صورة لغلاف الكتاب الصادر في بغداد عام 1962
صورة لغلاف الكتاب الصادر في بغداد عام 1962

بقلم نبراس الكاظمي/

ما أشبه اليوم بالبارحة، إذا ما قسناه بتقلب التحالفات السياسية، وأيضا بتداول المصطلحات الجارحة والدارجة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في ما يخص الأزمة الأخيرة بين بغداد وإقليم كردستان العراق. ففي غضون ستة أشهر من عام 1961، تحولت علاقة عبد الكريم قاسم مع ملا مصطفى البارزاني مما سبقها من حلف وثيق ضد القوى المناوئة للجمهورية الفتية، إلى استخدام الجيش في حسم الصراع السياسي مع الأكراد. وهذا الكتاب "من يحرك البارزاني؟ أسرار تنشر لأول مرة" تأليف الصحفي والباحث هاشم البناء، يختصر علينا المسافة في إدراك المصطلحات التي ساقتها بغداد في وصف حليف الأمس، الذي غدا "عميلا" و"جاسوسا" و"لصا" و"قاطع طرق"، وانصاره "قرود" و"مخالب القط" و"بيادق الاستعمار".

ويضيف البناء بأن البارزاني يقف "أمام الزحف الوطني المقدس القائم على الوحدة الوطنية." ويتساءل "أيريدون إشغال قطعات من الجيش العراقي الباسل في الشمال لتقوية الاخطبوط الإنكليزي الجاثم في الخليج العربي في الجنوب؟!" ويحذر البناء من أن هذه المحاولات ستبوء بالفشل، "فعلى صخرة إيمان الشعب وحبه لزعيمه عبد الكريم قاسم ارتطمت الخيانة وانتثرت أشلاؤها شذر مذر..." وبأن المخطط الاستعماري سيكشف عنه ويوّثق، و"سوف تظهر هذه الوثائق عما قريب في إحدى المحاكم العسكرية أو المدنية التي ستنظر في هذا المتمرد الاستعماري الظالم..." موضحا أن "التمرد الخياني لم يكن وليد تحركات عسكرية وإنما هذه التحركات جاءت نتيجة لإعلان التمرد واقتضتها حماية الأمن والاستقرار من عبث المفسدين".

للحدث خلفية معقدّة، ولا يزال بعض من جوانبه غامضا، بل التساؤل الأكبر هو هل كل ما حصل لاحقا لا بد منه، أو أنه جاء جراء تصعيد خطابي ما بين الطرفين انتهى إثر تراكم الأخطاء إلى حرب ضروس؟ حرص انقلابيو 14 تموز 1958 على استمالة المكوّن الكردي كما كان يفعل العهد الملكي، وذلك من خلال تطعيم قيادات النظام الجديد بعناصر كردية. فكان أحد أعضاء المجلس السياسي الثلاثي كرديا، وهو ضابط عسكري متقاعد من مواليد قرية بامرني قرب دهوك، وعمل متصرفا (محافظا) للواء أربيل قبيل الانقلاب. وقد اختاروا الابن الثاني للشيخ محمود الحفيد، بابا علي الشيخ محمود، وزيرا للمواصلات، بعد أن كان قد تبوأ منصبا وزاريا في إحدى حكومات نوري السعيد.

ورحب النظام الجديد بعودة ملا مصطفى البارزاني من منفاه في موسكو، الذي صدف تواجده في تشيكوسلوفاكيا أثناء حدوث الانقلاب، فعاد إلى العراق بحرا من خلال ميناء البصرة يوم 5 اكتوبر 1958 حيث احتشد عشرات الآلاف من الأكراد والعرب عند استقابله. يُذكر بأن البارزاني سلك طريق العودة من خلال القاهرة حيث التقاه جمال عبد الناصر الذين كان يعده الأكراد متعاطفا معهم. وفي آذار 1959، اندلعت محاولة انقلابية جديدة في الموصل بقيادة الضابط عبد الوهاب الشواف، وهنا جاء دور الأكراد مناصرا لحكومة عبد الكريم قاسم، واستطاعوا تحييد دور العشائر العربية المناصرة للشواف كقبيلة شمر، والتي انتهى شيخها صريعا على يد مجموعة من المقاتلين الأكراد. وربما وجد قاسم في البارزاني وأنصاره قوة ضاربة تشد من أزره كما كان يفعل الشيوعيون، فسمح بعودة بقية المنفيين البارزانيين من روسيا، بل سمح لهم بالاحتفاظ بالسلاح أيضا، وأوعز كذلك إلى مجلس الاعمار بإعادة بناء قرية بارزان المدمرة. فبعد أحداث الشواف بشهر، انطلقت سفينة من ميناء أوديسا بالاتحاد السوفيتي تحمل جُل من لجأ او التحق مع البارزاني في روسيا، وكان عددهم، حسب وكالة تاس السوفيتية، "459 مواطنا عراقيا، يصطحبون 394 من النساء والأطفال، وأيضا مئة مسن أو معوق". ولكن الغريب في الأمر كان موقف الصحافة المصرية، إذ قلبت الصورة وجعلت هؤلاء المارين في قناة السويس في طريقهم إلى العراق "850 مقاتلا من أكراد الاتحاد السوفيتي" (هناك أقليات كردية في جمهوريتي إرمينيا وأذربيجان)، وبأن ثلاث سفن ممتلئة بالسلاح قد قدمت معهم، وهؤلاء هم طلائع "جيش احتلال سوفيتي سيفرض على العراق"، وهذا دليل بأن نظام عبد الناصر في مصر قد استعدى عند هذه اللحظة نظام قاسم، وأراد أن يجعل من تحالف الأخير مع الاكراد مثلبة عليه. وردّت وكالة تاس موضحة بأن مزاعم الصحافة المصرية ليس فيها أي أساس من الصحة، إذ إن السفن الثلاث المشار إليها إحداها أفرغت معدات صناعية في موانئ مصر، والأخرى كانت تحمل مادة الاسمنت الى بورما، أما الثالثة كانت محملة بالسكر إلى اليمن.

وسرعان ما اختُبر هذا التحالف ما بين قاسم والبارزاني عندما اندلعت أحداث كركوك في الذكرى الأولى للانقلاب، وكانت شرارتها الاحتقان القومي الكردي-التركماني القائم منذ عقود، ولكن قاسم آثر وضع اللوم على الشيوعيين حصرا. وبعدها في شهر أكتوبر، قام البعثيون بمحاولة اغتيال قاسم، وهنا نرى أول ملامح لشاب مدعو باسم صدام حسين من بين أعضاء فريق الاغتيال، انتهى به الأمر بعد المحاولة الفاشلة لاجئا في القاهرة. هذه الحادثة جعلت قاسم يتريث في شأن قطع صلاته كليا مع الشيوعيين ومعاقبتهم على أحداث كركوك، ولكن بقي الاحتقان موجودا وألقى بظلاله، في أول الأمر، على علاقة قاسم مع البارزاني. وتبع هذه الأحداث منح رخصة لنشر جريدة "خه بات" (النضال) لسان حال الحزب الديموقراطي الكردستاني، وثم إجازة الحزب نفسه في شباط 1960. وكان حزب البارتي متحالفا ومتماهيا مع الشيوعيين، فيقول في ميثاقه التأسيسي إنه "يمثل مصالح الفلاحين والكسبة والحرفيين والمثقفين في كردستان العراق" ويستلهم توجهاته الاجتماعية من النظرية العلمية الماركسية اللينينية. ولكن مع تزايد الاحتقان بين السلطة القاسمية والشيوعيين، وجد البارزاني أن عليه تحييد الجناح اليساري في الحزب من خلال سلسلة من الإجراءات لإرضاء قاسم، منها عزل أقطاب هذا الجناح في الهيئة التحريرية لدى جريدة خه بات، والتي كانت قد شرعت بانتقاد قاسم جراء ما وصفته بمحاباة الاقطاع من بعد عفوه عن غريم البارزانيين القديم، الشيخ رشيد لولان الذي كان قد انتفض مع أغوات أكراد آخرين ضد الإصلاح الزراعي في أولى أشهر العهد الجديد.

ولكن جريدة خه بات استمرت بالنقد المبطّن، فتارة كانت تطالب بالإسراع بتجسيد وعود السلطة تجاه الأكراد، وتارة أخرى تدعو إلى إلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء الفترة الانتقالية والتوجه إلى دستور دائم وانتخابات نيابية.

وربما تحسس قاسم من هذا النقد بشكل مفرط، ووجد فيه توجها يساريا جديدا ينوي تقويض حكمه، فرد من خلال ما بات يعرف بالدعوة إلى الانصهار، أي إن القوميات والهويات الفرعية عليها أن تذيب نفسها ضمن الهوية العراقية الجامعة، وحاول نقض فكرة الخاصية القومية للأكراد في إحدى خطبه، فأدى ذلك إلى استفزازهم، فواصلت جريدة خه بات حملتها ضد قاسم، مما أثار غضبه، إلى درجة تلفيق تُهم ضد صاحب امتيازها الأول وسكرتير عام حزب البارتي عند تأسيسه (ومن ثم لاحقا مؤسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المنشق عن البارزاني) إبراهيم احمد فتاح الذي اتهمته السلطات العراقية بمقتل زعيم عشيرة خوشناو قرب شقلاوة. وتواصل التأزيم على صفحات الجرائد إلى أن نشرت جريدة الثورة مقالا بعنوان (تحت ظلام الشيوعيين يكتبون) تهدد فيه بأن النظام الجديد قد وجد مراسلات سرية في مقر حلف بغداد تكشف عن "عملاء متسترين" في خدمة الاستعمار وبأنها ستنشر هذه الوثائق قريبا، وكان التلميح القوي هنا بأن الشخص المعني هو ملا مصطفى البارزاني نفسه.

وهكذا تبلور خطاب جديد لدى العهد القاسمي، ألا وهو جعل البارزاني تابعا لمخطط غربي يحاول تقويض سلطة بغداد، والتي كانت تروم مضايقة شركات النفط العالمية العاملة في العراق، والمطالبة بالكويت، ذاك "القضاء العراقي السليب" حسب وصف البناء. ولعل القشة التي أدت إلى اختلال التوازنات كليا أتت من جانب محامٍ شاب وطموح عمره 28 سنة فقط واسمه جلال الطالباني، والذي كان يُعد نجما صاعدا ضمن صفوف البارتي. فأعتلى الطالباني إحدى المنصات في بغداد ونوه بأن عبد الكريم قاسم كان يعمل تحت أمرة ضابط بريطاني حين مشاركته في العمليات العسكرية ضد البارزانيين إبان العهد الملكي. ويضيف البناء إلى معلوماتنا في كتابه حيث يشير إلى قيادة الضابط عبد الكريم قاسم لفصيل مشاة مكون من ثلاثين جنديا في معركة ليلية ضد قوات البارزاني في منطقة ميركه سور سنة 1945،بل يتغنى البناء بهذه المعركة كدليل على انتصارات "الزعيم" ضد العصاة، وليس كما أراده الطالباني من تنويه، بأن من يتهم غيره بالعمالة لدى الإنكليز بناء على وثائق حلف بغداد المكتشفة كان نفسه يأتمر لدى ضابط بريطاني.

تفاقمت الأمور إلى حين إعلان الأكراد الاضراب العام في شهر أيلول، وما لحقه من انتشار لقوات البيشمركة في العديد من المناطق الكردية. مما حدى بقاسم إلى تعبئة الجيش في المقابل. وهنا حاول البارزاني الركون إلى التهدئة والعودة إلى التفاوض وفق نقاط محددة أرسلها إلى قاسم، ولكن جاء رد الأخير من خلال خطاب استمر لخمس ساعات ونصف أمام وكالات الإعلام يعزز فيها من الخطاب المتشدد الجديد، أي إن الحركة الكردية الأخيرة هي جزء من مؤامرة كبرى تحاك ضد البلد، وبأن البارزاني عميل للإنكليز "منذ أن كان ساعيا للبريد سنة 1933"، وادعى قاسم بأن الانكليز مولوا البارزاني بنصف مليون دينار عراقي، وبأن العراق قد يغلق السفارة البريطانية في بغداد ردا على ذلك.

وثم تزايدت الحشود، وبدأ القتال المرير، والتجأ ذاك المحامي الشاب إلى الجبل، وشرع بقيادة مفارز عسكرية ضد الجيش العراقي. وهنا يأتي كتاب البناء الذي نشر في تموز 1962 ليكمل السردية من وجهة نظر الحكومة، واصفا الأحداث بأنها "عملية تمرد موقوتة قام بها بعض المتمردين في الوقت الذي كانت تجري فيه مفاوضات النفط مع الشركات، ويخوض الشعب معركة دبلوماسية حاسمة من أجل تحرير الكويت..."

وفي معرض رده على بيان الحزب الشيوعي القائل بأن الأحداث "أثارت قلقا عميقا لدى القوى الديموقراطية الحريصة على وحدة الصف الوطني ضد الاستعمار نظرا لما يتمتع به البارزانيون من عطف وتقدير الجماهير الشعبية العربية والكردية على السواء"، أجاب البناء "رضيت الشيوعية عن الملا مصطفى البارزاني لأن الاتحاد السوفيتي رضي عنه وأكرمه في لجوئه"، وهنا يظهر شيء من التناقض في سردية عمالة البارزاني إلى القوى الغربية، إذ إن وكالات الاستخبارات البريطانية والأميركية كانت في ذلك الوقت تنظر إليه على أنه "بيدق سوفيتي"! ولكن عند حبك السرديات التعبوية، لا يوجد متسع للاتزان والتأمل في مصداقياتها، فيستطرد البناء قائلا إن "الزعيم (عبد الكريم) بصبره الطويل الجميل، وذهنه المتوقد، وإرادته الحديدية القوية ليلقن هؤلاء الدرس بعد الدرس، ويطهر التربة العراقية من أدرانهم وآثامهم ويقضي على أعشاشهم وأوكارهم..."

وثم يهلهل البناء بقرب انتهاء "التمرد" فينقل عن قائد الفرقة الثانية "بأن المعلومات المتوفرة لدينا تدل على أن الملا الخائن قد جرح جرحا بليغا وهرب مع شقيقه، وأغلب الاحتمال أنه سيموت"، مضيفا "وأكد الزعيم الأمين على أن الأمن والأمان قد عادا إلى ربوع الشمال ورفع علم الجمهورية العراقية فوق زاخو..."

يختتم البناء كتابه ببرقيات بعثتها قيادات كردية تناصر عبد الكريم قاسم، منها واحدة من طرف رشيد لولان الذي كان قاسم قد عفا عنه، يدعوه فيها إلى "تخليصنا من هؤلاء الكفرة والملحدين" في إشارة إلى الاتهامات بالخروج عن الدين التي كان يكيلها لولان ضد مشايخ الطريقة الصوفية البارزانية منذ العهد العثماني. كما أن هناك برقية أخرى من عدو قديم آخر للبارزانيين، وهو محمد فارس آغا شيخ الزيباريين، الاقطاعي العتيد الذي كان يتهم الطريقة البارزانية بتقويض سلطان عائلته على تلك المناطق منذ مئة عام، بالإضافة إلى برقيات من مشايخ يتلقبون بـ "البارزاني" يعلنون فيها إذعانهم للحكومة.

ويجد عدد من المؤرخين أن انهيار تحالف عبد الكريم قاسم مع البارزاني، واستمرار القتال بينهما لحين انتهاء حكم قاسم، ساهم لاحقا بإضعاف نظام الحكم في بغداد، وأبقى قاسم وحيدا أمام مخططات مجاميع أخرى من الضباط القوميين اليمينيين. وثم انتهت الأمور إلى انقلاب شباط 1963 وإعدام عبد الكريم قاسم في دار الإذاعة ببغداد، حيث صورت جثته الهامدة، وتعدى أحد الجنود بالبزق عليها، "مبشرا" الشعب العراقي بقدوم عهد جديد، مضى هو أيضا، وبقي البارزاني صامدافي المشهد، إلى حين وفاته هو الآخر في منفاه الأميركي هذه المرة، قبيل أربعة أشهر من تولى صدام حسين رئاسة العراق، وإحالة الزعامة البارزانية إلى مسعود البارزاني، الذي اجتاز الفترة الصدامية، وربما هو اليوم يتأمل اجتياز ما لحقها.

للاطلاع على الكتاب اضغط على هذا الرابط:

http://www.imarawatijara.com/anti_barzani_book_1962-2/

ــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

A memorial exhibition featuring Iranian political prisoners and organised by opposition group the  People's Mujahedin…

انتشار فيروس كورونا في إيران ألزم النظام للاستجابة إلى بعض الضغوطات. حيث دفع الوباء النظام إلى الإعلان عن إطلاق سراح 85 ألف سجين بشكل موقت من أجل الحدّ من خطر انتشار الفيروس في السجون المكتظة. غير أن سياسة العفو هذه استثنت عشرات الآلاف من السجناء السياسيين الذين قد يواجهون على الأرجح مزيجا مرعبا من ظروف السجن اللاإنسانية وقدرتهم على نشر الأمراض بسرعة ـ بما في ذلك فيروس كورونا.

ومن بين هؤلاء المعتقلين هناك العشرات من المعتقلين السياسيين الأحواز، ذكورا وإناثا، في سجون النظام المكتظة. وبعد أن بعث إعلان العفو الأمل في نفوس عوائل هؤلاء السجناء السياسيين، سرعان ما تبدّدت الآمال عند الاطلاع أن أيا من هؤلاء الأحوازيين لم يشملهم القرار. وقد تأججت التوترات الناتجة عن ذلك وترتبت نتائج فتاكة.

سلط السجناء الأحوازيون، الذين حاولوا الفرار من السجون، وتبع ذلك سقوط عشرات القتلى، الضوء على الوضع الخطير في السجون الإيرانية في إقليم الأحواز. علاوة على ذلك، فإن محاولة هروبهم هي أحد الأمثلة لإثبات الحقائق الواقعية حول تفشي الفيروس التاجي في أنحاء البلاد، وهذه الأحداث تنافي رواية النظام الإيراني بأن الوباء أصبح تحت السيطرة تماما.

في 30 و31 مارس، تردّد أن أفراد الأمن في النظام الإيراني قتلوا وتسببوا بإصابة العشرات من السجناء الأحوازيين الذين كانوا يحاولون الفرار بسبب الظروف الخطيرة في سجن شيبان، سبيدار وسجن عبادان، وسط إصابة الكثير من المعتقلين الآخرين. 

ولغاية الآن، يُقال إن خمسة عشر سجينا في سجن سبيدار وعشرين في شيبان قد قتلوا. وتسربت العديد من الأسماء من القتلى والجرحى في تلك السجون تم التوصل إلى أسماء 6 قتلى و25 مصاب.

ظروف قاتلة

حين أعلن المتحدث باسم السلطة القضائية في النظام غلام حسين إسماعيلي عن إطلاق 10 آلاف سجين بمناسبة عيد النوروز (رأس السنة الفارسية) وأن نصف هذا العدد سيكون من بين "السجناء الأمنيين" ـ وهو مصطلح مستخدم لمن "يمثلون تهديدا للأمن القومي الإيراني" وهي تهمة مشتركة للناشطين والمنشقين عن النظام ـ أمل الكثيرون في اقليم الأحواز في إطلاق سراح البعض من هذه الإعداد الهائلة من السجناء السياسيين الأحوازيين.

وكانت الأوضاع في السجون الإيرانية سيئة حتى قبل التهديد الذي يطرحه فيروس كورونا، لكن قلق الناشطين الأحوازيين ازداد بشكل كبير في ظل التهديد الذي يمثّله الاكتظاظ في أوساط مئات السجناء السياسيين المعتقلين في الجناحين 5 و8 من سجن شيبان الخاضع لسيطرة النظام الإيراني، على بعد بضع كيلومترات خارج الأحواز، عاصمة الإقليم. كما شكّلت الظروف المعيشية التي أبلغت عنها سجينات سياسيات من الأحواز معتقلات في القسم النسائي المكتظ في سجن سبيدار سيء السمعة التابع للنظام مبعث قلق آخر.

على هيئات حقوق الإنسان الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين على الفور

واستنادا إلى تقارير خرجت من السجن واستنادا إلى حسابات معتقلين سابقين على غرار الناشطة في حقوق الإنسان سبيدة قليان، فإن وضع السجناء بدأ يتدهور بسرعة في ظل انتشار فيروس كورونا، بما في ذلك بسبب فيضان مياه المجارير وندرة مصادر المياه.

وفي حين تردّد أن الأحوازيين في السجون اعترضوا مرارا على غياب المرافق الصحية الأساسية والمعقّمات والنظام الغذائي السيئ في السجون، محذّرين بأن هذه المسائل وفّرت بيئة مثالية لانتشار المرض، تجاهل النظام هذه الاحتجاجات.

وخلال الأسبوع الفائت، أصدرت "منظمة العفو الدولية" بيانا عبّرت فيه عن قلقها الكبير بشأن سلامة المعتقلين على ضوء وباء كورونا، بما في ذلك مخاوف بشأن السجناء السياسيين الأحوازيين في سجنيْ سبيدار وشيبان. وحضّ البيان النظام الإيراني على تحرير السجناء من دون فرض شروط كفالة متشددة يتعذر على غالبية الأسر الأحوازية الإيفاء بها.

ومع بدء انتشار فيروس كوفيد-19 بالفعل في أوساط السجناء، لم يتمّ بذل أي جهود لمعالجة هذا الانتشار. وفي البداية، تمّ تأكيد إصابة ثلاثة معتقلين أحوازيين بالفيروس، جميعهم في قسم السجناء السياسيين في سجن شيبان ـ وهم الناشطان ميلاد بغلاني وحامد رضا مكي والمصوّر مهدي بحري.

وعلى الرغم من معرفة مخاطر الوباء المعدي إلى حدّ كبير والذي يمكن أن يكون قاتلا، تردّد أن سلطات السجون تأخرت للغاية في عزل السجناء والحصول على المساعدة الطبية للمعتقلين المصابين الثلاثة، ما عزز بشكل كبير احتمال أن يكونوا نقلوا الفيروس إلى سجناء آخرين وإلى موظفي السجن.

احتجاج وانتقام 

خلال الأيام التي سبقت الانتفاضة، ازداد يأس السجناء في سجن سبيدار وسط انتشار كبير للتقارير التي أفادت عن تشخيص معتقلين مصابين بفيروس كورونا، وغياب أي مؤشرات تشير إلى احتمال إطلاق هؤلاء السجناء بموجب تدابير العفو. ومع ذلك، رد النظام على هذه الاحتجاجات من خلال نشر أعداد كبيرة من قوات الأمن من محافظات أخرى في إيران لتطويق السجون كتدبير وقائي.

وإذ يشعر هؤلاء السجناء أن ما من خيار أمامهم سوى محاولة الهروب حتى رغم معرفتهم أن حراس السجن لن يترددوا في قتلهم. حيث أضرم السجناء اليائسون في سجن سبيدار النار في بطانياتهم وغيرها من الأغراض في 30 مارس. وكانت النيران مسعى لتوفير غطاء من الدخان من أجل خفض الرؤية قبل محاولة تسلّق جدران السجن. وردا على ذلك، اقتحمت قوات الأمن الزنزانات وأطلقت الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية.

ذكرت أسر السجناء أنها تلقت اتصالات من عملاء النظام "للحضور واستلام الجثث"، وطُلب منهم دفن أولادهم بالسر

كما تمّ الإعلان عن مشاهد مرعبة مماثلة في سجن شيبان الذي أصابه الفيروس بدوره والواقع في مدينة الأحواز والتي تعد عاصمة إقليم الأحواز في الأول من أبريل، حيث دفع فيروس كورونا ونفي مسؤولي السجن وجود أي عفو أو إطلاق سراح، بالسجناء إلى استخدام الوسائل نفسها التي لجأ إليها نظراؤهم في سجن سبيدار.

فقد أضرم المعتقلون في الجناح 6 و7 و9 و10 النار في زنازينهم وحاولوا خلع البوابة الأولى للسجن الذي يشتهر بتعذيب و"إخفاء" السجناء السياسيين. وأتى رد السلطات بإطلاق النار وقتل خمسة سجناء بالرصاص  من مسافة قريبة، وإصابة الكثير منهم بجروح بالغة. وحصل أمرا مشابها في سجن عبادان وراح ضحيته العديد من السجناء أيضا.

ووفق تقارير صادرة من المنطقة، سارع أفراد عوائل السجناء إلى السجون بعد سماع خبر اندلاع النيران والتقارير بشأن النيران الكثيفة ليكتشفوا ما حلّ بأحبائهم. ولدى وصولهم، أشارت تقارير صادرة عن المنطقة أن أفراد العوائل المذكورين تعرضوا للغاز المسيل للدموع والرصاص من الذخيرة الحية أطلقها حراس السجن المنتشرون في محيط السجن وقوات الحرس الثوري الإيراني، حيث أفاد ناشطون عن تعرّض ثلاثة منهم لإصابات خطيرة.

ويُظهر فيديو مصوّر على هاتف محمول عن الاعتداء نُشر على موقع "يوتيوب" إحدى أمهات المعتقلين الأحوازيين المذهولة وهي تصرخ خارج سجن شيبان وتندب ابنها، في حين يبيّن فيديو آخر نقل جثث سجناء من السجن في سيارات إسعاف.

رد فعل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الأخرى بطيئ، ولم يرتقِ حتى إلى إدانة النظام على أفعاله

وأكّدت الأسر عن وفاة 15 شخصا من معتقلي الأحواز في سجن سبيدار سواء رميا بالرصاص أو حرقا حتى الموت. ومن بين السجناء القتلى الذين تمّ تحديد هويتهم نذكر محمد سلامات ثلاثين عاما من مدينة الأحواز، وسيد رضا الخرساني وشاهين الزهيري، ومحمد تامولي الطرفي، مجيد الزبيدي، وعلى الخفاجي. 

وذكرت أسر السجناء أنها تلقت اتصالات من عملاء النظام "للحضور واستلام الجثث"، وطُلب منهم دفن أولادهم بالسر. كما طلب موظفو النظام أن يدفع أفراد عائلة الرجال المقتولين تكاليف الأضرار التي تسبّب بها أولادهم في السجون خلال محاولاتهم الفرار. هذا وجرى تحذير العوائل من عدم التحدث عن عمليات القتل هذه إلى المنظمات الحقوقية أو المنظمات غير الحكومية.

وبعد محاولة الفرار من السجن، تمّ نقل سجناء 14 سجينا سياسيا منهم محمد علي عموري إلى السجن الإفرادي في سجون جهاز استخبارات النظام السرية بعد أن اتهمت الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية عموري بأنه قاد الاحتجاجات في سجن شيبان.

وبالنسبة للذين لا يزال يقبعون في السجون، عبر ذويهم عن قلقهم البالغ من أن يتمّ تعذيب أبناءهم للإدلاء باعترافات كاذبة وأن تصدر بحقهم أحكام سجن لسنوات أطول ليجعلوا منهم عبرة للآخرين ومنع حصول أي أحداث مشابهة في المستقبل في السجون.

وقد دعت الجماعات الحقوقية الأحوازية في المنفى الأمم المتحدة ومجتمع حقوق الإنسان الدولي إلى إنقاذ سجناء الأحواز، بما أن السلطات الإيرانية ترفض اتخاذ التدابير الأساسية حتى لحمايتهم من العدوى. وما يفاقم المشكلة هي قيمة الكفالات المرتفعة بشكل غير معقول، ما يحول دون تمكّن العوائل الأحوازية من تأمينها.

وردا على المعلومات التي تمّ الكشف عنها مؤخرا، أعرب رائد بارود وهو ناشط فلسطيني اسكتلندي، عن اشمئزازه من خبث النظام الإيراني نظرا إلى إشارات النظام المتكررة إلى حقوق السجناء الفلسطينيين. 

وقال في هذا الصدد "يواصل الملالي التحدث عن اهتمامهم بالسجناء الفلسطينيين، لكنهم يستغلون معاناة الفلسطينيين كوسيلة لمسح دماء إخواننا الأحوازيين والسوريين والعراقيين عن أيديهم. وفي حين تعمل دول أخرى في العالم على إنقاذ أرواح مواطنيها في ظل تفشي وباء كورونا، يقوم النظام الإيراني بمعاملة الأحوازيين الأبرياء كحيوانات فيسجن من يجرؤ على المطالبة بالحرية ويتركهم ليموتوا من هذا المرض الرهيب. عارٌ على هذا النظام البربري وعلى العالم الذي هو شريك في الجرائم التي يرتكبها ضد الإنسانية".

لكن في وقت تمكّن فيه العديد من الأقارب والسكان المحليين من نشر فيديوهات تُظهر السجناء والهجمات التي نفذها عناصر النظام ضد متفرجين على الطريق، كان رد فعل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الأخرى بطيئا، ولم يرتقِ حتى إلى إدانة النظام على أفعاله. 

أكّدت الأسر عن وفاة 15 شخصا من معتقلي الأحواز في سجن سبيدار سواء رميا بالرصاص أو حرقا حتى الموت

لكن أقرباء السجناء الأحياء والأموات يسعون جميعهم بشكل ملح إلى ضمان تدبير حماية سريع للباقين، بما في ذلك مراقبة أوضاع السجون من قبل جهة غير إيرانية، وتوفير العلاج الطبي الفوري وإدراج معتقلي الأحواز السياسيين ضمن عفو عام أو تحديد كفالة منطقية لإخراجهم.

وعلى هيئات حقوق الإنسان الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين على الفور، وجميع السجناء الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة في إيران بهدف منع تفشي الوباء في السجون. ويُظهر استعداد إيران لإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين نقطة ضغط محتملة كي تشمل حالات العفو هذه مجتمع الأحواز إن تمّ ممارسة ما يكفي من الضغوط الدولية.

وبحسب تعبير السحين الأحوازي السابق والكاتب غازي حيدري الموجود حاليا في المنفى بعدما كان معتقلا وتعرّض للتعذيب بسبب نشاطه في مجال حقوق الإنسان، "إن قتل النظام لهؤلاء السجناء المساكين يُظهر أنه لا يريد أن يغادر الأحواز السجون إلا محملين بنعوش".

وإن لم تدن الجهات الدولية هذه الفظائع، سيستغل النظام انشغال العالم بفيروس كورونا ليخفي الانتهاكات التي يرتكبها بحق السجناء ورفضه منع الإصابات الجماعية ضمن سجونه في الأحواز وفي جميع أنحاء إيران. 

وحتى الآن، سياسة إيران في العفو عن "المُفرج عنهم" غطت على انتهاكات إيران المستمرة بحق السجناء السياسيين الذين ما زالوا محاصرين في السجون الإيرانية. في خضم هذه الأزمة، يجب على المجتمع الدولي أن ينتهز هذه الفرصة للضغط على إيران في تلك القضية الحاسمة.

المصدر: منتدى فكرة