الملك عبد الله برفقة ضباط بالجيش الأردني
الملك عبد الله برفقة ضباط بالجيش الأردني

بقلم مالك العثامنة/

من أهم ما يميز الأردن في تاريخه السياسي الحديث أنه كان دوما خارج دوامة البطش السياسي بين النظام و شعبه، وهي الدوامة التي تحيطه جغرافيا من أنظمة رجعية او أنظمة ادعت التقدمية و كانت طوال تاريخها منذ خمسينيات القرن الماضي تصف المملكة "بالصحراء الرجعية" وتنبئ بزوالها، ليحسم الواقع التاريخي في كل مرة كل ذلك فتزول كل "الأنظمة التقدمية المدعية" و يظل الأردن في عين العاصفة دولة تنمو بين تعثر و سلاسة، حسب مزاج المنطقة و الإقليم والعالم.

لقد أدرك الملك الراحل الحسين بن طلال سر الحكم في هذا المجتمع، فاستطاع أن يلمس فيه مواطن قوته واعيا لمكامن ضعفه، ورغم وجود جهاز مخابرات قوي في المملكة، إلا أنه لا يكاد يذكر أحد في أدبيات الأردن السياسية أي تصفية سياسية، وما عدا قصة متداولة لم يتم نفيها أو تأكيدها يوما عن شيوعي اسمه عبدالفتاح تولستان قضى – كما الرواية- في غرفة تعذيب مخابراتية، فإن الأردن لم يشهد ظاهرة كسر العظم بين السلطة و معارضيها، بل على العكس فإن الأدبيات السياسية الأردنية ذهبت في أقصى طرفتها إلى القول أنه لكي تكون مسؤولا في الدولة أو وزيرا فعليك أن تعارض الحكم أولا.

ولعل أكثر ما يمكن وصفه بالمفارقة هي رؤية الأردنيين الوجدانية الخاصة للعسكر والجيش، فلا يوجد عند الأردنيين مفهوم "العسكرتاريا" السلبي كما هو موجود في محيطهم، وقد تشكل في الوجدان الجمعي الأردني على مر السنوات الطويلة مفهوم إيجابي لكل ما هو عسكري، حتى الأردني حين يريد أن يضع معيارا أخلاقيا لقياس القيم والفاضل في الشخص يصف الموصوف بتلك القيم بأن "أخلاقه عسكرية".

لقد كان الجيش و الأمن العام مشمولين بتلك الثيمة الأخلاقية العميقة في الانضباط، وكان مرد ذلك قدرة النظام على الفصل بين الجيش والسياسة، وكان الجيش دوما حالة إنقاذ مدنية بتاريخ عسكري محترم.

كانت أحداث السبعين نموذجا تاريخيا لدور الجيش في حفظ النظام العام، لا الدفاع عن النظام و حسب، وفيما يذهب البعض إلى تسمية تلك الفترة بأيلول الأسود وهي تسمية ظالمة و تحريضية رسختها أدبيات اليسار و "التقدميين"، فإن الأردنيين ارتاحوا إلى التسمية الرسمية: "أحداث الشغب الداخلي"، وقد كانت كذلك فعلا في دولة تحاول الحفاظ على كيانها بعيدا عن عنتريات الإنشاء الرسمي بدءا من "تجوع يا سمك" إلى "قبل تحرير تل أبيب يجب تحرير عمان"!!

تلك اللحظة التاريخية "المتكررة" التي لمس فيها الملك الراحل الحسين دور المؤسسة العسكرية و عقيدتها المنضبطة والملتزمة بحفظ النظام العام، وترك الميدان السياسي لأهله.

اليوم، وفي أول منعطف أخير واجهه الأردن في سياق ما تمت تسميته بالربيع العربي، كان الحراك المعارض قد تصاعدت حدته إلى درجات غير مسبوقة، لكن الأكثر لفتا للانتباه والملاحظة كان في ما تم تسميته بتيار المتقاعدين العسكريين، و هو تيار اتسم بحدة معارضته أحيانا للسياسات العامة للدولة دون القدرة على تحديد ملامح الفاعلين فيه، لكن أن تشهد ظاهرة معارضة تحمل السمة العسكرية في مواجهة النظام، فتلك ظاهرة تعكس حجم التحولات التي شهدها الأردن.

العسكر في الأردن كانوا دوما، رجال الملك، كل ملك.

مشهد فيسبوكي معاصر:

يرسل لي صديق ناشط، صورة عن صفحة شيخ عشيرة أردني بكامل زيه التقليدي، وقد وضع هذا الشيخ لأحد أكبر عشائر الأردن صورة له تجمعه مع المرافق العسكري للملك عبدالله الثاني والصورة ملتقطة على بوابة بيت ذلك المرافق الضابط في الحرس الملكي، و يوضح الشيخ القبلي أن المرافق حمل المطالب الشعبية للقبيلة على ورقة ليعطيها للملك، شاكرا و ممتنا للمرافق العسكري أنه يحل هموم المواطن!!

بعيدا عن حالة النبل الشخصي للمرافق العسكري، فإنك أمام مفارقة تاريخية تم فيها تجاوز كل مؤسسات الدولة الرسمية و قنواتها السليمة والقفز فوقها وقد باتت حواجز معيقة، للوصول إلى رأس الدولة وكل السلطات عبر مرافقه العسكري.

هي صورة من صور كثيرة لها دلالاتها في عصر الثورة المعلوماتية، تجعلني وفي الحلقة الأخيرة من مقالي هذا، أن أوضح انني لا أكتب من منطلق المعارضة للنظام، بل من منطلق الرؤية من زاويتي لما أطمح ويطمح إليه غالبية أردنية إلى هدف واحد، وهو دولة المؤسسات والقانون.

--

ومن طرائف الأدبيات السياسية التقليدية الأردنية في ما سبق، كان أن الأردني من أصول شرق النهر هو البيروقراطي صاحب الحظ في الوظيفة العامة "مدنية أو عسكرية"، أما الأردني من غرب النهر فهو والحال كذلك صاحب التجارة ورأس المال، أما الإنتاج (وهو نمط إنتاج زراعي ورعوي بالضرورة) فقد تعرض للتشويه مع توسع الجهاز البيروقراطي مما دفع إلى تقلص هذا النمط الإنتاجي. (عالج الباحث الفلسطيني- الأردني هاني الحوراني تلك المسألة في كتاب بحثي له صدر في الثمانينيات، أخبرني ذات مرة أنه شخصيا لا يملك نسخة منه).

ارتاح النظام لتلك التقسيمة المبسطة عموما، ورعاها رعاية سياسية محترفة مستندا إلى كون الدولة ريعية ومعظم مواردها مصدرها الدعم العربي بحكم أن الأردن أطول خط مواجهة مع "العدو" حينذاك!

لكن، الأردن الذي يعيش على مقياس حساس للتغيرات الإقليمية حوله، تعرض لهزة ديمغرافية عنيفة بعد حماقة النظام العراقي السابق في احتلال دولة الكويت، وحمل الأردن كلفة عالية لتداعيات تلك الفترة العصيبة، والتي كانت بداية تحول مفصلي هام في تاريخ النزاع العربي – الإسرائيلي أيضا، وقد أفضى إلى معاهدات سلام، فاستيقظ الأردنيون صبيحة تالي يوم التوقيع على معاهدة وادي عربة، وقد فقدوا ميزة "أطول خط مواجهة مع العدو" وهذا يعني ببساطة توقف الدعم السخي القائم أساسا على تلك الحجة.

تلك التغيرات فككت بالضرورة الحتمية المعادلة السابقة والبسيطة ضمن تغير ديمغرافي أفقي و عمودي، لامس العمق الاجتماعي للمجتمع الأردني الذي فقد مكوناته البسيطة ليدخل عالم التعقيدات الاجتماعية منذ ذاك.

ظهرت في تلك الفترة، مجموعة "الليبراليين" وهو اصطلاح تعرض لعوامل التجوية والتعرية الأردنية ليخرج عن مفهومه الأصيل ليصبح ترميزا لظاهرة سلبية يمثلها ذوو ربطات العنق المتهمون دوما بالخضوع لقوانين السوق المفتوح وصندوق النقد والبنك الدوليين ونوادي المال العالمية.

هؤلاء، تجلت رؤيتهم أكثر في حكومة الرئيس الأكثر جدلا في عهد الملك حسين، عبدالكريم الكباريتي، والذي تصدى للقرارات الاقتصادية الصعبة بشجاعة المواجهة مع الرغبة الشعبية، و أطيح به في كتاب إقالة غير مسبوق خطه الملك الراحل الحسين بن طلال خرج فيه عن هدوئه المعهود وحملت طيات الإقالة تأنيبا عنيفا عكس ارتباك النظام أمام المتغيرات المتسارعة وانتهاء صلاحية الأدوات القديمة في الحكم أمامها.(الملك حسين في بداية عهد حكومة الكباريتي أشاد به ووصفه بأنه كوصفي التل، وهو الزعيم التاريخي الأردني الأكثر شعبية على الإطلاق).

بعد رحيل الملك حسين، وبداية عهد الملك عبدالله الثاني، والذي أعلن منذ البداية بقوله "أني لست كأبي"، تطورت فئة الليبراليين إلى النيوليبراليين، وهي صفة ضرورية وقد تحول العالم إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات، و ظهرت في الأدبيات السياسية الأردنية مصطلحات جديدة تقسيمية مثل "الديجاتيليين" في مواجهة " الحرس القديم" و بينهما اقتصاد يتهاوى بمشاريع قوانين وحكومات ومجالس نواب تفاوت أعضاؤها ورؤساؤها بين الفصيلين.

الملك عبدالله الثاني في تصريحات مفاجئة لصحفي أميركي في "ذي أتلانتيك" عام 2013، وصف فيها العشائر بالديناصورات والإخوان بذئاب وماسونيين وأن المخابرات تعيق الإصلاح.

المخابرات والعشائر وحركة الإخوان، رجال الملك، و كذلك صار الديجاتيليون و رجال الأعمال الجدد رجال الملك أيضا.

مشهد من الذاكرة:

جمعتني سهرة خاصة ومغلقة مع نائبين في مجلس النواب الأردني عام 2006، أحدهما كان أحد إنتاجات صندوق المخابرات الانتخابي في عهد المدير المدان بالفساد محمد الذهبي، و الآخر كان رجل أعمال مستحدثا ورث عن أبيه تجارة كان من ضمنها عطاءات التموين للجيش الأميركي في العراق لكنه انتهى اليوم إلى ركوب الموجة الشعبية في قيادة تيار المقاومة وخطف اليسار الثوري وطرح نفسه زعيما شعبيا للمكون الفلسطيني في الأردن.

في تلك السهرة ومع ازدياد نسبة الكحول في دمه، انطلق النائب "الذهبي" في سرد بطولاته أمام الحاضرين فتطرق إلى مرحلة الملك حسين، وقصة محاولة اغتيال خالد مشعل عام 1997، وفي حالة طردية مع منسوب الكحول كانت القصة التي يرويها تدخل عالم الفانتازيا إلى أن وصل في ذروتها إلى أن الملك حسين اعتمد عليه هو شخصيا لإحضار العقار من الموساد، ومرافقة الشيخ أحمد ياسين بعد أن ربت الملك على كتفه قائلا له "ما إلنا غيرك يا ابني"!! (قيل لي فيما بعد أن الرجل فعلا كان حاضرا تلك الواقعة التاريخية لكن بصفة ضابط صغير في الخدمات الطبية الملكية، وكان دوره بحكم رتبته الصغيرة أن يقوم بإدخال صينية الشاي إلى غرفة تم إعدادها خصيصا في المدينة الطبية للملك حسين، الغاضب حينها مترقبا سلامة خالد مشعل ومتفكرا برد الإهانة الإسرائيلية باختراق أمن مملكته و سيادتها).

هذا الحكواتي الطريف، كان حين روى لنا الحكاية -كمستمعين ندامى له- نائبا في البرلمان، بوظيفة مشرع، مدفوعا هو وغيره بقوى دفع صاروخية أمنية، وهذا نفسه صار شخصية سياسية تدرج في مواقعه حتى وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس النواب الأردني نفسه وزعيما لتيار "سياسي!!" في البرلمان.

هذا الرجل و نديمه المشرع الثورجي و تيارهم الموجود لا يزال في الحياة العامة الأردنية، جميعا أيضا رجال الملك.

ملخص القول، وقد وصلنا إلى خاتمة المقال ولم نصل إلى كل ما نريد البوح به و قوله، وفي سياق مشاهد الذاكرة أيضا و تداعياتها فإنني أستذكر مشهدا آخر وقد اجتمعت ذات مرة بمعارض أردني مثقف عام 2005، حيث همس لي وأنا أقلب أوراق رؤية وضعها مع رفاقه لحوار وطني جريء يجمع الجميع مع الملك، أنه كمعارض يهمه أيضا أن يكون الملك الأردني أهم من أي ملك في التاريخ (أهم من هنري الرابع نفسه كما قال لي)، وهذا حسب قوله لا يتأتى إلا بدولة مؤسسات وقانون، ثم ختم حواره معي بقوله: على الملك عبدالله أن يحسم الأمر كله بالاختيار بين كونه رأس دولة أو شيخ مشايخ كل القبائل.

ختاما..

فإننا أمام أي فرضية تطرح مشروع دولة مدنية قائمة على المؤسسات والقانون، خاضعة لدستور ينظم العمل بين السلطات، فإننا كلنا سنكون رجال الملك.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة