عناصر من الشرطة المصرية في كرداسة، إحدى قرى محافظة الجيزة
عناصر من الشرطة المصرية في كرداسة، إحدى قرى محافظة الجيزة

بقلم نيرڤانا محمود/

أضيفت الجمعة الماضية رقعة جديدة إلى المشهد الجهادي في مصر، الكيلو 135. لا تزال التفاصيل غير واضحة، لكن اعتمادا على ما نعرفه حتى الآن، شهد طريق الواحات الموجود في صحراء مصر الغربية على بعد 135 كيلومترا من الجيزة، أحد أكثر الاشتباكات عنفا ودموية بين المتشددين وقوات الشرطة خارج سيناء. وبغض النظر عن الجهة الإرهابية التي كانت وراء الحادث، فإنه يجب أن يلفت الانتباه إلى ضرورة إعادة التركيز على الأطراف المهمشة والمحرومة المحيطة بوادي النيل التي يتسلل من خلالها المتشددون إلى قلب مصر مجددا.

في العقود الخمسة الأخيرة اتسعت الفجوة بين المركز الحضري لمصر وبين أطرافه بشكل ملحوظ، وتعيش المجتمعات الريفية التي تتجاهلها النخبة الحضرية معاناة يومية دائمة من أجل لقمة العيش. ولذلك فإن التقاليد المتسامحة التي عرف بها الريف في يوم ما أخذت تضيع تدريجيا، وحل محلها تقبل للإسلاموية كحل طويل الأمد لمشاكل الريفيين المزمنة. أصبح القمع هو الحل لكل الأمراض الاجتماعية.

وفي انتخابات 2011 البرلمانية، فاز السلفيون بالعديد من المقاعد في المناطق الريفية وخاصة في الجيزة والفيوم المجاورة. وبعد إطاحة الرئيس الإخواني محمد مرسي، احتفظ كثير من كوادر السلفيين المحليين ومؤيديهم بولائهم للإسلاموية كأيديولوجية. إن المجتمعات التي نتحدث عنها هنا لا تثق بالدولة أو بالإعلام المدعوم من الحكومة، فهم يتابعون الأخبار عبر قنوات الإسلاميين التي تبث من خارج مصر، وعبر صفحات متنوعة على وسائل التواصل الاجتماعي لقيادات إسلاموية هاربة. وتبث هذه المنابر الإعلامية الإسلاموية جرعات من سموم الكراهية في نفوس الشباب الذي يعاني من أجل تحقيق أحلامه وطموحاته، وتموه عمدا الخط الفاصل بين الإسلاموية العنيفة والسلمية، وتحرض المصريين بشكل واضح على الانتفاض ضد الدولة.

هذا المشهد الإعلامي الجديد يبدو فعالا. ففي تموز/يوليو الفائت هاجم ثلاثة مسلحين على دراجة نارية رجال شرطة في البدرشين في الجيزة، حوالي 30 كيلومترا جنوب القاهرة، وقتلوا خمسة شرطيين. قال شهود إن المهاجمين أمطروا سيارة للشرطة بوابل من رصاص البنادق الآلية ثم أخذوا معداتهم وألقوا قنابل حارقة داخل السيارة قبل أن يفروا. وبعد أسبوع أطلق مسلحون مجهولون النار من دون تمييز باتجاه عربة شرطة كانت جزءا من قافلة أمنية في طريق داخلي في محافظة الفيوم  ليسقط مجند في الشرطة ويصاب ثلاثة آخرون.

ربما لا يكون هناك رابط مباشر بين هجوم صغير كهذا وبين الهجوم الكبير نسبيا الذي حدث الجمعة، ولكن لا يجب إغفال الرابط الجغرافي. فجغرافيا يصل طريق الواحات بين الجيزة والواحات الواقعة في الصحراء الغربية ويبلغ طوله 565 كيلومترا، ويتبع الكيلو 135 حيث حدثت الاشتباكات إداريا لمحافظة الجيزة. هذا قد يطرح أسئلة صعبة: كيف يمكن تحديد ما إذا كانت هناك مجتمعات داعمة للإرهابيين في تلك المنطقة وما الذي يجب فعله لتغيير هذا الوضع وكسب قلوب الأهالي وعقولهم قبل فوات الأوان؟

أولا، نحتاج خريطتين للإجابة على السؤال الأول: خريطة تظهر مواقع الهجمات الإرهابية الأخيرة، حتى الصغيرة منها، وأخرى للقرى الموجودة في المناطق التي خرجت منها المظاهرات المؤيدة للرئيس السابق مرسي.

ويمكن بسهولة من خلال بحث بسيط لأشرطة عام 2013 على يوتيوب، معرفة عدد المظاهرات المحدودة التي خرجت في قرى ومدن الجيزة والفيوم.

لكن السؤال الصعب هو كيف يُمنع الإرهاب من تلويث عقول المقيمين في تلك المجتمعات؟ كيفما تكون الإجابة، فهي ليست القمع الأمني واعتبار كل من يعارض القيادة المصرية الحالية شيطانا. إن الانغماس في نظريات المؤامرة ولوم اللاعبين الإقليميين حتى لو كان ذلك حقيقة، لا يقدمان إجابة أيضا.

إن هدف منفذي الهجوم في الكيلو 135 هو تحطيم الثقة بين عامة المصريين وبين قوات الأمن، ويهدفون أيضا إلى تحويل المناطق المهمشة في البلاد إلى مناطق محظورة. ولهذا علينا من أجل التصدي لمشروعهم، أن نقوي مجتمعاتنا المهمشة وأن نواجه اختراق الإسلاموية.

قد تكون الإسلاموية فشلت في حكم مصر، لكنها نجحت في تلويث البلاد بأفكارها الرجعية خاصة في المجتمعات الريفية المحرومة.

يقول الباحث مختار عوض إنه لا يمكن أن ينتصر الجهاد في مصر من دون الفوز بوادي النيل، وعليه فإن ما حدث الجمعة يدعونا لتركيز جهودنا على منع الجماعات الإرهابية من تحقيق هذا الهدف.

من الضروري التركيز على القرى المهملة مثل تلك الموجودة في الجيزة والفيوم. نحن بلد كان يحظى بفنانين وشعراء وكتاب تحدروا من أصول ريفية، والآن من الضروري رعاية جيل نهضة جديد من الفنانين والشعراء والكتاب المنبثقين من ريف مصر لمواجهة رجعية العصور الوسطى. إن المشهد الجهادي الحالي لن تتقلص رقعته بحملات الشرطة وطائرات الهيليوكوبتر وحدها.

المهمة صعبة، ولكن لابد أن نشرع فيها إذا كنا جادين في هزيمة الإرهاب في مصر.

ـــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟