الرئيس ترامب
الرئيس ترامب خلال كلمة حول الاتفاق النووي مع إيران الأسبوع الماضي

بقلم عريب الرنتاوي/

لم تعد لدى إيران أية حوافز لإبداء قدر من التعاون مع الولايات المتحدة، بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب عن استراتيجيته الجديدة حيالها. ولا أدري إن كانت حوافز كهذه متوفرة أصلاً لدى طهران. المؤكد اليوم، بنظر معظم المراقبين، أن كلا الطرفين، يتحضران لموجة جديدة من المواجهة لا نعرف على وجه الدقة، أين ستكون ساحاتها وأين ستصل مداياتها.

واشنطن غير الراغبة، وربما غير القادرة، على خوض حرب مباشرة مع إيران، باشرت في تفعيل سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية ضد الحرس الثوري ومؤسسات ذات صلة ببرنامج طهران الصاروخي، لكن تجارب العقوبات السابقة، العديدة والمريرة أحياناً، أظهرت محدودية الأثر الذي يمكن للعقوبات أن تحدثه في تغيير سياسات الدول وتوجهاتها، وبالأخص في الحالة الراهنة، حيث تقف الولايات المتحدة وحدها تقريباً في مواجهة إيران، وتجد صعوبات فائقة في إقناع المجتمع الدولي بالانضمام إليها، باستثناء عدد قليل من دول المنطقة، التي تنظر لإيران بوصفها التهديد الأخطر على أمنها واستقرارها ومصالحها مثل السعودية والإمارات وإسرائيل.

لكن السؤال الذي يشغل بال الأوساط السياسية والإعلامية، ويدور على ألسنة المراقبين جميعاً، إنما يتعلق أساساً بالأثر التي ستحدثه الاستراتيجية الجديدة على أزمات المنطقة المشتعلة والمفتوحة، من العراق مروراً بسوريا ولبنان، وانتهاء باليمن والبحرين وغيرها، لاسيما وأن الاستراتيجية الجديدة رفعت مستوى العداء بين البلدين إلى حد غير مسبوق، ووضع العلاقة بينهما على شفير هاوية، لم يعد يفصلهما عن الانزلاق إلى قعرها، سوى خطوة واحدة فقط.

الأنظار تتجه أساساً إلى العراق، حيث تصطف واشنطن وطهران، واقعياً على الأقل، إلى جانب حكومة الدكتور حيدر العبادي في حربها ضد تنظيم "داعش" الإرهابي. هنا لن تكتفي إيران بالعمل على إحباط مساعي واشنطن وأصدقائها لتحجيم نفوذها، بل ستعمل على تقويض نفوذ الولايات المتحدة وقطع الطريق على مرامي وأهداف سياساتها في العراق، وبكل الطرق والوسائل المتاحة.

في هذا السياق، ستكون العلاقة بين بغداد وأربيل، ساحة مواجهة وتصفية حسابات بين أكبر لاعب دولي وأكبر لاعب إقليمي في العراق. طهران تقاوم نتائج الاستفتاء على تقرير مصير الكرد، وتعتبره "مؤامرة" أميركية تستهدف أمنها ووحدتها الوطنية أساساً، وهي تزاوج في علاقتها مع كرد العراق بين العصا والجزرة، تغلق الحدود والمعابر والأجواء في وجه الإقليم، وتجري مناورات على مقربة من الحدود، ولكنها في الوقت ذاته ترسل رجلها القوي في العراق، قاسم سليماني إلى السليمانية وأربيل، للبحث عن مخارج وحلول سياسية، فإن تعذّر ذلك، فإن "عصا الحشد الشعبي" ستكون بالمرصاد لأصدقاء واشنطن من كرد العراق، وتحديداً في "المناطق المتنازع" عليها، وهي في هذا المسعى، لن تعدم وسيلة لكسب تأييد تركيا التي تجد في النزوع الانفصال الكردي، تهديداً لأمنها الوطني ووحدتها الترابية كذلك، والحصول على "غض طرف" روسي طالما أن المسعى الإيراني سيعقد مهمة واشنطن.

كذلك سيصطدم مسعى واشنطن لتطوير نظام سياسي أكثر توازناً في بغداد، قادر على التعامل مع تحديات "مرحلة ما بعد داعش"، برغبة إيرانية متفاقمة، لتجديد هيمنتها على مفاصل القرار السياسي والأمني في العراق وتوسيعها، وهي وإن كانت تفعل ذلك منذ سنوات عديدة، إلا أنها ستكون أقل تسامحاً اعتباراً من اليوم، مع أية محاولات للحد من نفوذها ونفوذ حلفائها المهمين على مراكز صنع القرار في الدولة العراقية. والأرجح أن واشنطن لن تجد الكثير مما ستفعله لوقف هذا المسعى أو لاحتواء ردود الأفعال الإيرانية.

وفي سوريا، ستجد الولايات المتحدة صعوبة فائقة، في استحداث التغيير المرغوب في اتجاهات تطور الأحداث، فليس لها على الأرض في سوريا من حلفاء موثقين خارج إطار وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية. وهي وإن كانت تسيطر على ما يربو عن 20 بالمائة من مساحة سوريا، إلا أن نفوذها المتعاظم، يستثير غضباً تركياً وإيرانياً مشتركاً، عبرت عنه الزيارات السياسية والعسكرية والأمنية رفيعة المستوى المتبادلة وغير المسبوقة بين الجانبين، وسمحت بالتوصل إلى تفاهمات بين طهران وأنقرة، برعاية موسكو، تستبطن أشد مشاعر العداء للنزعات الانفصالية الكردية. واشنطن التي تقف على مسافة من مسار أستانا، ستجد من هم أكثر استعداداً اليوم، لمقاومة حضورها ونفوذها في سوريا، سياسياً وميدانياً.

وإذا كان التصعيد في الحرب الدائرة في اليمن وعليه، يبدو أكثر ترجيحاً، فإن الوضع الداخلي في عدد من دول الخليج التي رحبت بقوة باستراتيجية واشنطن الجديدة حيال إيران، قد يشهد اضطرابات متزايدة، خصوصاً في البحرين، حيث الغالبية الشيعية تشكل العمود الفقري للمعارضة في البلاد، لكن لبنان بنظر المراقبين، سيكون ساحة أخرى أكثر سخونة، لـ"حروب الوكالة" بين الولايات المتحدة وإيران، لاسيما بعد العقوبات الأخيرة التي فرضتها إدارة ترامب على حزب الله.

ويعيش لبنان اليوم، هاجس تداعيات التدهور في العلاقات الأميركية – الإيرانية، وعودة السعودية للعب دور متزايد للتقريب بين حلفائها المنضوين في تحالف 14 آذار، وهو تحالف تعرض للتفكك مؤخراً، لكن محاولات سعودية تبذل بنشاط لإعادة ترميمه، ودائماً على قاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا" أو مع حزب الله وإيران، وهي معادلة تنذر بانهيار التسوية الهشة والترتيبات المؤقتة التي أدت إلى انتخاب العماد ميشيل عون لرئاسة الجمهورية وعودة سعد الحريري لرئاسة الحكومة، وتمهد لإجراء انتخابات برلمانية مرتقبة في العام المقبل، بعد سنوات من التمديد والتعطيل.

لا شك أن الولايات المتحدة ما زالت القوة الاقتصادية والعسكرية الأعظم في العالم، لكن قدرتها على إحداث تغيير كبير في المنطقة، في غير صالح إيران وحلفائها، تبدو محدودة للغاية، فقد نجحت طهران في بناء "قواعد ارتكاز" صلبة لها في صميم البنى السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية في العديد من دول المنطقة ومجتمعاتها، وهيهات أن تنجح إدارة ترامب، التي يبدو أنها تعاني من الارتباك داخلياً والعزلة دولياً، في إحداث انعطافة نوعية في مسار تطور الأحداث، والأرجح أننا سنجد في واشطن، من سيدعو لمراجعة الاستراتيجية والسياسات والإجراءات المتأسسة عليها، إن لم يكن فوراً وعلى المدى المباشر، فعلى المدى القصير والمتوسط على أبعد تقدير.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟