لقاء يجمع الملك سلمان برئيس وزراء لبنان سعد الحريري بعد يومين من تقديم الأخير استقالته من منصبه
لقاء يجمع الملك سلمان برئيس وزارء لبنان سعد الحريري الذي أعلن استقالته من منصبه من الرياض_ أرشيف

بقلم عبد الحفيظ شرف/

تعيش منطقة الشرق الأوسط على سطح صفيح ساخن في ظل التغيرات الكبرى التي تجري هنا وهناك، وما زالت إيران تصب الزيت على النار في كل أرجاء المنطقة، فلم تترك دولة إلاّ وتدخلت فيها بشكل سافر لتعيث فساداً وإفساداً. وكما نرى اليوم فقد كسرت هذه الدولة المارقة حاجزاً جديداً من خلال استهدافها العاصمة السعودية الرياض بصاروخ بالستي كاد أن يصيب مطار الملك خالد الدولي وهو مطار العاصمة الرياض، وكأنها ترسل رسالة حرب وتهديد جديدة في إطار ردها على استقالة سعد الحريري رئيس وزراء لبنان المستقيل بطريقتها المعتادة في زعزعة الأمن. لم تكتف إيران بتصريحاتها العدائية وتدخلاتها في العراق ولبنان وسورية واليمن والبحرين، وخلايا التجسس في الكويت والسعودية ومصر بل أمعنت في شرها وحولت الحرب الدائرة من حرب بالوكالة إلى حرب مباشرة ولم تترك مجالاً للسياسة أو الدبلوماسية، فتجرأت على العاصمة الرياض في تغيير واضح لخيوط اللعبة. وسواء كان مطلقو هذا الصاروخ هم جماعة الحوثي أو أن قوات من حزب الله، كما يقال، ساعدت في هذا، فإن الرسالة هي رسالة إيرانية، فما هؤلاء إلا أذرع للشيطان الأكبر الذي يقف خلفهم وهي إيران.

كل هذا الارتباك الإيراني أضعه في خانة الرد على الزلزال السياسي الذي تسببت به استقالة الحريري بعد أن أثقل كاهله حزب الله الذي لم يترك قضية إقليمية أو دولية إلاّ وتدخل فيها بأمر من الولي الفقيه في طهران. فهذه الدولة داخل الدولة تقود توجهات لبنان بل وتقحمه في معارك ليس للبنان أي مصلحة من خوضها كما فعلت في عام 2006 عندما أقحمت لبنان في معركة ندم هو عليها بعد ذلك ولكن بعد فوات الأوان. وفي عام 2012 قرر أن يخوض مغامرة جديدة في سورية مقحما لبنان من جديد في صراع وحرب ما زالت مستمرة لما يربو على خمس سنوات و لم يحقق هذا الحزب سوى الموت والدمار، بل وأقحم لبنان في خضم المعركة الإقليمية والتي طالما حاول لبنان أن يخرج منها بأقل الخسائر. هذا الحزب وزعيمه المختبئ في الكهوف والأنفاق أعلنا صراحة الولاء لدولة أخرى غير لبنان وأعلن بكل وضوح أنه يتبع أوامر الولي الفقيه في طهران ثم بعد كل هذا تجده يتحدث في خطاباته عن مصلحة لبنان وكأنه يخاطب ثلة من المغفلين.

المتتبع لمجريات الأحداث يعلم أن إيران في الأيام القليلة الماضية كانت تسعى لنقل المعركة في سورية إلى اتجاه آخر، ولكنها فوجئت بهذه الاستقالة التي أربكت المشهد وأعادت المعركة إلى المربع صفر في لبنان بدلاً من سورية. فقد أعلن مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي من لبنان وقبيل استقالة الحريري وبعد اجتماعه مع رئيس مجلس النواب اللبناني أن قوات النظام السوري ستتقدم قريباً نحو الرقة لتواجه قوات سورية الديموقراطية المدعومة أميركياً والتي حررت الرقة من تنظيم داعش الإرهابي في العشرين من أكتوبر الماضي لتشعل بذلك ما يشبه الحرب بالوكالة بين طهران وواشنطن، لتتقدم خطوة إلى الأمام في مشروعها بسورية. وقال كذلك "إن تموضع الأميركان في شرق الفرات هو محاولة لتقسيم سورية إلى جزءين وكما لم ولن تنجحوا في العراق فلن ينجحوا في سورية كذلك"، يتحدث مستشار خامنئي بكل عنجهية وكأنه مسؤول عن المنطقة وأمنها.

عادت المعركة مع نظام الملالي في طهران إلى نقطة الصفر وهي لبنان. وباعتقادي وحسب قراءتي للأحداث، فإن الوقت قد حان لقطع يد إيران في لبنان من خلال إنهاء حزب الله وتواجده في لبنان وتدخلاته في المنطقة. فهل سيحصل هذا قريباً؟ والسؤال هنا هل سيحدث هذا عبر الوسائل السياسية والطرق الدبلوماسية أم أنه سيتشكل تحالف عسكري جديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وتشارك فيه السعودية وإسرائيل سوية ولأول مرة لإنهاء هذا الحزب الذي أصبح التخلص منه مصلحة مشتركة للجميع؟ فحزب الله الإرهابي خرج خارج حدود لبنان وهذا بحد ذاته جريمة دولية، وقد كنت على يقين أنه بمجرد اتخاذه لهذه الخطوة فقد دق المسمار الأخير أو قبل الأخير في نعشه، وقد تُرك كل هذه الفترة ليستنفد قواه وقدراته في حرب خاسرة يسميها هو بالحرب المقدسة.

إيران استعدت جيرانها وأصبحت تخوض معارك بالوكالة في أماكن كثيرة وهذا أكبر من طاقتها بكثير، وليس لديها القدرة على أن تفتح جبهة جديدة داخل لبنان ولذلك رأينا خطاب حسن نصرالله الأخير والذي علق فيه على استقالة الحريري وكأنه خطاب تراجع وانكسار، لأنه يعلم أن هذه الخطوة ما هي إلاّ بداية لتحرك أوسع ضد هذا الحزب الذي جلب الخراب والدمار وإيران الشر إلى المنطقة.

أعتقد أن طبول الحرب تقرع الآن ضد حزب الله الإرهابي لتقطيع أذرع إيران في المنطقة، والتي باتت مصدر قلق وشر كبيرين. وفي ظل وجود الرئيس ترامب الذي يعرف بتشدده حيال خروقات إيران وحزب الله وهو رجل الكلمة التي يقولها كما يعرف عنه، فإن المعادلة السياسية والعسكرية مختلفة تماما في الوقت الحالي، وعلى إيران أن تستوعب هذا وترجع خطوات عديدة إلى الخلف لتعرف أنها تقامر بمستقبل أبناء الشعب الإيراني بداية والمنطقة بأسرها، وعليها أن تستوعب أن الرجل المتواجد حاليا في البيت الأبيض ليس كسابقه، وأن صبر الولايات المتحدة وجيرانها في المنطقة اقترب من النفاد.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟