روحاني يستقبل أردوغان في طهران
روحاني يستقبل أردوغان في طهران

بقلم د. عماد بوظو/

لا يكاد الرئيس أردوغان ينتهي من أزمة ديبلوماسيّة مع إحدى الدول حتّى يبدأ مشكلة جديدة مع بلد أو زعيم آخر. هذه السلسلة من المشاكل المتواصلة تشمل كل دول العالم من الولايات المتحدة وروسيا حتى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من السويد وإسرائيل إلى السعودية ومصر وغيرها. دولة واحدة لم تحدث معها خلال سنوات حكم أردوغان الطويلة أزمة أثّرت على متانة العلاقات الثنائية، وهي إيران.

في 4 أكتوبر 2017، قام الرئيس أردوغان بزيارة إلى إيران رافقه فيها وزراء الخارجيّة والداخلية والاقتصاد والطاقة والسياحة والثقافة، بالإضافة لنائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم. وكان قد سبقهم إلى طهران رئيس الأركان التركي. هذه الزيارة الرفيعة المستوى ليست استثنائية بل هي رابع لقاء قمّة بين الرئيسين أردوغان وروحاني منذ عام 2014، أمّا زيارات الوزراء والقادة العسكريين والأمنيين فمن الصعب حصرها. وهكذا كان الوضع أيام أحمدي نجاد، فمنذ استلام الرئيس أردوغان السلطة والعلاقة مع الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية لها خصوصيتها وتختلف عن العلاقات مع بقية دول العالم. 

من البداية عارضت تركيا العقوبات الدولية على طهران من أجل برنامجها النووي. في عام 2010 صوّتت تركيا التي كانت عضوا غير دائم في مجلس الأمن ضد القرار 1929 الذي ينص على توسيع العقوبات على إيران من أجل برنامجها النووي

والصاروخي رغم أن كل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن قد أيدته بما فيهم روسيا والصين، ولذلك فقد تمّ تبنّي القرار، كما أن تركيا هي المكان الذي التفّت فيه إيران على هذه العقوبات، إذ كانت تركيا تستورد الغاز والنفط من إيران وتدفع ثمنه بالليرة التركية لعدم إمكانية دفع أموال لإيران بالدولار عبر النظام المصرفي الدولي في ظل العقوبات، وبما أن إمكانية الليرة التركية محدودة لشراء السلع من السوق العالمية فكان يتم بهذه الليرة شراء ذهب من تركيا ببلايين الدولارات ثم تصديره لإيران. فيما بعد ولرغبة تركيا في تجنّب تسليط الضوء على هذه العملية فقد استعاضت عنها بإرسال الذهب إلى إيران بطريق غير مباشر. نشرت وكالة رويتر في نهاية 2012 تقريرا قالت فيه "لرؤية أحد الشرايين المالية النشطة لإيران ما عليك سوى أن تزور مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول ثم التوجه إلى بوابة الرحلات المتجهة إلى دبي. وأفادت مصادر مطلعة بتجارة الذهب بأن مندوبين يحملون في أمتعتهم ذهبا بملايين الدولارات يطيرون إلى دبي، ثم يتم شحن المعدن إلى إيران".

وأشارت بيانات رسمية تجارية تركية في شهر آب أغسطس 2012 إلى أنه تم إرسال ذهب بنحو ملياري دولار إلى دبي نيابة عن مشترين إيرانيين، لكنّ بائعي مجوهرات ومحللين في دبي قالوا إنهم لم يلحظوا زيادة في إمدادات لسوق الذهب في دبي وهذا يعني أن الشحنات قد تابعت طريقها مباشرة إلى إيران وغالبا عبر قوارب خشبية وسفن تعبر الخليج، رغم أنه على الورق يبدو كأن الذهب قد تصدّر من تركيا إلى دبي وليس إيران. كما فتحت تركيا حسابا للحكومة الإيرانيّة في "بنك خلق" المملوك للحكومة التركيّة وقامت إيران بتسجيل شركات في الصين تبيع و تشتري فيها بضائع وهمية ثم يتم تحويل الأموال إلى شركات في تركيا لشراء الذهب ليتم نقله إلى إيران. وعند اكتشاف هذه الطريقة للالتفاف على العقوبات، قام مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون الجرائم المالية ديفيد كوهين بزيارة تركيا للتحقيق في الموضوع، ثم فرضت أميركا حظرا على تصدير الذهب لإيران فاضطرت إيران لتخزين 13 مليار دولار من الذهب في تركيا كانت قد اشترته قبل الحظر. إن تراكم كل هذه المعلومات بالإضافة للضغوط الدولية قامت الشرطة التركية بفتح تحقيقات حول هذه القضية انتهت باعتقالات شملت مدير "بنك خلق" الذي قالت الشرطة إنها وجدت في منزله 4.5 مليون دولار في علب أحذية، ورضا ضراب وهو إيراني يحمل الجنسية التركية له علاقات تجمعه بأحمدي نجاد الذي أصبح بين عشية وضحاها مسؤولا عن تصدير 46% من الذهب التركي، بالإضافة لعشرين شخصا آخرين مقرّبين من أردوغان، كما أدت التحقيقات في كانون الأول ديسمبر 2013 إلى استقالة وزيري الاقتصاد والداخلية معمر غولر وظافر تشاغلايان. وردّا على ذلك وصف حزب العدالة والتنمية فضيحة الفساد هذه بأنها مؤامرة دنيئة ضد الحكومة والحزب وتركيا، كما هدد أردوغان بقطع أيادي خصومه السياسيين في حال استخدموا هذه القضية لضرب حكمه واصفا ما يجري بأنه حملة لتشويه صورته. وسرعان ما ردّت حكومة أردوغان على ذلك بحملة تم خلالها إقالة عشرات من مسؤولي الشرطة للتغطية على فضائح الفساد وعقابا لهم على دورهم في كشف هذه القضايا وتم اتهامهم بأنهم موالون لجماعة فتح الله غولن وأن هدف قيامهم بالتحقيقات وتسريب أخبارها للصحف هو استغلالها ضد حكم حزب العدالة و التنمية، وهذه القضية تحديدا هي التي فجرت الخلاف المستمر حتى اليوم بين أردوغان وغولن، كما تم اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهم خلف القضية. وفي شباط 2014 نشر موقع فورين أفيرز الأميركي مقالا بعنوان: "تركيا وأميركا الأصدقاء الذين لم يعودوا كذلك"، قال فيه إن هناك استراتيجية دائمة اتبعتها تركيا وهي إلقاء اللوم على أطراف خارجية كلما واجهت مشاكل داخلية حادة، فعندما انفجرت الأزمة مع فتح الله غولن هدد أردوغان بطرد السفير الأميركي!، وهذه الاستراتيجية مستمرة ويمكن ملاحظتها في الأزمة الحالية بين واشنطن وأنقرة. 

عندما تمّ توقيع الاتفاق النووي مع إيران عارضته كل دول الشرق الأوسط باستثناء تركيا، وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا رحبت فيه بالاتفاق وهنأت الأطراف على جهودهم التي أدت لهذه النتيجة. 

حتى في الموضوع السوري، كان لإيران وتركيا دائما علاقة استثنائية مع دمشق وتميّزت علاقة أردوغان مع الأسد بأنها كانت ذات طابع عائلي، انطلاق الثورة السورية أحرج كلا البلدين، لكن إيران حسمت أمرها سريعا ووقفت مع النظام السوري ودعمته عسكريا واقتصاديا، بينما أرسل أردوغان عشرات الوفود إلى دمشق طوال ستّة أشهر طالبا من بشار الأسد تغيير أساليب مواجهته للاحتجاجات الشعبية دون جدوى، حتى اضطر تحت ضغط قاعدته الشعبية لأخذ موقف آخر دون أن تتأثر أبدا علاقته مع طهران واستمرار مساعدتها في الالتفاف والتعايش مع 17 قرار عقوبات غربية عليها. واليوم عاد الأتراك والإيرانيون برعاية الروس للعمل سويّا حول سوريا على مسار غامض أسموه أستانة لا يشير إلى حل أو انتقال سياسي ولا يتطرق لموضوع الأسد، وحتى اليوم يبدو أن هذه الأطراف تعمل بانسجام ولا توجد مؤشرات على خلافات جوهرية بينهم حول هذه القضية. 

يجمع الرئيس أردوغان مع النظام الإيراني الكثير من القضايا المشتركة، فكلاهما يقول إنه يمثل الإسلام، وللطرفين نفس الخصم وهو الغرب بثقافته ومفاهيمه وديموقراطيته وقضائه المستقل وصحافته الحرة. ولهم نفس الأصدقاء مثل روسيا والصين وما تبقى من ديكتاتوريات هنا وهناك. ويستخدم الطرفان القضية الفلسطينية ليسوّقوا أنفسهم كزعماء للعالم الإسلامي، كما يشتركان بادعاء أن العالم يتآمر عليهما وأن أي معارضة داخلية لهما هي من أدوات هذا التآمر الدولي. والأهم من ذلك أن الطرفين مازالا في الماضي، أحدهم يبحث عن خلافة ضائعة وآخر يريد الانتقام لثارات طائفية تاريخية، كلاهما يعيش في عالم آخر وعصر آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة