل وقائع التشظي الطائفي والديني وتجاوز الهويات بأعمال موسيقية و فنية مسرحية وسينمائية كانت دوما تصور تلك اليوتوبيا الجميلة التي لا تجد فيها أثرا لدين أو طائفة أو عرق متفوق، فقط كانت لغة الشخوص "لبنانية" غالبا في الأعمال المسرحية والسينمائية والحوار محض إنساني.

هذا "الزهد" بالتعاطي مع السياسة لم يمنع الأخوين رحباني من التأليف في السياسة، لكن ضمن ذات منظومة اليوتوبيا الرحبانية الخاصة، ورغم أن زياد الرحباني في مقابلة تلفزيونية له أكد أن اجتماعات "كتائبية" كانت تنعقد في بيت عاصي في الرابية وأنه في سياق شغبه كان يسجل سرا تلك الاجتماعات، إلا أن الرحابنة عموما استطاعوا أن يخترقوا الانحيازات السياسية فانهمكوا في تقديم رسائلهم الملونة بكل ألوان الطيف عبر الموسيقى والمسرحيات فكانت الثيمة الأساسية هي "الحب" لكن الخلفية لم تخل من إسقاطات سياسية توارت خلف الحدث التاريخي أو الأسطوري مثل مسرحية " آخر أيام فخر الدين"، أو مسرحيتهما الشهيرة "بترا" في سبعينيات القرن الماضي، أو حتى في تلاوين مسرحية "ميس الريم".

كانت فيروز أيقونة الحالة، وكان التركيب الشخصي للسيدة نهاد حداد، وسماها الراحل حليم الرومي فنيا "فيروز" اكتمالا لتلك الحالة الرحبانية الفريدة، فتشكلت الكاريزما المطلوبة لعالم الرحابنة الذي مثلته فيروز على أكمل وجه. وبصوتها الساحر وقدرتها الفنية الخرافية على تطويع القصيدة واللحن كان التحليق يرتفع أكثر وأكثر ليكون الرحابنة مدرسة فنية يساهم فيها أساطير الموسيقى والشعر فيجتمع سعيد عقل مثلا مع عنترة العبسي وجبران خليل جبران مع عبدالمنعم الرفاعي ( سياسي ورئيس وزراء أردني أسبق) كما وينضم محمد عبدالوهاب إلى فريق ملحنين كبار مثل زكي ناصيف أو فيلمون وهبي وآخرين غير عاصي زوج فيروز وزياد ابنها لتتشكل تلك المدرسة بكامل ألق هويتها الموسيقية.

يقال إن أحد أسرار فيروز والرحابنة هو كبرياؤهم في التعاطي مع الأنظمة العربية ضمن ذات سياسة عدم الانحياز التي انتهجوها. ويقال إن فيروز والرحابنة عوقبوا ذات موقف من بث أغانيهم في الإذاعة اللبنانية لأنهم رفضوا إقامة عرض خاص أمام الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، ومن الحكايا التي لم يوثقها أحد، قيل أن السيدة رفضت الانحناء تحية للجمهور في أول عروض مسرحية "بترا" في العاصمة الأردنية عمان،لأن الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال كان حاضرا، فلم تشأ السيدة أن يشوب انحناءها التباسات حضور الملوك، و لكن من الثابت في كل أعمال الرحابنة والسيدة فيروز أنها لم تغن بالمطلق لزعيم أو رئيس أو ملك، بل في تاريخها الموسيقي كله يمكن أن نجد أغنية أنتجها لها ابنها زياد "الشيوعي" تكريما لعامل نظافة بيروتي اسمه "صبحي الجيز" غنت له السيدة وخلدت ذكره.

صمت فيروز الغامض و قلة كلامها خارج العمل الفني، خلقا منها وحولها الأسطورة التي لا تتكرر، وهي رغم عدم انحيازها لأي فريق يمكن أن يدعي أنها تمثله حصرا، إلا أنها كانت منسجمة مع هالتها الأسطورية الغامضة في مجموعة ترانيمها الكنسية التي أعادت إنتاج غالبيتها تلفزيونيا ابنتها "ريما"، وحققت نجاحا كبيرا لم يؤثر على هالة السيدة كوحدة واحدة للجميع. طبعا مع الإشارة إلى تصريحات زياد الرحباني التي زعم فيها أن "السيدة تحب حسن نصر الله"، وهو تصريح تشكلت معه حالة الانفصال الفني والشخصي بين السيدة وابنها الموسيقي المثير للجدل، بعد تعاون فني طويل كان فيه زياد يغامر بالسيدة وهو يدخلنا عبر صوتها إلى عوالمه الابتكارية التي أثبتت نفسها ورسخت إلى جانب سلسلة طويلة من الإنتاج الرحباني. لكن تلك السيدة التي لا يغيب صوتها في أي يوم نعيشه عن أي مدينة عربية -"صوتي بكل مدينة" كما قالت- وبكل كبريائها الواضح في ظهورها وحضورها تحمل في طيات ملامحها وتفاصيل حياتها تلك اللمحة البسيطة لناسكة مسيحية طيبة شديدة التواضع إلى درجة أن صحفيا سألها في مقابلة نادرة إن كانت تصلي، فأجابت باقتضاب: كل الوقت بصلي. و حين استطرد سائلا: شو بتقولي بصلواتك؟ ردت بكل عفوية المؤمن بتواضع: (إذا قلتلك شو هي صلواتي، ما بعودوا صلوات، بصيروا أخبار)!!

جواب صوفي بسيط، يكشف ذكاء السيدة وحجم إدراكها الكامل لذاتها الموزعة بين فيروز.. و نهاد.

في المحصلة، كانت السيدة، وهي اليوم آخر ما تبقى من "الأخوين رحباني"، تحافظ دوما على هالتها تلك التي أدركت بذكاء معروف عنها، أنه جوهر جاذبيتها وكذلك عنوان شخصيتها، ومغامرتها مع زياد كانت مغامرة ذكية ربحت فيها الرهان على كل الجنون الكامن في عبقرية ابنها.

واليوم، مع آخر إصدارات السيدة في ألبومها "ببالي.." وقد انفصلت عن امتداد عاصي الفني والمجنون ابنها زياد، فصارت "ريما" هي المنتجة، وريما التي تظهر بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا بصيغة " الوصية" على السيدة ومديرة أعمالها، سيدة رحبانية حالمة بأن تكون شاعرة منذ طفولتها، وقد كان لها إصدارات شعرية لم تلق نجاحا رغم بعض الومضات الشعرية الجميلة، واليوم، مع قوة الوصاية والاستفراد بالسيدة، وجدت "ريما" المخذولة مرارا في الماضي مساحات شاسعة لتوظيف أحلامها التي تأخرت، فكان الألبوم الأخير "ببالي".

فهل تكسر وجدانيات "ريما الرحباني" مرايا السيرة والمسيرة؟ وهل حسبت السيدة جيدا مغامرتها الجديدة في ربيعها الثمانين؟

سؤال نتركه في ذمة القادم من الأيام!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان
المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان (المصدر: صفحته على موقع فيسبوك) | Source: Facebook

الزمن اللبناني اليوم هو زمن سعي لتأمين لقمة العيش، ولضمان أن الدخل، المتضائل مع انهيار العملة وتفشي البطالة، سوف يبقى كافيا لسد الحاجات. بل هو زمن الوقاية من وباء لا يبدو أنه قال كلمته الأخيرة، وزمن العودة إلى لحظة ثورة طالبت بمحاسبة طبقة حاكمة أوغلت بالنهب إلى حد الفجور. قد لا يبدو أن ثمة مكان وسط هذه الانشغالات لأن يستدعى الاختلاف العقائدي ولكي يبرز القلق حول الهوية. بل قد يصدق من يرتاب بأن هذا الاستدعاء هو وسيلة لحرف الموضوع والعودة إلى مواجهات قائمة على الاصطفاف العمودي، الطائفي، على حساب التواصلات الأفقية المصلحية التي أثبتت الثورة أهميتها.

غير أن جراح لبنان التي لم تندمل عديدة، ومن شأن هذه الاستدعاءات نكؤها. ولا يجوز بالتالي إهمالها، سواء كانت متعمدة أو جاءت عن غير قصد.

"ونؤكد أن أصل نشأة لبنان تم على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري، وهذه الصيغة قد انتهت، وما قام به بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن، بل أيضا مرحلة وانتهت. وعليه، نصر وبكل صرخة مدوية، أننا ولحماية البلد وكسر الوثنية السياسية، ولإنقاذ لبنان، وتأكيد العيش المشترك، والسلم الأهلي فيه، مطالبون بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة مواطن، دولة لا طائفية، دولة إنسان، دولة بقانون يلحظ المواطن بما هو مواطن، إلا ما خص شؤونه الشخصية، فكفانا ترقيعا بهذا البلد، لأن البلد سقط، سقط لأن دستوره فاسد، وآلية الحكم فيه فاسدة، وطائفيته فاسدة، ومشروعه السياسي فاسد، وتسوياته المختلفة فاسدة".

كلام صادر عن المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، صبيحة عيد الفطر.

تفاوتت التعليقات. البعض وصف الكلام بالجريء والضروري، ورأى فيه تعبيرا عن دعوة صريحة إلى قيام دولة المواطنة. البعض الآخر سعى إلى استبيان ما يبطنه الخطاب من رسائل يبعث بها "حزب الله" عبر المفتي إلى جهات سياسية فاعلة، منها الخصم ومنها الحليف.

لم يعد جائزا إخلاء الساحة للطرح الطاعن بنشأة لبنان، على مسافة أشهر قليلة من مئوية إعلان قيامه

بل كلمة المفتي، إذا أخذت على ظاهرها، يمكن أن يُستشفّ فيها دعوة إلى كسر القيد المفروض على اللبنانيين كافة، الشيعة كما غيرهم، والذي يحصر تمثيلهم بطبقة سياسية متماهية مع مصالح نخبة اقتصادية، في خضمّ الأزمات الكوارثية التي تعصف بلبنان، نقدية مالية اقتصادية، وصحية، وسياسية.

مهما كان الدافع، من شأن موقف المفتي قبلان أن يدرج في إطار التجاذب الحاصل نتيجة لعمق الورطة التي يعيشها لبنان، وانزلاقه دون ضوابط نحو الهاوية. ربما انضوى كلام المفتي على بعض الإنفعال، ولكنه لا يبلغ قدر الألم. وفيه دعوة لمراجعات، يريدها المفتي في العمق، ويؤيده فيها جمهور واسع، كما يتبين من وفرة التعليقات على مواقع التواصل.

سيّان. ثمة جانبان يستحقان التوقف عندهما.

الأول هو أنه حتى إذا جرى تجاوز الشكل هنا، في أن يكون صاحب هذه الدعوة إلى إسقاط الطائفية رجل دين لا يرى حرجا بأن طائفته قد أمسك زمامها بنيان طائفي مسلح خاضع لقرار خارجي، فإن الاستثناء الذي يدخله المفتي في صلب دعوته إلى دولة المواطن ـ في قوله "إلا ما خصّ شؤونه الشخصية" ـ من شأنه أن يمسي مسمار جحا الذي قد يفسد الدعوة، بل قد يبطلها.

(يروى أن جحا باع منزله بسعر بخيس، مشترطا على المشتري أنه يحتفظ بملكية مسمار في أحد جدرانه. رضي الرجل، ليفاجأ في الأيام التالية بأن جحا يواظب القدوم إلى المنزل ليتفقد المسمار وليمضي ساعات الليل الطويلة بجواره).

ليس من التجاوز أن يُفهم أن المقصود بـ "الشؤون الشخصية" هو أن المفتي، ومعه جميع المرجعيات الدينية في لبنان، يرفض التنازل عن حصرية الإمساك بشؤون الزواج والطلاق والوصاية والإرث والأوقاف وغيرها لمن يجري تصنيفه ضمن طائفته من المواطنين. "دولة مواطن وإنسان"، كي تكون فاعلة وصادقة، تقتضي لكافة المواطنين، رجالا نساءً، وبغضّ النظر عن أديانهم وقناعاتهم وأصولهم الطائفية، المساواة في إمكانية الاستعانة بالمرجعيات الدينية لأحوالهم الشخصية، إذا شاؤوا ذلك، أو في الركون إلى إطار تشريعي وطني جامع. ما لا يستقيم هو الاعتراض على "فدرالية الطوائف" مع الاصرار على فرض نظم قسرية مختلفة على أصناف المواطنين على أساس طائفي.

في زمن غابر، سبعينيات الحرب الأهلية، كانت دعوة "الحركة الوطنية"، رغم غلبة التوجهات اليسارية والتقدمية عليها، تنصّ على "إلغاء الطائفية السياسية". لمَ لم يكن المطلب إلغاء الطائفية إطلاقا أو الدعوة الصريحة إلى العلمانية، لا سيما وأن الحوار الفكري في لبنان منذ الخمسينيات كان ناشطا لإنشاء "طائفة حق عام" إضافية جامعة، لا تمنع استمرار تولي الهيئات الطائفية للأحوال الشخصية ولكنها تقدّم للمواطن خيارا غير طائفي؟ الجواب، دون تحفظ هو مراعاة لحساسية المؤسسات الدينية الإسلامية، وهي القادرة على تعبئة جمهورها واستنزاف تأييده للحركة الوطنية.

لجيل ثورة 17 تشرين، وبالتأكيد لما سوف يليه من أجيال، أن يضع الأسس الصادقة لدولة المواطنة

أي أن المطلوب، في ذاك الزمن، كما هو اليوم، هو إزالة ما لا يناسب هذه المؤسسات، أو من يدعمها، من قيود طائفية، وتحديدا المناصفة التي تخصّص المسيحيين بمواقع تنفيذية رئيسية، مع الاحتفاظ بغيرها من القيود، الأحوال الشخصية على وجه الخصوص، والتي تضمن سلامة المواقع الطائفية الإسلامية.

"الحركة الوطنية"، بشيوعييها واشتراكييها وقومييها، أوهمت نفسها في زمنها بأن مطلبها منطقي وتقدمي، فيما نتيجته التلقائية كانت لتكون الإخلال بتوازن طائفي لصالح طرف وعلى حساب طرف. ومثلها اليوم ربما المفتي قبلان وغيره من الداعين صراحة إلى الانتهاء من المناصفة، لصالح مثالثة أو غيرها، أو إلى الإطاحة بالطائفية مع بعض الاستثناء.

الحقيقة الجلية هي أن مطلب "إلغاء الطائفية السياسية"، أو أي مطلب إلغاء منقوص للطائفية، هو مطلب طائفي محض، وإن كان الداعي إليه غافلا عن طائفيته. فإما أن يكون تفكيك البنية الطائفية بالكامل، بالتوافق الوطني وبشكل تدرجي لتحقيق ما أصر عليه الراحل الكبير، بطريرك لبنان أجمع، مار نصر الله بطرس صفير، من "إزالة الطائفية من النفوس قبل إزالتها من النصوص"، أو أن تبقى الضمانات الطائفية على حالها صونا للسلم الأهلي.

لجيل ثورة 17 تشرين، وبالتأكيد لما سوف يليه من أجيال، أن يضع الأسس الصادقة لدولة المواطنة. ليت جيل "إلغاء الطائفية السياسية" يعمد وحسب إلى مراجعة ذاتية لإدراك مقدار الأذى الذي تسبب به حتى في السعي إلى الإصلاح، صادقا أو زاعما.

على أنه في كلام المفتي قبلان صدى آخر من أصداء زمن "الحركة الوطنية" أكثر إضرارا بلبنان كمجتمع متكامل، كهوية ممكنة، وكوطن ثابت.

هو هذا الهباء المتواتر حول نشأة لبنان "على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري".

هل كان من الصعب على الحلفاء المنتصرين على الدولة العثمانية، وتحديدا فرنسا التي أظهرت بطشها قليلا في الشام وكثيرا في الجزائر، ترحيل المسلمين من جوار جبل لبنان واستبدالهم بتوطين المنهكين المشردين من المسيحيين الناجين من المقاتل والمجازر، لا سيما وأن بعض قادة هذه الدول دخلوا المشرق يستذكرون حروب أجدادهم الصليبية؟

ليت جيل "إلغاء الطائفية السياسية" يعمد وحسب إلى مراجعة ذاتية لإدراك مقدار الأذى الذي تسبب به حتى في السعي إلى الإصلاح، صادقا أو زاعما

لم يفعلوا، لأنه كان ثمة لحظة تأسيسية مختلفة للبنان، مرتبكة دون شك، وبدوافع بعضها ناضج وبعضها ساذج. غير أن بطريرك لبنان الكبير الأول، مار إلياس بطرس الحويك، رضي بمقولة أن يكون لبنان وطنا لمواطنيه، ليس ترفعا عن مصلحة رعيته، بل في استشفاف محمود لحقيقة هذه المصلحة. لبنان المسيحي محتوم بأن يكون بصراع مزمن مع جواره، وإلى زوال. لبنان، حيث للمسيحيين حضور بارز، مؤهل بأن يكون منارة لجواره، وإلى بقاء.

المقاربة ليست سرا ولا هي لخدمة "المشروع الاستعماري"، بل هي قراءة موضوعية قائمة على منطق أنه من الممكن أي يكون الجميع كاسبا.

ثم أن هذا الحل في إيجاد الموقع الوسط، وهذا الموقف الذي أرسى لبنان على شفير، ليس جديدا على تاريخه. الكلام هنا ليس عن لبنان من الناقورة إلى النهر الكبير، بل عن حقيقة أن هذا الساحل عند الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ومعه الجبل ومن ثم السهل الذي يليه، كان على مدار الزمن، منذ ألفيات ضاربة في عمق التواريخ، مشطوبة من ذاكرة أهله وجديرة بأن يعاد اعتبارها، حلقة وصل بين عالمي البحر والبر، منفتح شرقا وبرا على البادية إلى أقاصي جزيرة العرب، ومنفتح غربا وبحرا على مصر واليونان والروم والفرنج والطليان والأمم التي تعاقبت تجارة وسلطانا.

أهل هذا الشريط، بأمسهم كما في حاضرهم، يشبهون هؤلاء وأولئك، وتزيد من أوجه الشبه مقومات الدين واللغة والوعي. ولكن هذه متعددة ومتداخلة، يستحيل اختزالها أو إلزامها بما ليست عليه من التجانس. لبنان "ذو وجه عربي" وفق المقولة التي ارتضاها بشارة الخوري ورياض الصلح، والتي يطعن بها سماحة المفتي. كم هي صادقة هذه المقولة، وكم هو معتل زعم الطائف بأن لبنان "عربي الهوية والانتماء".

العلة في هذا الزعم أنه استدراكي استلحاقي خارج عن زمنه. فمع التبدل بمفهوم الهوية العربية في الثمانينيات والتسعينيات، أمسى يفترض بلبنان أن يشهر أخوته لـ "جزر القمر"، والتي لا يعلم معظم اللبنانيين أين تقع ومن يسكنها، إذ هو وهي من "الأشقاء العرب"، فيما عليه أن يتظاهر وكأنه لا وجود للقواسم العديدة المشتركة مع قبرص ومالطا، مثلا لا حصرا إذ هي جزر أخرى إنما يعرفها ويرتادها ويتماهى معها اللبنانيون بمعاشها وحتى بلغاتها.

ليس في هذا الطرح تبرؤ من "العروبة" أو تخلٍ عنها. فلو أن العروبة قابلة للكمية، فإن "كمّ" العروبة هنا في لبنان، على صغر مساحته وقلة عدد سكانه، يضاهي ما في الدول العربية الكبيرة، ويشهد على ذلك دور اللبنانيين، بهذه الصفة أو قبلها، في توضيح اللغة العربية المعاصرة وجمعها وتعميمها، ثم في إثراء المكتبة العربية بالشعر والنثر، وصولا إلى النتاج الفني الحالي.

للبنان أن يراجع ما حقّقه وما عجز عن تحقيقه خلال القرن الماضي، استعدادا لمئوية أخرى تهددها، عن قصد أو غير قصد، القراءة المسقطة للخير الكثير في تاريخ هذا الوطن الصغير

على أن هذا الشريط عند شرقي المتوسط، ولبنان وريثه المتوحد أو يكاد أن يكون، بعد أن أزال الاحتلال دور فلسطين، واعترضت العقائديات ترقي إسرائيل إلى هذا المقام، وبعد أن حدّ الطغيان من دور سوريا، لا يبتدئ تاريخه مع الفتح العربي ولا يتوقف عنده.

أي أنه للبنان من "العروبة" ما لغيره، ثم أن له، بالإضافة إليها، الكثير غيرها. لبنان ذو وجه عربي، وهو غالبا وجهه الأول يوم يكون طوعيا وإراديا وتعدديا غير نافٍ للثروة الحضارية الكامنة بالتجربة اللبنانية، فيما هو وجه مرفوض حين يسعى البعض إلى زعم حصريته، وإلى اختصاره بأشكال معيارية تعسفية.

صيغة الطائف لم تأتِ لتثبت عروبة لبنان، بل جاءت لتزيد من التكاذب بشأنها، ولتهدد الوجه العربي للبنان بأن تجعله منفّرا، وصولا إلى أسف في بعض الأوساط إلى أن لبنان لم ينشأ كما يتخيله المفتي قبلان، وطنا مسيحيا تابعا للغرب.

المسألة هنا هي التوصل إلى صيغة مستدامة للعيش المطمئن وليست صراعا حضاريا متوهما بين الإسلام والمسيحية. وخطوط التماس تقطع كل منهما وإن على تفاوت. والقضية لم تكن يوما "شرق وغرب، رجولة وأنوثة"، ولا لقاءا تاريخيا مبدلا للاعتبارات، لا مع نابليون والجبرتي، ولا مع اللنبي وصلاح الدين وغورو، ولا صراع حضارات. بل هي حالة تداخل وتفاعل، سلسة يوما، متوعرة أياما. أما الصدام في الرؤى والقلق في التصور فيبدو بالدرجة الأولى من اختصاص أهل البر من الجانبين. دمشق وبغداد، لا بيروت، القاهرة لا الإسكندرية، هنا، وباريس ولندن، لا البندقية وجنوى وغيرهما من المدن الإيطالية هنالك.

كل هذه القراءات قابلة للنقاش. على أنه لم يعد جائزا إخلاء الساحة للطرح الطاعن بنشأة لبنان، على مسافة أشهر قليلة من مئوية إعلان قيامه. للبنان أن يراجع ما حقّقه وما عجز عن تحقيقه خلال القرن الماضي، استعدادا لمئوية أخرى تهددها، عن قصد أو غير قصد، القراءة المسقطة للخير الكثير في تاريخ هذا الوطن الصغير.