"يمثل ميل الجماعات والدول إلى فرض نفوذها خارج إطار تواجدها الجغرافي نزعة قديمة ومتأصلة"
"يمثل ميل الجماعات والدول إلى فرض نفوذها خارج إطار تواجدها الجغرافي نزعة قديمة ومتأصلة"

بقلم عمار عبد الحميد/

عندما تكون النزعة السلوكية متأصلة في النفس البشرية، سواءً على المستوى الفردي أو الجمعي، نتيجة لارتباطها بسمات وراثية معينة و/أو بالشروط الأولية المتعلقة بالبيئة الحاضنة، بما في ذلك طبيعة التركيبة الأسرية ودور الدين والتقاليد في المجتمع وطبيعة النظام السياسي القائم، إلى آخر ما هنالك من شروط، لا يمكن للفكر وحده أن يتغلب عليها ويتجاوزها في لحظة معينة، بل يتطلب الأمر الالتزام بعملية رقابية جادة ومستمرة ومتعددة الأوجه للنفس وللمجتمع وذلك لتجنب الارتكاس إلى السلوكيات القديمة من خلال طرحها ضمن قوالب اجتماعية وسياسية جديدة أو تقديم مبررات فكرية جديدة لها.

على سبيل المثال، يمثل ميل الجماعات والدول إلى فرض نفوذها خارج إطار تواجدها الجغرافي نزعة قديمة ومتأصلة في السلوك الجمعي للبشر، نزعة كانت لها مبرراتها المادية والفكرية في كل مرحلة تاريخية للمسيرة الإنسانية، وفي كل حضارة ومجتمع. لذا، وعلى الرغم من بروز وانتشار أفكار ومفاهيم جديدة في المجتمعات الغربية في القرون الماضية حول حقوق الإنسان والإخوة والعدالة والمساواة، لم تتمكن هذا الظاهرة من لجم النزعة الإمبريالية التوسعية عند هذه المجتمعات، بل، على العكس، فقد ساهمت هذه الأفكار بتزويد مجتمعاتها الحاضنة بمبررات فكرية جديدة لبسط نفوذها خارج حدودها عن طريق الحروب التوسيعية والنشاطات الاستيطانية، مثل مبدأ "المهمة التحضيرية Mission Civilisatrice" و إطروحة "عبء الرجل الأبيض White Man’s Burden،" كما نوهنا في مقال سابق.

أما على الصعيد الفردي، فقد تعطينا سلوكيات الرجل حيال المرأة مثالاً مناسباً في هذا الصدد، خاصة في هذه اللحظة الحرجة التي تشهد نقاشات متشعبة وحادة حيال قضايا مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي في مجتمعات ودول عديدة. إذ لا يمكن للتغيير أن يحدث هنا جراء اقتناع الرجال بوجهة النظر النسوية المنادية بالمساواة الإنسانية والقانونية والاجتماعية وحسب، فغالباً ما تقترن تصرفات هؤلاء الرجال، بصرف النظر عن تصريحاتهم وتأكيداتهم، بتناقضات تنمّ عن عدم قدرتهم على استيعاب المضمون السلوكي الحقيقي لقناعاتهم المعلنة، أو على تمثّله إلى درجة يتلاشى معها البعد الفوقي والوصائي، إن لم نقل الاستغلالي، في تعاملهم مع المرأة.

وليس هذا بالأمر الغريب، وإن كان مستهجناً. ففي الواقع، لا يمكن للتغيرات السلوكية، لا على الصعيد الفردي ولا الجمعي، أن تتحقق دون الاعتراف أولاً بوجود أبعاد ثقافية واجتماعية ونفسية عميقة لها، ودون مراجعة فكرية وسلوكية مستمرة، ودون الالتزام بعمليات دورية من المصارحة والمكاشفة والمساءلة، ودون استعداد لقبول النقد والتصحيح بنسبة معينة من الأريحية.

ولا شك في هذا الصدد في أن المجتمعات الديموقراطية تبقى أكثر قدرة على توفير المناخ الحر اللازم للانخراط في عمليات من هذا النوع. بل بوسعنا الجزم هنا أن هذه العمليات بالذات تمثل مفتاح تقدم هذه المجتمعات ومنبع قوتها الحقيقية، وذلك على الرغم من الأزمات والفضائح التي تفرزها بين الحين والآخر، إن على الصعيد الداخلي أو الخارجي. إذ تبقى المجتمعات الديموقراطية أكثر قدرة على التأقلم مع الأزمات وتوابعها من خلال التغيرات الدورية للشخصيات الفاعلة في صياغة القرارات فيها، ومن خلال نشاطات المنظمات والناشطين المدنيين والشخصيات الاعتبارية الأخرى من باحثين وأكاديميين وفنانين، ومن خلال تداول السلطة بين التيارات السياسية المختلفة، ومن خلال تغيير هذه التيارات لأولوياتها السياسة بناءً على الضغوط والمساءلة الشعبية من ناحية، وعلى نشاطات مراكز الأبحاث واللوبيات من ناحية أخرى. لا تتوفر هذه المرونة في المجتمعات الاستبدادية والتقليدية، وهذا ما يرشح كل قضية فيها، مهما بدأت جزئية، مثل حق المرأة في التجنيس أو قيادة السيارات أو تولي المناصب العامة، للتحول إلى أزمة وجودية متعددة الأبعاد في حال اختارت بعض القوى السياسية تجييرها لذلك.

لذا، ونظراً لكل ما سبق، يبدو واضحاً أن التغيير المنشود في مجتمعاتنا الشرق أوسطية هو تغيير قيمي وسلوكي بالدرجة الأولى، أي تغيير ناتج عن تحديث مفهومنا للأخلاق ذاته، وهو الأمر الذي يتطلب إفراز طفرة ما في وعينا الفردي والجمعي. وتعلمنا التجربة التاريخية هنا أن طفرة من هذا النوع لا يمكن أن تحدث دون الخوض في آتون تجارب ومحن صعبة من النوع الذي نراه في مجتمعاتنا اليوم.

وفي خضم هذا كله، وكما أكدنا في مقال سابق، "ما بوسع المؤمنين بالحداثة أن يتصدوا لتحديات التحديث في مجتمعاتهم ما لم يجدوا طريقة بناءة للتعامل مع هذه المشكلة أولاً، فيسعوا ليكونوا أكثر انسجاماً مع أنفسهم وأفكارهم فيعكسوا إيمانهم بالحداثة وقيمها في تصرفاتهم وسلوكياتهم اليومية علاوة على خياراتهم وحساباتهم السياسية". ويتطلب هذا الأمر بدوره العمل على التنسيق ما بين النشاطات الرامية إلى تحديث المجتمعات وتلك المنادية بالحريات وبالديموقراطية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.