جاكي شان أثناء العرض الخاص لفيلم "أجنبي"
جاكي شان أثناء العرض الخاص لفيلم "أجنبي"

بقلم رياض عصمت

لم يترك النجم السينمائي جاكي شان طرازاً سينمائياً إلا وقاربه خلال حياته الفنية الحافلة. نجد بين 135 فيلماً لعب بطولتها أنماطاً عديدة متنوعة، منها البوليسي، الكوميدي، التاريخي، الوسترن والأكشن. اعتبرت بعض أفلام جاكي شان الصينية القديمة أفلاماً من الدرجة الثانية، حافلة بالقتال القريب على نسق أفلام جت لي، بل فشلت بعض تلك البدايات المتواضعة حين حاولت الإفراط في الجدية. لكن جاكي شان سرعان ما أحرز نجاحاً جماهيرياً كبيراً في العالم كله عبر انتقاله للعمل في الولايات المتحدة، متميزاً رغم لغته الإنكليزية الركيكة، وعرض الأخطاء والعثرات مع تيترات النهاية في ختام معظم أفلامه. من أشهر نجاحاته المعروفة سلسلة أفلام "ساعة الازدحام" (بأجزائها الثلاثة) مع الممثل الأسود كريس تاكر، وفيلما "ظهيرة شنغهاي" و"فرسان شنغهاي"  مع أوين ويلسون – والأفلام الخمسة هي أفلام مغامرات ذات طابع كوميدي. نذكر أيضاً من أدواره المحببة دوره في فيلم "حول العالم في ثمانين يوماً" عن رواية جول فيرن الشهيرة، وكذلك دور المدرب الآسيوي في إحياء فيلم "فتى الكاراتيه"، كما نذكر أيضاً بين أنجح أفلام الحركة والمغامرة الخيالية لديه أفلام "توكسيدو" و"الميدالية" و"المملكة المحظورة" (والأخير شاركه بطولته نجم الأكشن الصيني الآخر جت لي.)  كما لعب جاكي شان بطولة عدة أفلام تاريخية، بعضها صيني، على مستوى عالٍ من الإتقان التقني والضخامة الإنتاجية، منها "الأسطورة" و"الملك القرد". بالتالي، نجده قارب معظم أنماط السينما المعروفة.  في العام 2017، ها هو ذا جاكي شان يطل علينا بفيلم من نمط جديد تماماً، فيلم جاد جداً، يتمحور حول موضوع الإرهاب.

هل يواجه جاكي شان هذه المرة إرهاب داعش أو القاعدة، اللذين يذكران في حوار الفيلم ليؤكدا أن أحداث الفيلم تجري في زماننا الراهن؟ هل يتصدى جاكي شان لإرهاب عرقي أم ديني أم طائفي، أم تراه يواجه إرهاباً مختلفاً يدور بين البيض والبيض في قلب العاصمة البريطانية؟ تفصح أحداث الفيلم منذ لقطات البداية عن انفجار إرهابي يفجع كهلاً صينياً مسالماً بمصرع ابنته الوحيدة نفذته خلية مجهولة تتبع "جيش التحرير الآيرلندي" بهدف الضغط على الحكومة البريطانية للتخلي عن آيرلندا الشمالية. ما يلبث الفيلم أن يضيف إلى تفجير البنك في مطلع الفيلم تفجيراً آخر مرعباً على متن باص لندني أحمر ذي طابقين يمر فوق جسر شهير في قلب لندن، ونرى أفرادها الشبان يعدون لعملية أكبر وأرهب تستهدف طائرة ستقل بعضاً من كبار المسؤولين. هكذا، سرعان ما يتبنى الفيلم ضمناً - على نقيض أفلام تجارية سبق أن ركزت على ديانة معينة - مقولة: "الإرهاب لا دين له".

تعهد مسؤولة رفيعة في الحكومة البريطانية لمعاون وزير شؤون آيرلندا في بلفاست - ليام هينيسي - أن يكشف النقاب عن هوية المجرمين الذين قاموا بتلك العملية الإرهابية وخلفوا ضحايا أبرياء في وسط لندن، ذلك لأنه كان منخرطاً في شبابه ضمن جيش التحرير الآيرلندي قبل أن يجنح للسلم ويستلم ذلك المنصب الرفيع. يشترط هينيسي إصدار عفوٍ عن بعض كبار الإرهابيين الآيرلنديين لكي يبوحوا له بمعلومات عن هوية أعضاء تلك الخلية الإرهابية الجديدة، ويعقد اجتماعاً معهم ليستدرجهم إلى إرشاده. بالمقابل، لا يرضى الرجل الصيني الاستسلام للصبر إزاء سير التحقيق الروتيني البطيء، فيطرق أبواب المسؤولين في الأمن البريطاني دون أن يجني سوى الوعود والتسويف،  فيصمم أن يتنازل عن مطعمه لشريكته الصينية وأن يتولى بنفسه العثور على الفاعل والانتقام لمصرع ابنته المتبقية له بعد ذبح القراصنة التايلنديين لشقيقتيها الصغيرتين. يبدو الأمر للوهلة الأولى مستحيلاً بالنسبة لطباخٍ صيني كهل، لكن سرعان ما يكتشف الجميع أن الرجل المدعو كوان سبق أن كان من نخبة مقاتلي القوات الخاصة، وأنه خبير بحرب العصابات. هكذا، يتقمص جاكي شان في فيلم "أجنبي" الشخصيات التي عهدناها في السينما من قبل لدى سيلفستر ستالون في دور "رامبو"، وليام نيسون في سلسلة "مخطوفة". ينتقل بنا السيناريو من لندن إلى بلفاست مع الصيني كوان، الذي يصرفه معاون الوزير بالحسنى مستهيناً بمطلبه في أن يهديه إلى الفاعلين، فيلاحقه كوان بعناد عبر سلسلة أعمال ترهبه في مكتبه وبيته ومزرعته، ويتصدى لمحاولات مرافقيه الزعران لترحيله بالقوة عن بلفاست.

فيلم "أجنبي" فيلم تشويق وإثارة بامتياز، تحفل حبكته بعديد من المفاجآت غير المتوقعة، التي تكشف تدريجياً بؤرة الفساد في دائرة معاون الوزير الآيرلندي الضيقة. للوهلة الأولى، نجد معاون الوزير يخون زوجته مع عشيقة شابة، ثم نجد زوجته تخونه مع قريب شاب يعمل لدى زوجها قاتلاً محترفاً، وما نلبث أن نكتشف أن العشيقة نفسها عضوة في الخلية الإرهابية التي نفذت التفجير وتخطط لتفجير طائرة تقل عديداً من كبار المسؤولين المتجهين إلى مؤتمر وذلك عن طريق إغوائها الجنسي لصحفي سيستقل تلك الطائرة لتغطية الحدث ودسها المادة شديدة الانفجار في لاب-توب يحمله معه. خلال ذلك، لا يكاد يخلو مشهد من مشاهد معاون الوزير هينيسي من الويسكي الآيرلندي، وكأن الفيلم يتضمن إعلاناً له!  تفضح حبكة الفيلم فساداً وراء فساد لدرجة تثير التقزز، فالجميع متورط إما في الضلوع بالإرهاب، أو في التغاضي عنه، أو في التغطية عليه. عندما يكاد الفأس يقع على الرأس، يقوم كل واحد بتصفية الآخر من أجل سلامته وضمان مصالحه.

هكذا، في الوقت الذي يبلغ فيه معاون الوزير سلطات الأمن البريطانية عن هوية ومكمن الإرهابيين في لندن بعد انتزاع السر من صديق له تحت وطأة تهديده بالقتل، يتمكن الكهل الصيني بدوره من انتزاع عنوانهم من القاتل الشاب الذي استطاع إلحاق الهزيمة به في الغابة، ويذهب وحيداً إلى جناحهم قبيل مداهمة الأمن له ليشتبك معهم في معركة شرسة بمختلف صنوف الأسلحة يقضي فيها عليهم جميعاً، تاركاً الفتاة جريحة لتبوح تحت وطأة التعذيب قبيل إعدامها للأمن البريطاني بمؤامرة تفجير طائرة المسؤولين. على آخر نفس، يتمكن رجل أمن من خطف جهاز اللاب-توب من الصحفي المغرر به، وإلقائه لينفجر بعيداً عن ركاب الطائرة. في الوقت نفسه، يقوم قريب القاتل الشاب بمهمته الأخيرة بعد انفضاح سره من معاون الوزير، وهي اغتيال الزوجة الخائنة قبيل فراره النهائي إلى نيويورك.

تكمن أهمية فيلم "أجنبي" في أنه يتصدى لموضوع الإرهاب بعيداً عما هو شائع من إلحاقه بدين أو بطائفة أو بعرق أو بجنسية. إن الإرهاب هنا إرهابٌ ناجم عن عصبية قومية متطرفة تنمو في عقر دار المجتمع الأوروبي الأبيض. استلهم الفيلم رواية ستيفن ليثر "الصيني"، التي صاغ السيناريو لها ديفيد ماركون، وأخرجه مارتن كمبل المعروف بإخراجه لفيلمين شهيرين من سلسلة أفلام العميل 007 جيمس بوند هما "كازينو رويال" و"غولدن آي"، مستعيناً بمدير التصوير البارع ديفيد تاترسال، الذي قام بالعمل معه من قبل بتصوير فيلمه الصعب عن متسلقي الجبال Vertical Limit (2000). جدير بالذكر، أن تمثيل كل من جاكي شان وبيرس بروسنان في فيلم "أجنبي" جاء على مستوىً عالٍ من الإقناع، مما أعطى زخماً درامياً قوياً للفيلم الذي تناول الإرهاب من زاوية جديدة وفريدة عما هو شائع إعلامياً في زماننا الراهن. أثبت فيلم "أجنبي" أنه ليس الإرهاب فقط بلا دين، بل أن السياسة أيضاً لا أخلاق فيها، وأنه لا شرف ولا مجد في العنف وإزهاق الأرواح تحت أي شعار أو مبدأ. إن الإرهابيين في الفيلم شبان مغرر بهم وقعوا في فخ الاستغلال من قبل سياسيين فاسدين من هذا الجانب أو ذاك، وأغرقوا في مستنقع الجريمة لينالوا في الختام عقاباً عادلاً عما اقترفوا من إراقة للدماء.

---------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.