خلال الاجتماع الطارئ الأحد في مقر الجامعة العربية بالقاهرة
جلسة الاجتماع الطارئ في مقر الجامعة العربية بالقاهرة الأحد

بقلم د. نجاة السعيد/

لن يكون اجتماع القاهرة لوزراء الخارجية العرب يوم الأحد مجديا لو تم فيه  نفس الشجب والاستنكار للتدخلات الإيرانية في الدول العربية بدون وضع آليات تنفيذ لمواجهة النظام الإيراني المارق لأن دول المنطقة تعدت مرحلة الاختلافات السياسية مع هذا النظام، والآن تمر في مرحلة خطرة وتهديد لأمنها القومي. فقد بلغ عبث النظام الإيراني الذي طال أمده إلى أن وصل استهداف السعودية بصواريخ إيرانية عبر أدواتها في اليمن بتنسيق مع ميليشيا حزب الله في لبنان التي تقوم بتدريب الحوثيين في اليمن. على الجميع أن يعي أن هذه الانتهاكات والحروب بالوكالة التي يقوم بها النظام الإيراني ضد خصومه ستطال الجميع ولن يكون فقط تهديدا لدول الخليج العربي بل سيشكل خطرا على الأمن الإقليمي والدولي. 

 ما جعل إيران تكسب حلفاء في صفها بالرغم من مشروعها التخريبي الذي دعم non-state actors المتمثل بدعم الميليشيات والجماعات المتطرفة، هو أن شعاراتها واضحة في المنطقة وهي محاربة الإمبريالية وتقوية المستضعفين في الأرض من الشيعة العرب على حد تفسيرها ومناصرة القومية العربية المتمثلة بشعاراتها لدعم القضية الفلسطينية. وبالرغم أن النظام الإيراني لم ينفذ أيا من تلك الشعارات، بالعكس فمواجهة الإمبريالية كلها شعارات لم يعان منها إلا الشعب الإيراني الذي واجه العزلة والعقوبات بدون تحقيق أدنى حريات أو عدالة اجتماعية في الداخل. وقد ازداد حال كل من ناصرتهم إيران سوءا، مثلا الشيعة العرب نُبذوا أكثر في المنطقة بسبب هذا النظام الذي شوه المذهب وجعل الشيعة العرب في لائحة القائمة السوداء من خلال أفعال هذا النظام الإيراني الذي صور هذا المذهب والمنتمين إليه أنهم مجموعة من الخونة لا أمان لهم. كذلك فكك هذا النظام السلطة الفلسطينية من خلال دعمه لحماس ضد فتح وبالتالي بدل أن يتوحد الفلسطينيون لحل قضيتهم ازدادوا تفككا، لكن بالرغم من كل تلك الشعارات الوهمية للنظام الإيراني وحلفائه أو ما يسمى بمحور الممانعة، المتمثل بإيران وسوريا وحزب الله وبعض الشيعة العرب الموالين لولاية الفقيه والقوميين العرب، له مؤيدون من الشعوب العربية يدعمونه بقوة لأن شعاراتهم واضحة أما في المقابل محور الاعتدال الذي يشمل السعودية ومصر والأردن ودول الخليج، ماعدا قطر، ملامحه وأهدافه غير واضحة وهذه الضبابية هي التي تجعل البعض يتردد بدعمه أو الثقة به.

إن الخطأ الفادح الذي وقعت به الدول العربية في مواجهة النظام الإيراني لكبح تصدير الثورة هو الوقوع في فخ الطائفية والذي صب في مصلحة النظام الإيراني.  إن أقوى عامل يتمنى النظام الإيراني البقاء عليه هو إشعال الطائفية في المنطقة ليظل يلعب دور الصدر الحنون للشيعة العرب في المنطقة لخدمة مصالحه كما فعل مع حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والميليشيات في العراق وغيرها من الدول العربية. ولعل من أهم الأسباب التي جعلت الدول العربية تقع في هذا الخطأ وخاصة السعودية هو أنه عند اندلاع الثورة الإيرانية كانت السعودية في بداية مرحلتها التنموية وبداية الطفرة النفطية، ولم يكن هناك مراكز دراسات وأبحاث استراتيجية تخطط لمواجهة هذا الخطر وبالتالي حدثت أخطاء كثيرة ومن أهمها بدل مواجهة هذا النظام سياسيا تمت مواجهته دينيا وطائفيا التي ترتبت عليه مزايدة في الدين وإشعال للطائفية وزج بكل الشيعة زجا تحت لواء تبعيتهم لإيران بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم، وهذا كله كان في مصلحة  النظام الإيراني وأيضا أشعل المنطقة بالتطرف والإرهاب الذي انكوى منه الجميع.

الآن ازدادت حنكة دول الخليج والسعودية لمواجهة خطر التدخلات الإيرانية بسبب ازدياد نسبة المتعلمين والباحثين كما ازداد عدد الخبراء في الشأن الإيراني في دول محور الاعتدال. كل الإصلاحات الأخيرة التي قامت بها السعودية سواء من مكافحة الفساد، أو من القبض على رجال دين  متطرفين في السعودية، أو بتعديل وضع المرأة وإعطائها حقوقها سيكون لها تأثير إيجابي في تأسيس سمات محور الاعتدال. وأهم ما نوه له ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض: "إننا فقط نعود إلى الإسلام الذي تعودنا عليه .. الإسلام الوسطي المنفتح،" وكما ذكر، "لن نستمر في العيش في حقبة ما بعد عام 1979" فهذا اعتراف أن النهج الذي اتبعته السعودية بعد تلك الحقبة كان نهجا خاطئا والآن جاءت مرحلة الإصلاح الحقيقية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

فما تقوم به السعودية داخليا سيسهم في تشكيل سمات محور الاعتدال بشكل أوضح والتي ستتمثل بدول أهدافها الأساسية هي التنمية والحداثة والاستقرار وأهم نقطة هي مكافحة الإرهاب من خلال دعم الإسلام الوسطي أو بالأصح دعم المنهج الذي كانت عليه السعودية قبل 1979.  وقد أكد على هذا المنهج سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة الأميركية، يوسف العتيبة، أن دول الاعتدال المقاطعة لقطر، التي هي من ضمن محور الممانعة، متجهة نحو العلمانية.  فمن خلال ما تبين من أحداث المنطقة لن يوجد سلام في ظل وجود إسلام سياسي والخطير في الأمر أن مناصري الإسلام السياسي لا يؤمنون بكيان الدولة ويعتمدون على ممثلين لغير الدولة من الميليشيات والجماعات المتطرفة وهذا لن يشكل خطرا فقط على المنطقة بل يهدد السلام العالمي بأكمله.

لذلك فإن اجتماع القاهرة عليه أن يتعدى مرحلة الشجب والاستنكار للتدخلات الإيرانية في الدول العربية ويضع خطوات تنفيذية لتحويل الاستراتيجية الجديدة لمواجهة ليس فقط النظام الإيراني بل محور الممانعة كله ووضع أساسيات وسمات محور الاعتدال لكي تكون واضحة للجميع:

  • لا بد من الإجماع على أن الإسلام السياسي مناوئ لمبادئ الإسلام السمحة لأنه يستغل الدين لأهداف سياسية متطرفة يبعده عن روحانيته وهذا يشمل الإسلام السياسي للمذهب السني والشيعي.  الإسلام السياسي يكافح مفهوم الدولة ويرسخ مفهوم اللا-دولة بدعمه للميليشيات والجماعات المتطرفة. فالنسخة الشيعية من الإسلام السياسي أثبتت فشلها في العراق والنسخة السنية التي كانت متمثلة بجماعة الإخوان أثبتت فشلها في مصر وتونس وفي كلا النسختين تفاقم العنف والإرهاب. 
  • لا بد من تقويض أذرع إيران الإقليمية في المنطقة والعمل على حصارها مثل ميليشيا حزب الله في لبنان والحوثي في اليمن والميليشيات الطائفية في العراق وتصنيفها كمنظمات إرهابية. السماح بوجود ميليشيات مسلحة تعمل كدولة داخل الدولة هي بداية انهيار الدول والسلام في المنطقة.
  • لا بد من ترسيخ مبادئ العلمانية في التعامل داخليا وخارجيا. فلا خلط بين الدين والسياسة ومنع التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الأحاديث والآيات القرآنية لنشر العنف والتطرف. هذا التحريض هو الذي يستغله النظام الإيراني لبسط نفوذه في المنطقة. مثلا إبعاد العراق عن إيران لضمان استقراره وبناء كينونة الدولة به من جديد بعيدًا عن الوصاية الإيرانيَّة لن يكون إلا بمنع ذلك التحريض والمحافظة على أخوة الجوار بدون أي انتقاد طائفي.
  • غرس مبادئ التسامح واحترام جميع الأديان والمذاهب لدى جميع دول الاعتدال وضمان حرية ممارسة الأديان وسلامة الأقليات. فلا يمكن شجب انتهاكات محور الممانعة في حالة ممارسة دول محور الاعتدال لأي تضييق على حرية العبادات للأديان المختلفة.      
  • التوضيح للجميع أن التصدي السعودي أو تصدي دول الاعتدال لمشروع إيران التخريبي ليس صراعا على نفوذ إقليمي أو هيمنة على المنطقة بل هو دفاع عن الأمن القومي لتلك البلاد.
  • دول الاعتدال لن تحمل الشعارات الرنانة فشعار "لا صوت فوق صوت المعركة"، انتهى أوانه وهذه الدول تسعى للتنمية الداخلية وتعتمد على المصالح المشتركة بين الدول لضمان الأمن والرفاهية لشعوبها.   
  • لابد من مشروع أميركي  موحد Bipartisan يشمل الحزبين الجمهوري والديموقراطي الذي يدعم توجه دول الاعتدال. فلا يمكن أن تسير هذه الدول على نهج معين في إدارة ترمب ومن ثم تأتي إدارة جديدة ديموقراطية تسعى لتطبيع العلاقات مع النظام التخريبي في إيران على حساب أمن دول محور الاعتدال كما كان الحال في إدارة أوباما. لابد من السعي من خلال تأسيس لوبي عربي لمحور الاعتدال في أميركا لضمان مشروع أميركي موحد من الحزبين ضد محور الممانعة الذي تترأسه إيران لا يختلف مع أي إدارة جديدة في البيت الأبيض.
  • لا بد من ضمان الحكومات الأوروبية بدعم الموقف الأميركي ضد محور الممانعة. فتلك الحكومات للأسف غضت الطرف عن كل الإرهاب والتطرف والطائفية الذي مارسته إيران في سبيل مصالحها الاقتصادية. على تلك الحكومات أن تدرك إذا استمرت على هذا النهج الداعم لإيران متجاهلة مصالح الدول المتضررة منها فلن تستمر دول الاعتدال في تحالفاتها الاقتصادية معها.

لقد عانت المنطقة كثيرا من عبث النظام الإيراني وحلفائه من محور الممانعة. كما أن محور الاعتدال وقع في أخطاء استراتيجية كبيرة استغلها المحور الند لصالحه، لكن آن الأوان أن تتغير تلك المعادلة.  الوضع الآن أصبح خطيرا ومستقبل دول وشعوب المنطقة مهدد فلابد لمحور الاعتدال من وضع آليات تنفيذ لخطط مدروسة، أما الشجب والتنديد فلن يحل شيئا، وسننتهي بين حانة ومانة إلى أن تضيع دولنا وتتحول إلى كانتونات مكونة من ميليشيات وجماعات متطرفة. 

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟