قاسم سليماني (وسط)
قاسم سليماني (وسط)

بقلم حازم الأمين/

هل يمكن الحديث عن "وحدة العراق" في ظل حقيقة ساطعة كحدث "استعادة الحكومة الاتحادية" مدينة كركوك؟ الأرجح أن الحدث يؤشر إلى استحالة وحدة العراق، ذاك أن الوحدة المزعومة تم إنجازها بقيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني. والرجل سبق له أن أمن للعراق "وحدة" أخرى تمثلت بقيادته العمليات العسكرية ضد "داعش"، وهو حرص في حينها على أن يلتقط صوراً لنفسه محاطاً بعناصر الحشد الشعبي الشيعي. والعراق اذ تأمنت وحدته مرتين هذا العام على يد هذا الرجل، لم يعد يملك من أسباب "الوحدة" غير قاسم سليماني.

ما جرى في كركوك نصر إيراني جديد. لا يمكن وصفه بغير ذلك، ذاك أن المشهد العراقي في ضوء هذا النصر وفي ضوء النصر الذي سبقه في الموصل يؤشر إلى خراب وإلى هزيمة. فمن انتصر على من في كركوك؟ الحكومة الاتحادية انتصرت على الحكومة الفيدرالية؟ إذا صح هذا الافتراض، فهو يعني أن العراق شهد لحظة انشطار جديدة. الشيعة انتصروا على الأكراد، وسبق أن انتصروا على السنة، وهذا يعني في الحساب العراقي بداية نهاية العراق، أما في الحساب الإيراني فما جرى في كركوك هو تعزيز للنفوذ الإقليمي لطهران في مواجهة احتمالات مباشرة واشنطن الحد من هذا النفوذ.

في واقعة كركوك رابح وخاسر. الأكيد أن الأكراد خسروا، وبدت خطوة الاستفتاء ناقصة وغير محسوبة. لكن الأكيد أيضاً أن العراق أصيب بصدعٍ جديد، ذاك أن ضغينة ولدت وتنتمي إلى باقة الضغائن التي تنطوي عليها "وحدة" هذا البلد.

إنه زمن الانتصارات الإيرانية، والغريب في مسلسل هذه الانتصارات التي تلف الإقليم هو أن صاحبها لا يقاتل بقوته المباشرة، إنما بأذرع محلية لا نصيب لها من الغنائم. والغريب أيضاً أنها انتصارات واقعية لكنها غير منطقية. فكيف يصح مثلاً أن تنتصر طهران في سورية. هذا النصر تحقق لها واقعياً، إنما المنطق يقول أن المهزوم أقوى من هذه القوة الافتراضية. فهو هُزم على أرضه فيما طهران انتصرت على غير أرضها وبغير قوتها. شيء من هذا حصل في العراق، في الموصل وفي كركوك، والهرب من ذلك بالقول أن "داعش" عدو الجميع والنصر عليها نصر للجميع، هو منطقي لكنه غير واقعي. فما يجري اليوم هو أن هناك مجتمعا محليا يُعامل بصفته مهزوماً، وقوة أهلية تتصرف بصفتها منتصرة.

ربما علينا إعادة النظر بوسائل التفسير التي نعتمدها. ثمة معطى جديد من خارج دائرة توقعاتنا. ثمة قوة تقيم جسور امبراطورية افتراضية وتنجح في تحويلها إلى واقع. في العراق انتصرت طهران وتفتت البلد، وفي سورية أيضاً، ويبدو أن للبنان مصيراً موازياً. الحقيقة الوحيدة حتى الآن هي أن طهران انتصرت. لا يكفي القول أن ذلك غير منطقي، اذ أنه واقعي، والواقع أقوى من المنطق.

في هذه المسافة الضيقة تتحرك طهران، أي في الفارق الهائل بين المنطقي والواقعي. قاسم سليماني يزور خطوط القتال مع "داعش" في الموصل وسورية. الرجل في مواجهة الشيطان، ومن يعترض يكون شريكاً للشيطان. وهو يتولى إبلاغ الأكراد بأن وحدة العراق خط أحمر، وهل من رسالة أنبل من هذه التي ينقلها؟ ليس المطلوب في منطقة مثل منطقتنا أن يتمتع الواقع بقوة دفع منطقية كبيرة. الأمر لا يتطلب أكثر من عبارة ركيكة، كأن يقول سليماني أنه يقاتل من أجل وحدة العراق، وأنه يدافع عن المقاومة في سورية وعن المسيحيين في لبنان. ضعف المنطق في كل ما يقول تُعوضه قوة الواقع. الأكراد أنفسهم قبلوا بمفاوضة سليماني، وها هي أنقرة تنسق مع طهران ومع موسكو في سورية. السياسة في بلادنا تطلق على هذه المشاهد عبارة الواقعية، ذاك أن السياسة هنا مفاوضة وليست إدارة حياة الناس على ما يفترض علم السياسة.

تقوم "وحدة العراق" اليوم على جرح عربي سني مفتوح ولا يبدو أن أحداً راغب بمداواته، وعلى صدع شيعي كردي مؤسس لمزيد من الفرقة والتفتت. هذه الحقيقة تنطبق هي نفسها على سورية مع بعض التعديلات الطفيفة، وعلى لبنان مع استبدال الانشطار الثاني، أي الكردي، بنظيره المسيحي.

عناصر تماسك هذه الدول تكاد تكون منعدمة، واذا وجدت فهي خارج هذه الكيانات. وحدة العراق أملتها مصلحتا طهران وأنقرة، ووحدة سورية صارت احتمالاً ضئيلاً، أما لبنان الذي عجزت خمسة عشر عاماً من الحروب الأهلية عن النيل منها، فهي اليوم تؤدي وظيفتين لا ثالثة لهما، وهما حماية موقع حزب الله في سورية، واستقبال اللاجئين السوريين، وبين هاتين المهمتين يسرح سياسيون فاسدون ويمرحون.

أما الشخص العابر للحدود في هذه الكيانات الثلاثة فهو قاسم سليماني، ولكل كيان كركوكه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟