مسلمون يؤدون الصلاة
مسلمون يؤدون الصلاة

بقلم رشا العقيدي/

تضم المكتبات القديمة في بيوت أجدادنا صناديق مزخرفة تملؤها صور غير ملونة ترسم ملامح عصر آخر لا يمت بصلة ليومنا الراهن. يكاد يصعب التمييز بين صورة التقطت في إحدى جامعات بغداد أو طهران أو القاهرة عن صورة نظيرة لها في أوروبا. تتعدد الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر صورا من خمسينيات وستينيات القرن الماضي، يرافقها حنين وحسرات أجيال لاحقة تسأل كيف تغيرت تلك الصور؟

يولد معظمنا في الشرق الأوسط على ديانة آبائنا. وإذا كانت الأغلبية في المنطقة مسلمة، فهذا يعني أنّنا ورثنا الدين عن جدودنا، أولئك الرجال والنساء في تلك الصور الجميلة. هل نحن أفضل منهم إسلاماً؟ بالتأكيد فإنّ المظاهر الإسلامية أكثر انتشاراً، فالحجاب زاد عشرات الأضعاف، وأعداد المساجد كثرت، وأطلق الرجال اللحى. ومع العقود، أيضاً، ازداد الفساد الإداري والمالي ونسبة التحرش الجنسي والجريمة. ولا يعني ذلك وجود صلة بين انتشار الدين وانحدار المجتمع، بل يبين أنّ المظاهر الدينية ليست كفيلة بردع السوء إذا تغيّرت النفوس.

كان الإسلام إيماناً بالدين ولم يجد جدودنا ضرورة في محاولة فرضه أو منعه. المسلم العادي من عوام العواصم الحضرية كان يعرف الصلاة، يصوم رمضان، يحتفل بعيد الفطر والأضحى، يؤدي الزكاة والصدقة، دون أن يرى أيا من تلك الفرائض عائقاً أمام التمدّن والحداثة. أمّا النساء، فالحجاب والعباءة مكانهما في المساجد. وفي رمضان يقلّ التبرّج وتتسع الملابس احتراماً للشهر. ولكي نخرج عن المظاهر فقط التي يصنفها اليسار الغربي على أنّها حريات شخصية، لم يكن الإسلام القديم قاسياً – كما سوُّقَ لنا – على من يلتزم بالدين، فالشيخ، والمتديّن، والمحجبة، كان يُنظر إليهم بإجلال وتقديرـ وبالمقابل لم يلاقِ الأقل التزاماً قسوة المعاملة أو الاحتقار.

يرى البعض أن هذه الفترة التي هي ليست بالبعيدة كانت "علمانية"، ولكن هذا التصنيف فيه مغالطة. كانت الأحكام الإسلامية موجودة وتطبّق، ولم تكن الحكومات تمنع الناس عن الدين. الوصف الأدق لتلك المرحلة هو انتشار ثقافة "الإسلام المألوف"، والتي تعود جذورها إلى ثقافة إسلامية انتشرت في القرن الأول بعد الهجرة إذ زاد التوّجه نحو الإيمان في القلب والتهوين في تحكيم الشريعة، واعتبار أداء الفرائض زيادة في الإيمان والتقصير فيها غير منقّص له. ومن تبعات تلك الثقافة الإسلامية، انعدام الحاجة لمفهوم "الهوية"، واستيعاب الأديان الأخرى على أنّها تجليات مختلفة لنفس الإيمان القلبي، وتقبلها دون تجريح. إنّ الإسلام المألوف هو ما ورثناه عن آبائنا، وليس إسلام السلف. وهذا أيضاً سبب رفض عوام المسلمين الاعتراف بأنّ داعش، ومن على شاكلته، تنظيمات إسلامية ولدت من رحم الفقه الإسلامي ومن النصوص التي لا جدال فيها. فإسلام تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وداعش، فعلاً، يختلف جذرياً عن "إسلامنا".

هذه ليست دعوة لترك الفرائض أو المظاهر الإسلامية الواسعة الانتشار اليوم، بل تساؤلات عن أسباب ودوافع التغير. لا تزال هناك فئات محتفظة بالإسلام المألوف، ولكن الثقافة الإسلامية اليوم تتمحور حول فكرة "الهوية الإسلامية"، حيث تحوّل الحجاب من فريضة لا تمارس بالإكراه إلى "رمز" للمرأة المسلمة، وبدونه تفقد المسلمة حق تمثيل دينها. تحوّلت الصلاة من مناجاة مع الخالق ودعاء إلى مقياس لصلاح الإنسان في مجتمعه. تحولّ دور رجل الدين من الوقار والتقوى إلى التحريض والإكراه والانتقاص من المختلِف، وأحياناً، تبرير موته. واللافت أن الثقافة الإسلامية اليوم لا تولي اهتماماً بخراب المجتمع، وتكتفي بإلقاء اللوم على "الطاغوت"، شريطة ألّا يكون هذا الطاغوت إسلامياً.

إنّ التحول في الثقافة الإسلامية تولّد من مفهوم "الاستثنائية الإسلامية"، والتي تدعّي استحالة فصل المظاهر الدينية والحكم بتفاصيل الشريعة عن حياة المسلم. هذه الاستثنائية، بالتالي، لا يمكنها أن تتصالح مع الحداثة إلّا بحكم إسلامي سياسي – على غرار تنظيم الإخوان المسلمين. لكن هل الإسلام استثنائي حقّاً؟ إنّ القيم الإنسانية المتضمنة في دساتير معظم البلدان الغربية تجد أسسها في الوصايا العشر للإنجيل، كما أنّ الأنظمة "العلمانية" في العالم العربي، في فترات الحكم التي اتُهمت بمعاداة الإسلام وملاحقة أهل الدين، تضم أحكاماً من الشريعة وتسلم بأنّ الإسلام دين الدولة. وكما تأقلمت الحضارة الغربية في استيعاب الحد الأدنى من القيم العليا التي تحض عليها الأديان ضمن دساتير مدنية، تصالح الإسلام المألوف ووفّق بين قيم الإسلام وأداء الفرائض وبين الحداثة والدولة المدنية دون الحاجة لأسلمة السياسة. الحقيقة أنّ الدين لم يُحارب، وأنّ الإسلام ليس استثنائياً، بل أنّ الإسلامويين- معتنقي مذهب الإسلام السياسي – هم الاستثنائيون في مسعاهم إلى احتكار ما هو "إسلامي" وتحديد من هو المسلم الصحيح.

يثير مصطلح "الإصلاح الديني" جدلاً دينياً واجتماعياً بين مؤيد وداعم وبين رافض للاعتراف بحاجة المسلمين لمراجعة الذات والنصوص. يكتفي عدد غير قليل من المسلمين بمواساة الذات وإقناعها بأنّ الإرهاب لا شأن له بالإسلام، بينما تذهب فئة أخرى إلى تسفيه الدين كله والحض على تركه بالكامل، أو انتزاعه من الحياة العامة والسياسية. والحقيقة أنّ هذا الاستقطاب في شقيه غير ممكن ويبعد كل البعد عن الواقع في المناطق التي تلتمس عواقب التطرّف والتشدد والديني. لذا، ليس مفاجئاً أن تأتي الأصوات المؤيدة للإسلام السياسي والرافضة للتغيير، والأصوات التي تدعو إلى اقتلاع الإسلام، من الغرب حيث يوجد متسع من حرية التعبير توظفها التيارات بخطاب يحميه القانون. هناك أيضاً انفصال عن الواقع في المناطق ذات الغالبية المسلمة وجهل بتفاصيل المجتمعات التي تحتضن الإسلام ديناً.

لا يمكن فصل الثقافة الإسلامية أو الإسلام المألوف عن حياة المسلمين. ما يمكن فعله، وما يحتاجه المسلمون، هو إعادتها إلى ماهيتها: ثقافة وليس هوية، إيمان وليس قضية. قد يكون الإسلام الذي يريدهُ القطبيون والسلفيون استثنائيا في رفضه للآخر ومحاربته للحداثة، ولكنّ المسلمين ليسوا باستثنائيين، وإنّ صبر الغير "المختلف" على عجزنا في التصالح مع الذات ومع العالم ينفد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟