الملك عبد الله الثاني (وسط) مع حكومة فيصل الفايز عام 2003، أرشيف
الملك عبد الله الثاني (وسط) مع حكومة فيصل الفايز عام 2003، أرشيف

بقلم مالك العثامنة/

هناك أغنية من التراث الإنكليزي القديم، يحفظها كثير من الأطفال حول العالم، وتتحدث عن بيضة اسمها "همبتي دمبتي" – Humpty Dumpty- وهي البيضة التي تجلس على السور،حسب نص الأغنية، وتسقط سقطة عظيمة عن السور.. وطبعا تتكسر.

وتقول قفلة الأغنية:

All the king’s horses

All the king’s men

Couldn’t put Humpty together again.

كل أحصنة الملك..

كل رجال الملك..

لم يقدروا على لملمة همبتي مرة أخرى، (أو إعادتها إلى ما كانت عليه).

من تلك الأغنية.. أفكر دوما بالحالة الأردنية، مرددا بيني وبين نفسي كل مرة عبارة:

 "كل رجال الملك"!! وكل خيوله أيضا!

مشهد من الذاكرة

أحد أيام عام 2004، كنا مجموعة من الصحفيين نجتمع في مقهى التمبكجي في شارع الصحافة في العاصمة عمان. (وهو الشارع الحيوي الذي تمت تسميته رسميا في العهد الجديد باسم الملكة رانيا زوجة الملك عبدالله الثاني).

كنا بانتظار زميل من الزملاء يراسل صحيفة لندنية، وهو القادم ـ ونحن بانتظاره - من لقاء محدود مع رئيس وزراء الأردن آنذاك السيد فيصل الفايز.

لم يتأخر الزميل كثيرا، لكن ملامحه المشتعلة كانت توحي بحكايا دسمة قد ترضي شهيتنا الصحفية..!

من بين كل ما تحدث به زميلنا المحترم عن لقائه مع الرئيس، كانت القصة التي نقلها عن لسان الرئيس نفسه هي الأكثر تأثيرا بيننا، ولم نعلق على القصة حينها، وللإنصاف، كان الزميل أكثرنا وضوحا في إبداء غضبه.

القصة كما رواها مراسل الصحيفة اللندنية نقلا عن "دولة" فيصل الفايز تقول إن الرئيس يصف علاقته "بكل ولائها" مع الملك بأن (..."مولانا" لو قام وحملني من طرف جاكيتي بطرف أصابعه، ورماني في سلة المهملات، لما تحركت منها صدعا لأمر جلالته!!).

قصة من سطر.. تختصر فصلا من عهد.

"دولة" فيصل الفايز.. والحمد لله لم يضعه الملك في سلة المهملات، لكن حملته صناديق اقتراع "قيل فيها ما قيل" إلى مجلس النواب، نائبا، ثم رئيسا لمجلس النواب واليوم هو رئيس أحد غرفتي البرلمان الأردني، مجلس أعيان الملك..!!

فيصل الفايز.. من رجال الملك.

فهمُ المعنى الوظيفي لرئيس الوزراء في الأردن، لا يزال قاصرا حتى عن رئيس الوزراء نفسه، والمعنى الدستوري واف وكاف وفيه من الوعي الفقهي والسياسي ما يكفي الغاية من وجود الوظيفة لولا قصة "الملك مصون من كل تبعة ومسؤولية"... وهي عبارة نصية دستورية صحيحة لو كان الملك لا يتصدى للمسؤولية ولا يحملها.. لكن الملك "دستوريا أيضا" هو الذي يكلف الحكومة بأعمالها، بل إن أوامره الشفوية تكليف ملكي واجب التنفيذ..!! ومع كل تلك المسؤولية، جلالته مصون عن كل تبعة ومسؤولية!! مما يضع رئيس الحكومة أمام كل المسؤولية، التي لا يملكها طبعا!!

من هنا.. ومن هنا فقط، تتضح صورة الفراغ الذي لا بد أن تملأه جهة أو مؤسسة أو "شخص". فهو فراغ هائل من الصلاحيات، تقابله نزعة هائلة من الاستئثار بتلك الصلاحيات في دولة وضعت ضوابط الدستور جانبا تحت مظلة مفهوم فضفاض اسمه "الرؤية الملكية"!!

كل رؤساء الوزارات هم رجال الملك أيضا.

مشهد من الذاكرة

تموز القائظ عام 2006، ودعوة من الديوان الملكي للصحفيين لحضور فعاليات مؤتمر لشباب كلنا الأردن، في قاعة مؤتمرات البحر الميت، والمواصلات مؤمنة من قبل الديوان، فالفعالية برعاية الملك نفسه.

رفيقي في "الرحلة" كان الزميل الراحل سامي الزبيدي، طبعا بمعية نخبة من الزملاء الصحفيين والإعلاميين ملأوا الحافلات المعدة خصيصا لنا ولنقلنا إلى ومن البحر الميت.

في قاعة المؤتمرات الفخمة والمكيفة، وفي القاعة الرئيسة حيث الطاولات المستديرة والموزعة بشكل منتظم، وحسب الأسماء، بحيث يجلس على كل طاولة فعاليات منوعة من إعلاميين ورجال أعمال واقتصاديين، وطبعا على كل طاولة أيضا، "فلذات أكبادنا" شباب كلنا الأردن.

لم يتأخر الملك بالوصول (مع الملكة طبعا)، ولم تأت الحكومة (السلطة التنفيذية للدولة) بأي وزير عامل فيها!!

ألقى الملك كلمته أمام الجميع، وغادر القاعة على تصفيق الجميع، فالكلمة وبحق جميلة، وملهمة!!

أهم ما ورد في كلمة الملك أنه يطمح وبصدق لمعرفة رؤية "الشباب" الأردني، ممثلا هذا الشباب بهذه الهيئة الشبابية، وأوضح الملك أن رؤية الشباب التي ينتظرها ستوضع محل الرعاية والدراسة أمام الحكومة (الغائبة عن حضور تلك الفعالية بأي تمثيل).

على طاولتنا ـ أنا وسامي الزبيدي - كان الحوار مبادرة من سامي الذي سأل الشابة والشاب عن "رؤيتهم" لواقع الحال!! وهو سؤال فضفاض يفتح المجال لحوار يمكن البدء فيه من أي نقطة.

إجابة الشابة، والتي لقيت تأييدا من الشاب زميلها كانت حاسمة وقاطعة : (رؤيتنا هي رؤية سيدنا الله يطول عمره).

تدخلت أنا، وقلت للصبية أن "سيدنا الله يطول عمره طلب معرفة رؤيتكم أنتم".. لكن مداخلتي لم تغير قناعات الشباب بأن الرؤية الوحيدة هي رؤية "سيدنا"، ورغم أن الملك قال بنفسه أنه يبحث عن رؤى جديدة عند الشباب.

في خضم الحوار.. والتوتر، قفز إلى الطاولة بخفة الحواة، وبابتسامة تذكرك بموظفي علاقات عامة في شركات الاتصالات، شخص مبالغ بتأنقه وربطة عنقه اللامعة، وخاطبني أنا وسامي بأسمائنا (بطاقات التعريف معلقة على العنق).. وقبل أن يكمل مداخلته غير المفهومة، سأله الزميل الزبيدي بأن يعرف بنفسه (لا بطاقة تعريف تتدلى من رقبته!)، فعرف بنفسه أنه فلان الفلاني، ويعمل بمكتب الملك!! فصحح له الزبيدي خطأه المؤسسي الفادح بقوله أنه لا يعمل في مكتب الملك، بل يعمل مع مدير مكتب الملك (وهو طبعا آنذاك، الغني عن التعريف باسم عوض الله).

زميلي - رحمه الله - غادر الحديث الدائر غاضبا، وبقيت أنا مع الرجل الذي حاول الانعطاف بشكل عاطفي معي عن طريق أواصر قربى جهوية بعيدة جدا، وخاطبني بصفتي كاتبا "وطني" و "مخلص!!" .. و" إنو ما بصير هيك!!".

عند هذه النقطة من حديثه، التحقت بزميلي الغاضب.. غاضبا أيضا!

الشباب – برؤية أو بلا رؤية- شباب الملك..

الأخ المتأنق - في مكتب مدير مكتب الملك - من رجال الملك.

و كذا باسم عوض الله.. من رجال الملك أيضا.

(وللحديث و مشاهده بقية ..)

ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!