كتاب "مأساة بارزان المظلومة"
كتاب "مأساة بارزان المظلومة"

بقلم نبراس الكاظمي/

1ـ كتاب مأساة بارزان المظلومة للمؤلف معروف جياووك

أول ما استوقفني في هذا الكتاب الصادر عن المطبعة العربية بغداد 1954، هو عنوانه، ثم تاريخ ومكان النشر. فالكاتب يتطرق إلى مسألة حساسة، ولكن يبدو أن هناك هامشا كافيا من اللين السياسي في العهد الملكي كان يسمح بتداول مسألة كهذه في السجال العام. الكتاب جاء مكملا لسلسلة من المقالات كان الكاتب قد نشرها في الجرائد العراقية، أما توقيته فجاء متزامنا مع اقتراب الحكومة العراقية من البت في شأن البارزانيين ومصيرهم بعد ما يقارب ربع قرن منذ بداية مناوشاتهم مع الدولة في عام 1931.

ففي سنة 1954 كان البارزانيون مكسورين ما بين المنافي القريبة في جنوب العراق، ومنافي الاتحاد السوفيتي، وكان معروف جياووك، المؤلف، يسعى إلى استعطاف الدولة على حالهم لإعادتهم إلى مناطق سكناهم في ربوع منطقة بارزان بعد مرور عقد من الزمن تقريبا منذ آخر منازلاتهم الكبيرة مع الدولة، أي الأحداث التي سبقت خروج إحدى عشائر "قوم بارزان" برجالهم ونسائهم وأطفالهم ومسنيهم (البيروزيين) إلى إيران عام 1945 والتحاقهم بجمهورية مهاباد الكردية هناك، ومن ثم انهيارها وعودة غالبيتهم إلى العراق، في حين شق آخرون طريقهم سائرين على الأقدام تحت وابل الرصاص الإيراني والعراقي والتركي في رحلة الـ 250 ميلا إلى حدود الاتحاد السوفيتي مع إيران، وكان تعداد هؤلاء 500 مقاتل بقيادة ملا مصطفى البارزاني، ليطلبوا اللجوء تحت ظلال حكم جوزيف ستالين.

أما الأمر الثاني الذي استوقفني هو سيرة المؤلف، وشخصيته. ولد المؤلف في أحد أزقة بغداد سنة 1885، لعائلة كانت تنحدر من قرية ليست بعيدة عن بارزان. وكان والده موظفا بسيطا لدى السلطة العثمانية، وكما كان معتادا آنذاك، تمكن الوالد من إرسال ابنه إلى الأستانة كي يتابع مهنة الأسرة في خدمة السلطة المركزية من خلال دراسة الحقوق. ولكن تسنى للطالب معروف جياووك الاطلاع على الأفكار التي كانت تعصف بإسطنبول آنذاك والسجالات السياسية المنبثقة عنها، والرامية إلى إصلاح حال دولة الإسلام مقابل "تكالب" الغرب، أو هكذا كان يراها أغلب القوم. وربما أثرت هويته القومية في عدم التحاقه بالركب الأعظم ذي اليمين القومي التركي والمتمثل بأنصار ما سيعرف لاحقا بحزب الاتحاد والترقي، فمال جياووك إلى الليبرالية الإسلامية المتفتحة التي كان ينادي بها الأمير صباح الدين، سليل أحد السلاطين من طرف والدته، وابن البلاط الذي أدار جبهة المعارضة من المنفى الأوروبي.

شاءت الظروف السياسية أن تجعل جياووك من المطاردين السياسيين، فعاد إلى بغداد، وهنا بدأت صفاته الإشكالية في الظهور، والتي يمكنا وصفها بالحادة والعصامية، بل المتطرفة أيضا. ولا أدري ما هي الظروف التي دفعته إلى "الجهاد" في البصرة عند قدوم الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، ولكنه وقع أسيرا في المواجهات، وبات منفيا في مستعمرة بورما في جنوب شرق آسيا لحين انتهاء الحرب.

إذن، عدة أمور ساهمت في تكوين شخصية جياووك: الانتماء القومي والفخر به، إطاعة المركز إن كان في إسطنبول أو بغداد، كراهية الإنكليز، والاستشعار بأن الغرب يسعى دائما إلى التآمر على فسطاط الإسلام بمعونة الأقليات المسيحية كالأرمن والنساطرة، كما يدلنا على ذلك الرأي العام السائد في عموم البلاد العثمانية. تقشعر الأبدان للطريقة التي يتناول فيها جياووك مسألة المسيحيين، والتي تمتاز بالطائفية السمجاء الحقود، بل تصل به حد التشفي جراء ما حصل من مجازر ضدهم أثناء حرب إبادة الأرمن، والغدر بمار شمعون، وحتى في سنة 1933 عند حصول مجزرة سميل على يد الجيش العراقي. ولكن يبدو أن وجهة نظره والأوصاف التي ساقها كانت كلاهما تعكسان الرأي العام آنذاك بصورة دقيقة.

وعليه، فإننا نرى القضية البارزانية، أو أول تجلياتها، والتي لا يزال صداها متصدرا لنشرات الأخبار، من خلال عينيه، ليحيل مآلاتها إلى مؤامرة بريطانية لاستعداء البارزانيين مع الدولة كي يتم إخراجهم من أراضيهم وإسكان حلفاء الإنكليز من النساطرة الآثوريين مكانهم في الخط البياني المعروف بـ "خط بروكسل" والذي يمتد من زاخو إلى رواندوز، محاذيا للحدود العراقية - التركية، مارا بقرى بارزان وسريشمة، والأخيرة هي موطن أجداد المؤلف. وكان يعتقد أن "بريطانيا تعهدت سرا للآثوريين بتشكيل دولة لهم في كردستان العراقية نظير الدولة الإسرائيلية في فلسطين".

هذا من جانب، أما من جانب آخر نجد بداية شعور الكرد بأن العالم الخارجي قد غدر بهم، وبأن قبيل أول الصدامات ما بين البارزانيين والحكومة في سنة 1931، وأثناء المفاوضات التي كانت تجري ما بين الجانب العراقي وجانب سلطة الانتداب حول الاستقلال، استشعر العنصر الكردي في العراق إجمالا أنه لن يحصل على ما وُعد به من قبل عصبة الأمم، والتي كانت قد التزمت بإعطاء الكرد "إدارة ممتازة" (أي حكما ذاتيا) عند أي تحول في شأن سيادة العراق من الانتداب إلى الاستقلال، أو هكذا كانوا يتصورون، وكان جياووك في طليعة المؤججين لذلك.

أضحكتني هذه الجملة عند مراجعتي للكتاب: "وبما أن الواجب يقضي بإعادة النظام والانتظام ومنع تكرار الإجرام، قرر احتلال المنطقة البارزانية احتلالا عسكريا والقبض على المجرمين وسوقهم إلى العدالة". قيلت هذه الجملة يوم 8 آب/أغسطس 1945 من على الإذاعة الرسمية العراقية لتأتي ضمن قرارات الحكومة في وقتها. ضحكتي كانت سوداوية، لأن بعد مرور 72 سنة لا يزال العراق يراوح في نفس مكانه إن طالعنا البيانات الصادرة والخطاب العام في ما يخص أزمة كركوك الأخيرة. بل إن البلاغ الحكومي أعلاه أكبر سنا من عمر الرئيس مسعود البارزاني. فلا البارزانيين كُسروا، ولا الدولة انتظمت ولا حقوق مواطنيها استوت.

شخصية جياووك المشاكسة جمعت ما بين توليه منصب متصرف (محافظ) أربيل تارة، وتوكله للدفاع عن أحد أشهر "أشقياء" العراق إبراهيم عبدگه (الكردي الفيلي)، تارة أخرى. وحينما كان نائبا عن أربيل في الدورة النيابية التي واكبت حكومة عبد المحسن السعدون، كان إيحاؤه تحت قبة البرلمان بأن السعدون قد خان بلده لصالح الإنكليز لدى تريثه في أمر الاستقلال هي القشة التي دفعت بالأخير إلى الانتحار بعد ساعات من مداخلة جياووك.

لا أدري إن كان جياووك، في تعرجاته وانفعالاته، وتناقضاته قد تناسى موقف السعدون في ما يخص القضية الكردية أثناء انعقاد المجلس التأسيسي العراقي سنة 1924، قبيل انضمام لواء الموصل أصوليا إلى الدولة العراقية؟

هذا ما قاله عبد المحسن بك السعدون حينها: "لا يخفى على رفقائي أعضاء المجلس العالي أن السبب الأكبر الذي أدى إلى سقوط الحكومة العثمانية هو غمط منافع الأمم وحقوق الطوائف التي كانت تستظل بالراية العثمانية، فنحن إذا اتبعنا الطريقة التركية التي كانت تغمط حقوق الأقوام فنكون قد أخطأنا كما أخطأوا فلذا أرى من اللازم والضروري أن نكون أحرارا ونعطي الحرية إلى جميع العناصر ولا نكون حريصين أو بخلاء في إعطاء هذا الحق إلى أهله ولا يخفى أن في العراق عنصرا عظيما وهو العنصر الكردي فاذا لم نعط العنصر الكردي حقه وندع مدارسه تدرس باللغة الكردية فقد تكون النتيجة غير حسنة، نعم أن اللسان العربي مجيد محبوب ولا أعتقد وجود عراقي لا يجتهد أولا ببذل الجهد في سبيل تعلمه ولكن المادة الأصلية على المعنى الواضح تفيدنا سياسياً وترضي جميع إخواننا غير العرب وغير المسلمين فأتمنى من المجلس أن لا يبخل في إعطاء هذا الحق حتى تكون القلوب متحدة ومتفقة ومؤيدة للوحدة العربية وإذا لم نعطهم هذه الحقوق فلا نستطيع الحصول على الوحدة العربية التي نتمناها…"

وهنا نرى التباين ما بين العصامي المتطرف المتسرع، والعصامي المعتدل المتأني. وإن أحسنا الظن بكل الفرقاء في الأزمة الحالية التي يشهدها العراق، فكيف بنا أن نتوقع منهم الحلول والتروي إن لم تستطع قامات كالسعدون وجياووك على التفاهم عند تكوين العراق الوليد؟

توفي جياووك في مطلع سنة 1958، أي أنه لم يشهد نهاية العهد الملكي على يد العسكر. ولم يشهد عودة ملا مصطفى البارزاني منتصرا من منفاه الروسي، ومتحالفا مع الرئيس عبد الكريم قاسم. وبعدها بسنتين، عاد الخلاف، وعادت سحب البارود تنبثق من ثنايا غابات السرو والبلوط في نواحي بارزان. وبعد مرور جيل على صدور كتاب "مأساة بارزان" أقدمت الدولة العراقية في سنة 1983 على قطع نسل أي رجل من "قوم البارزانيين" كان واقعا تحت يدها، وقتلت ما يقارب ستة آلاف منهم في غضون أسابيع، وقطعت حتى الاشجار.

يمكنكم الاطلاع على الكتاب عبر هذا الرابط:

http://www.imarawatijara.com/jiawook_maasat_barzan/

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة