إنقاذ مهاجرين غير شرعيين في ليبيا
إنقاذ مهاجرين غير شرعيين في ليبيا-أرشيف

بقلم رياض عصمت/

منطق الرقابة أعوج في العالم الثالث. لا أنفي حتمية وجود الرقابة، بل أعتقد أنها موجودة بأشكال ومسميات مختلفة في كل بلد من بلدان العالم، بما في ذلك البلدان الديمقراطية المتقدمة منها. لكن الفارق شاسع بين رقابة متزنة، مرنة وعقلانية، تتيح هامشاً واسعاً لحرية الرأي والتعبير، وبين رقابة هوجاء، رعناء وبلا منطق، قمعية لأتفه الأسباب.

فيلم "هو" It (2017) فيلم رعب نال تقييماً عالياً جداً من النقاد والجمهور، لكنه فيلم سيتعرض غالباً للمنع من الرقابة في بعض البلدان العربية، لسبب بسيط هو أن أنظمتها تزعم الحرص على حماية المواطن من الرعب! ليس الأمر مزحة، بل هو حقيقي مائة بالمائة. سألت مدير رقابة الأفلام في وزارة الثقافة السورية قبل دزينة من السنين لماذا منع عرض فيلم "ذروة كل المخاوف" (2002) The Sum of All Fears، فأجابني ببساطة: "لأنه مرعب؟" استفسرت قائلاً: "وممَّ تشكو أفلام الرعب؟ أليست طرازاً شائعاً ومعروفاً في السينما، بحيث شاهدت في إحدى صالات دمشق فيلم /هالووين/ Halloween ذات يوم مضى من إخراج جون كاربنتر وإنتاج الراحل مصطفى العقاد؟" قال لي مبتسماً: "كان هذا أيام زمان. لكن الوزيرة الأسبق منعت أفلام الرعب." تساءلت: "الوزيرة الأسبق؟ أتعني أن طراز سينما الرعب ممنوع بأكمله منذ عهد الوزيرة الأسبق، التي مرَّ بعدها ثلاثة وزراء؟" هزَّ برأسه في ثقة وإيمان مطلقين، وأجاب: "نعم، نحن في الحزب والدولة متفقون على أن نحمي المواطن من الرعب." أعيى لساني الكلام، فلم أستطع أن أجادله، واكتفيت بالاعتراض همساً في يأس: "لكن، لمعلومك، فيلم /ذروة كل المخاوف/ ليس فيلم رعب على الإطلاق، بل هو فيلم سياسي عن عمل إرهابي بشع يطال الولايات المتحدة!" أصرَّ محدثي على منطقه قائلاً: "وليكن. أليس فيه ما يخيف؟ إذن، هو ممنوع رقابياً. هكذا هي سياستنا".

بالتالي، طال المنع الرقابي أفلاماً مرعبة كثيرة، أو أفلاماً لا علاقة لها بالرعب من قريب أو بعيد. منع مثلاً من الأفلام المرعبة الناجحة فنياً، فيلم "صائد الأحلام" Dreamcatcher (2003)، وفيلم "ذروة الخوف" (1991) Cape Fear، وفيلم "صرخة" (1996) Scream، وذلك على سبيل المثال، لا الحصر.في الواقع، ليسأسهل على الرقابة من المنع. لا أحد يكلِّف خاطره بالسؤال: "لماذا منع هذا العمل الفني؟" لكن كثيرين سيسألون: "كيف سمح بهذا العمل الفني؟" بالتالي، فمحاسبة الرقيب تأتي من القيام بالسماح، وليس من القيام بالمنع. لذا، فدافع الرقيب لحماية نفسه من رعب المحاسبة ينبع من المثل الشعبي: "لا تنم بين القبور، فلا ترى منامات موحشة،" أو يستلهم المثل الشعبي الآخر: "امش من الحيط للحيط، وقل يا ربي السترة". هكذا، أذكر أن المنع سبق وطال قبل ذلك بزمن طويل فيلم وسترن عادي اسمه "الشمس الحمراء" (1971) Red Sun، من بطولة تشارلز برونسون وآلان ديلون، وتم منعه بحجة "أنه فيلم عنيف فيه تبادل إطلاق نار". لا أدري بماذا يمكن أن يحفل به فيلم وسترن سوى ذلك؟ كما أذكر حكاية أخرى طريفة، مفادها أن مسؤول الرقابة في التلفزيون السوري في الثمانينيات من القرن الماضي منع ذات يوم بث فيلم كاوبوي وهنود حمر من أفلام جون وين على الشاشة الصغيرة. ذهبت لأسأل ذلك الرقيب مندهشاً لماذا منع ذلك الفيلم، فأجابني جواباً لم تكد تصدق أذناي ما يتسم به من جهل: "أنت تعلم أن علاقتنا الدبلوماسية والسياسية مع الهند علاقات جيدة، ولا نريد أن نفسد بهذا الفيلم تلك العلاقة مع هذه الدولة الصديقة".

كم يبدو هذا منطق تجنيب المواطن العربي الرعب معوجاً وعجيباً في هذا الزمان! في السنوات التي أعقبت هبوب رياح "الربيع العربي"، حين سالت الدماء أنهاراً غزيرة، وساد الرعب حياة الناس اليومية، حين تهدمت أجزاء بأسرها من مدن كبيرة، ودمرت قرى وبلدات كثيرة، حين فقد أهلٌ أطفالهم، وفقد أطفال آباءهم وأمهاتهم وأخوتهم وأخواتهم، هل هناك أمرّ وأدهى من الرعب المعاش في الواقع؟صار النزوح أو اللجوء أو الموت تحت القصف واقعاً يومياً. غرق من غرق على قوارب الموت المبحرة خلسة إلى أوربا، وتشرد عشرات الآلاف وسط الفيافي والقفار سيراً على الأقدام في حر الصيف وقر الشتاء. هل هناك رعب أدهى وأمر من رعب الواقع الذي يعيشه المواطنون المحرومون من أبسط مقومات الحياة السليمة في مخيمات تضم الملايين، أو في بيئات أوربية ذات طبيعة اجتماعية مغايرة لعاداتهم وأعرافهم؟ هل يحمي أمرٌ إداري المواطنين الأبرياء من الهول الذي يعيشونه في الواقع بمنع أفلام السينما المرعبة التي يحتمل أن تخيف الصغار والنساء؟ هل تؤمن لهم الرقابة المتشددة القوت والأمان، وتزودهم بسقوف تؤويهم بدل تلك التي هدمتها القذائف؟ يصادف عيد هالووين آخر أكتوبر من كل عام، ويسألني أصدقاء: "أين احتفلتم بهالووين، وكيف؟" بضمير مرتاح، أجيبهم: "لا يوجد داع لذلك. نحن أصلاً نعيش زمن هالووين".

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

(FILES) In this file photo taken on April 19, 2020, an Egyptian doctor wearing two protective masks checks a patient's lung X…

أزعجني بشدة ما قرأته في صحيفة الدستور من اتهام للدكتورة نانسي النفيلي بالانضمام لجماعة إرهابية. د. نانسي هي حماة الدكتور وليد يحيى، الذي توفي بسبب إصابته بفيروس كورونا منذ أيام. وقد جاء الاتهام على خلفية تعليق كتبته على موقع فيسبوك معبرة عن غضبها من التقصير في علاجه وفي توافر أدوات الوقاية الشخصية في المستشفيات.

فقد كتبت "كلكم قصرتم كلكم قتلتموه. وليد جوز بنتي كان شاب زي الفل، أب لطفل عمره خمس شهور نازل شغله الأحد اللي فات فيندفن النهاردة (الاثنين 25 مايو 2020).. أبسط وسائل حماية الطبيب في المستشفى ترمومتر زي اللي موجود في المطارات... والله سخن ما يشتغلش... مين اللي هيطلع يعمل تلاتين حلقة ويصرف مليارات على دور وليد والجيش الأبيض. أقسم بالله لاختصمنكم يوم القيامة أنا وحفيدي اللي يتمتوه".

وقد أصيب الدكتور وليد بالمرض أثناء عمله في مستشفى المنيرة بالقاهرة وتدهورت حالته سريعا قبل أن يتوفاه الله. ومن العجيب أن صحيفة الدستور قد اعتبرت هذا التعليق البسيط والعادي بمثابة وثيقة إدانة لتهمة في منتهى الخطورة، على حد وصف عنوان المقال والذي جاء فيه: "وثيقة تكشف انتماء نانسي النفيلي حماة الطبيب المتوفي لـ "الإرهابية"

والحقيقة أن المقال لا يفتقر فقط إلى الحد الأدنى من مهنية الصحافة من تدقيق للمعلومات وعدم قذف الناس بتهم باطلة، ولكنه لم يراع حتى أبسط قواعد الذوق والإنسانية، حيث قام بالهجوم على إنسانة تمر بحالة نفسية قاسية نتيجة لصدمتها في وفاة زوج ابنتها الشاب الثلاثيني، فضلا عن حالتها الصحية المتأزمة بسبب إصابتها هي شخصيا بفيروس كورونا.

التعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء

للأسف هذا المقال لم يكن الوحيد الذي هاجم الذين تحدثوا عن نقص الإمكانيات المتاحة للأطقم الطبية في مواجهة الوباء. فيبدو أن نغمة تخوين المعارضين لسياسات التعامل مع كورونا تتزايد بوضوح في الأيام الأخيرة. فالرسالة واضحة، عليك أن تمدح كل ما يحدث، وإلا فأنت خائن وعميل!

البعض اتهم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمنسقة العام لحركة أطباء بلا حقوق، بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين بسبب فيديو لها على موقع فيسبوك، طالبت فيه بتوفير أدوات الوقاية الشخصية اللازمة لحماية الأطباء مثل الكمامات الوقائية، وتعديل بروتوكول إجراء تحاليل كورونا للأطقم الطبية، وسط مطالب أخرى للأطباء لمواجهة الأزمة.

ورغم عدم معقولية الاتهام وعبثيته خصوصا وأن مينا مسيحية الديانة، إلا أن البعض قرر أن يتجاهل الحد الأدنى من المنطق في الحوار. ويتفرغ للهجوم على المعترضين واستهداف شخوصهم والتشهير بهم باعتبارهم خونة يتركون ساحة المعركة ويهربون. فقد قام أحد المحامين بتقديم بلاغ ضدها وكتب في نصه: "اختارت أن تحبط جيش مصر الأبيض من خلال الهجوم عليهم وعلى القطاع الصحي في مصر من خلال القنوات المعادية للدولة المصرية".

البروتوكول الحالي يشترط شرطين لإجراء التحليل، وهما ظهور الأعراض ومخالطة حالة إيجابية. وحيث أنه من الممكن أن يكون الشخص حاملا للفيروس ولا تظهر عليه الأعراض على الإطلاق أو تظهر عليه بعد عدة أيام. فقد يؤدي ذلك إلى عدم اكتشاف الحالات المصابة أو على الأقل التأخر في اكتشافها، والذي بدوره يؤدي إلى مزيد من الانتشار للمرض، خصوصا لو كان حامل المرض طبيبا يتعامل مع العشرات أو المئات يوميا.

وربما يفسر نقص عدد الاختبارات والعقبات العديدة لإجرائها ارتفاع نسبة الوفيات في مصر، التي تزيد عن 4 في المة من إجمالي عدد المصابين، بحسب الأرقام الرسمية. فالاكتشاف المُتأخر للمرض يؤدي إلى فرص أقل في التعافي وبالتالي زيادة الوفيات. فضلا عن أن الأرقام المعلنة للإصابات والوفيات هي أقل بكثير من الأرقام الحقيقية نظرا لسياسة تحجيم إجراء الاختبارات، فمصر أجرت حتى الآن 135 ألف اختبار في بلد يزيد سكانه عن المئة مليون، بمعدل 1322 اختبار لكل مليون مواطن وهو معدل ضئيل جدا.

يستحق الأطباء منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب

والحقيقة أن آخر ما تحتاجه مصر في ظل وباء شرس يهدد حياة الجميع سواء من كان معارضا للنظام أو مؤيدا له هو تحويل نقاش حول نقص الإمكانيات الطبية وسياسات التعامل مع كورونا إلى نقاش حول الوطنية والخيانة والاتهامات بالانضمام للجماعات الإرهابية. فنحن نتعامل مع فيروس يمكن أن يصيب ويقتل دون تفرقة، والتعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء.

فحتى كتابة هذا المقال توفى أكثر من 20 طبيبا بسبب فيروس كورونا وأصيب أكثر من 350 بحسب الأرقام المعلنة، فضلا عن الإصابات والوفيات وسط الأطقم الطبية من تمريض وإداريين وفنيين وعمال، الذين كثيرا ما يتم تجاهلهم وتجاهل دورهم.

كل فرد من هؤلاء لديه أهل وأصدقاء، يذهب كل يوم إلى عمله وهو يعرف أنه قد يُصاب بمرض لم يجد له العلم علاجا بعد، ويدرك أنه قد يتسبب أيضا في عدوى أو حتى وفاة أقرب الناس لقلبه، لا قدر الله، عندما يعود إلى منزله.

هؤلاء بكل ما يقدمونه من تضحيات ومخاطرة بحياتهم يستحقون منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب. فحتى لو كنت لا تقبل هذه الفكرة من منطلق العرفان بالجميل، فلتتقبلها من منطلق المصلحة الشخصية، فلو سقط هؤلاء سنهلك جميعا، فهم حائط الصد الأخير بيننا وبين الانتشار الواسع للوباء.