"التحديث الاقتصادي يجري بصورة أسرع من التحديث السياسي"
"التحديث الاقتصادي يجري بصورة أسرع من التحديث السياسي"

بقلم جمال أبو الحسن/

التحديث في أبسط معانيه هو انتقال المجتمع من حال تقليدية، من ثقافة مستقرة متوارثة، من علاقات وقيم قديمة إلى أفق جديد تماماً، ثقافة جديدة، علاقات مختلفة، قوى اجتماعية واقتصادية بازغة، قيم مستحدثة، مؤسسات ناشئة. لا نبالغ إذا قلنا إن هذه العملية تنطوي على خلق "إنسان جديد"، إنسان يختلف في نظرته إلى الحياة، ومنهجه في العيش، عن ذلك الذي كان "ما قبل التحديث". أهم ما يميز "إنسان التحديث" أنه يرى التغيير ممكناً، بل هو واجب وضرورة. هو لا يرضى عن حال المجتمع في وضعه التقليدي. لا يقبل علاقاته وقيمة السائدة. يرى أفقاً مختلفاً ونماذج أخرى قابلة للاستنساخ، بينما يرى إنسان ما قبل التحديث التغيير جريمة وخطيئة. هو لا يعتبر أن ثمة حاجة إليه من الأصل. وعليه، فهو يقاومه ما وسعه ذلك. يناضل ضده لأنه يسلبه أعز ما يملك: قناعاته المبدئية، وطريقة عيشه المتوارثة. بكلام آخر؛ الإنسان التقليدي يؤمن بالاستمرارية ويقاتل من أجلها. الإنسان العصري يعتنق التغيير ويناضل في سبيله.

     قصة القرنين الماضيين هي، في أحد أوجهها، قصة التحديث. ملحمة تغيير المجتمعات، ونقلها من حال إلى حال مع كل ما يصاحب ذلك من متاعب وآلام. إنها قصة لم تتم فصولاً بعد، على الأقل في منطقتنا العربية. ما زالت هناك صراعات تجري من أجل التحديث وتغيير المجتمعات. ما زالت المجتمعات العربية تدفع الكلفة العالية لمعضلة التحديث مرتين. مرة لغيابه أو ضعف حضوره، ومرة لأن السعي إليه والحصول عليه يرتب أثماناً باهظة فوق الاحتمال. النكوص عن التحديث انتحار بطيء. السعي إليه مغامرة محفوفة بكل صنوف الخطر. مقامرة غير مضمونة العواقب.

هكذا -مثلاً- يمكن لنا أن ننظر إلى ما يجري في المملكة العربية السعودية من إجراءات مؤخراً: السماح للمرأة بقيادة السيارة، الحملة على الفساد التي طالت أمراء راسخين من العائلة المالكة... إلخ. هل يمكن اعتبار ما يجري، بزعامة ولي العهد محمد بن سلمان، نوعاً من التحديث؟ لا نعرف على وجه اليقين، على أن ملامح من التفاعلات الجارية تذكر بما هو معروف عن التجارب التاريخية الشهيرة مع عمليات التحديث، وما تجره على المجتمعات من تغييرات سياسية عنيفة ومتسارعة.

يُعد صامويل هنتنغتون، عالم السياسة الأميركي الأشهر، من أوائل من شرّحوا الظواهر السياسية المرتبطة بعملية التحديث. كتابه "النظام السياسي لمجتمعات متغيرة" يعتبر إلى يومنا، العمدة في هذا المجال. في هذا الكتاب تبنى هنتنغتون نظرية خطيرة مؤداها ما يلي: " ليس غياب التحديث هو ما ينتج الفوضى، بل الجهود للوصول إليه". ما الذي يعنيه هذا؟

هنتنغتون رأى أن منبع عدم الاستقرار والاضطراب في الدول الفقيرة ليس كونها فقيرة، وإنما لسعيها كي تصبح غنية. هذا هو جوهر فكرته: التحديث الاجتماعي والاقتصادي يؤدي، بالضرورة، إلى انعدام الاستقرار. السبب أن التحديث، بما يرتبط به من مظاهر تجري بسرعة شديدة وبالتزامن، كالاتجاه إلى التصنيع والتوسع في التعليم والتمدين والعلمنة، يحدث شروخاً عميقة في المجتمع. هذه الشروخ تنعكس على السياسة وتؤدي إلى الاضطراب والتوتر.

أصل الاضطراب هو حالة الحراك الاجتماعي التي يخلقها التحديث. يقول هنتنغتون في كتابه: "تبدو العلاقة بين الحراك الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي مباشرة إلى حد ما. التمدين وزيادة نسبة القراءة والكتابة والتعليم ونشر وسائل الإعلام.. هذه جميعها تساعد في دفع المطامح والتوقعات التي - في حال عدم تحقيقها - تشكل صدمة للأفراد والجماعات، وتدفع بهم إلى مجال العمل السياسي. وفي ظل غياب مؤسسات سياسية قوية وقادرة على التكيف، فإن هذا الارتفاع في المشاركة السياسية يفضي إلى عدم الاستقرار والعنف".

جوهر الأمر إذاً هو تلك الهوة بين الواقع والطموح، التي تنتج عن الحراك الاجتماعي المصاحب للتحديث. الناس، بواقع التحديث، تشرئب أبصارها إلى أنماط مختلفة للعيش، وتتطلع للحصول عليها. سرعة النمو في هذه التطلعات تكون غالباً أكبر كثيراً من إمكانية تلبيتها. هنا يحدث الإحباط، الذي يصير بدوره وقوداً لعدم الاستقرار السياسي.

التحديث الاقتصادي يجري بصورة أسرع من التحديث السياسي. هذا الأخير يستغرق، بالضرورة، فترات طويلة لأن المؤسسات السياسية لا تترسخ بين عشية وضحاها. النتيجة: علاقات وقيم جديدة، مع مؤسسات قديمة. الانفجار الاجتماعي يصير حتمياً. التحديث قد يكون من شأنه – إن لم يستطع المجتمع ضبط إيقاعه- أن يقود إلى تفجير النظام السياسي كله. هنا تصدق مقولة فيلسوف الفكر المحافظ إدموند بيرك: "إن دولة لا تمتلك الوسائل لتغيير ما، هي دولة لا تمتلك الوسائل للمحافظة على ذاتها".

والحال أن هذه التفاعلات الخطيرة المرتبطة بعملية التحديث يمكن معاينتها في أكثر من بلد ينتمي إلى ثقافات مختلفة خلال القرنين الأخيرين. لقد لاحظ عالم السياسة الأميركي الأشهر توكفيل أن الثورة الفرنسية جاءت في أعقاب تقدم سريع ليس له مثيل في ازدهار الدولة، وأن هذا "الازدهار الآخذ بالتزايد باستمرار لم يكن مطمئناً للشعب، بل أشاع في كل مكان مشاعر القلق". هو لاحظ كذلك أن معدل الاستياء الشعبي ارتفع إلى أعلى مستوى له في المناطق الفرنسية الأكثر تطوراً على وجه التحديد. ينطبق الأمر ذاته على الظروف التي سبقت الثورة الروسية، بل والأميركية.

على أن تجربة بعينها مع التحديث صارت المثال الكلاسيكي على كل المعضلات التي ترتبط به. عن تجربة الميجي في اليابان أتحدث. في الأسبوع القادم نناقش هذه التجربة الفريدة محاولين الوقوف على ما تنطوي عليه من دروس ما زالت صالحة للدول التي ترنو إلى التحديث في عصرنا هذا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟