ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتحدث في أحد الفعاليات المتعلقة بالاستثمار الاقتصادي
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتحدث في أحد الفعاليات المتعلقة بالاستثمار الاقتصادي

بقلم حسن منيمنه/

هي رؤية فذّة من دون شك، بناء مدينة مستقبلية الأسس والطابع والاهتمام، انطلاقاً من أقصى ما ابتدعته العقول الطليعية، من الذكاء الاصطناعي إلى إنترنت الأشياء، مدينة بنظم ذكية تتكيف مع التطور، بل تكيّفه وفقاً لتكامل مدروس بين البيئة والطاقة، والفن والتقنية والاتصالات. هي الانتقالة السعودية لا إلى القرن الواحد والعشرين وحسب، بل إلى المستقبل المفتوح، المستقبل الجديد، أي، عند مزج «نيو» (الجديد) اليونانية، بـ «ميم» المستقبل العربية، «نيوم».

على مساحة تبلغ ضعفي قطر أو لبنان، وتقارب مساحة إسرائيل، جارتها بخليج العقبة مع مصر والأردن، رؤية «نيوم» تقترب من إقامة دولة جديدة، على قواعد جديدة، وبقيم جديدة، تعتاش من اقتصاد مستقبلي جديد وتشكل ذخراً للسعودية وللمنطقة والعالم.

لا يمكن التشكيك البتة بالجسارة في هذا التصور. ولا بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهو صاحب الطرح والمشروع، يسعى من خلاله إلى الإنجاز البيّن والنجاح الباهر. وأمام التحديات، المعلوم منها والمجهول، يبدو جلياً بأن الإقدام على هذا الجهد يتطلب شجاعة وحزما وكفاءة قيادية مميزة. ولكنه يتطلب كذلك أموالاً طائلة. فالسؤال الأول هو هل أن السعودية، في زمن تراجع المداخيل، قادرة على المضي قدماً بمشروع من شأنه أن يستهلك قدراً كبيراً من صندوقها السيادي. والسؤال التالي، هل حسبت احتمالات النجاح بالشكل السليم لتبرير المجازفة بهذا القدر، بما لا يستنزف إمكانية تحقيق الأهداف التي تضمنتها «رؤية ٢٠٣٠» والطموحة بحدّ ذاتها، والتي تفترض أفضل الظروف الموائمة لمواكبة متطلبات المجتمع السعودي النامي؟ الجواب المباشر على هذين السؤالين يأتي طبعاً بالإيجاب. إلا أن التأكيدات الفوقية وحدها ليست كافية، لاسيما وأن التفاصيل والأرقام حول المشروع غير متوفرة. بل المؤكد هو المباشرة بالإنفاق، مع تصفيق وترحيب غير محدودين من المتعاقدين الذين يستفيدون للتوّ بغض النظر عن النتائج المستقبلية.

ثمة من يضع مشروع نيوم في سياق الرؤى المتتالية لاستنهاض منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما تلك التي عبّر عنها الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون پيريز بعد انطلاق عملية السلام في التسعينيات. والواقع أن إدراج نيوم في هذا السياق غالباً ما يراد به الطعن المبطّن، انطلاقاً من الريبة المستقرة في الثقافة العربية من كل ما يلامسه جانب إسرائيلي، على الرغم من أن الرؤية التي كان طرحها پيريز تسعى جهاراً للانتقال من منطق الحصيلة الصفرية، أي أن ربح طرف يلازمه حكماً خسارة طرف آخر، إلى منطق الربح المتحقق لكافة الأطراف معاً. وإن كان طرح پيريز لا يزال يستحق الاعتبار، فإن مشروع نيوم لا يملأ إطاره الواسع بل هو أقل استيعاباً أو أقرب أفقاً منه. ففي حين أن همّ پيريز امتد من المحيط إلى الخليج وما يتعداه، فإن انشغال نيوم هو أولاً بذاك اللسان البحري الذي يشكله خليج العقبة، والذي تلتف حوله أربع دول وحسب.

إلا أن الإشارة إلى إمكانية استفادة دول أخرى، وتسمية الكويت تحديداً، إذ يسعها مع اتضاح البنى التحتية في نيوم تصدير نفطها عبر طريق جديد يعفيها من الاعتماد على الخليج العربي ومن خطر العرقلة الإيرانية، أثار قراءات أخرى للهدف البعيد المدى لنيوم. فثمة من أسقط نيوم بالتالي في إطار الصراع السعودي الإيراني، ورأى في المسعى لإنعاش خليج العقبة جهداً لخطف دور الخليج العربي. غير أن في هذه الفرضية مبالغة تضعفها، فنيوم وخليج العقبة أقرب إلى أوروبا بالفعل، وبالإمكان بالتالي اختصار الوقت والكلفة عند تصدير النفط والغاز إليها، ولكنها أبعد من الخليج العربي بالنسبة إلى آسيا، ولا مبرر منطقياً لانتقال مركز الثقل الاقتصادي غرباً في حين أن النمو المتصاعد هو في الشرق، ولا يعقل أن يكون الاستثمار المستقبلي بجزء ضخم من الصندوق السيادي لغرض منافسة سياسية آنية عرضة للزوال.

فعند الامتناع عن الإسراف في القراءات السياسية لنيوم، يبرز عاملان في الدافع إلى المباشرة به، الأول اقتصادي والثاني ثقافي. فقد يكون الهدف من نيوم تزخيم الاقتصاد السعودي ككل. أي أن نيوم صيغة متقدمة ومتعاظمة لما قد شهدته السعودية في مراحل ماضية من مناطق تحفيز تجاري واقتصادي، في جدة والرياض وغيرهما. إلا أن التجارب الماضية لم تكن موفقة، وهذه المناطق لم تنجح باستقطاب الأعداد والأرصدة التي كانت متوقعة لها. فالسؤال الهام هو بالتالي حول ما يجعل نيوم مختلفا كي لا يكون وحسب تكراراً أخطر لتجارب سلبية سابقة.

وقد يكون الهدف من نيوم، كما كرر ولي العهد السعودي التأكيد خلال إطلاقه للمشروع، هو الإنجاز لا على مستوى السعودية وحسب، بل عالمياً، من خلال إقامة منطقة تعتمد على أسس فائقة التطور، فتغدو صحراء الشمال الغربي السعودي مدينة المستقبل. هي إذن استعادة لتجربة دبي تحديداً، والتي تمكنت خلال جيل واحد من الانطلاق الصاروخي من حالة صحراوية شحيحة السكن إلى المدينة الأولى عالمياً على أكثر من صعيد، من حيث التنوع والإبداع. فالتوقع هو أنه كما نجحت دبي، لا بد أن تنجح نيوم. غير أن هذا التوقع، أي استنساخ تجربة دبي ثم التفوق عليها، ينضوي على استشراقات رغبوية لا على توقعات واقعية.

دبي نجحت طبعاً بما انتهجته من سياسات واعتمدته من توجهات، ولكن نجاحها هو كذلك وليد ظروف تاريخية واقتصادية محلية وعالمية مواتية، لا هي أطلقتها ولا هي تحكمت بها، أي أن دبي قد أمسكت بالفرصة المتاحة وتسلقت إلى حيث هي اليوم. وليست دبي وحدها من أنجز هكذا إنجاز. نموذج آخر هو سنغافورة، والتي ابتدأت مستنقعات موبوءة في الستينيات لتصبح في طليعة الدول المتقدمة، والتي تجتهد منذ أعوام طويلة لتكون «المدينة الذكية» بما يحاكي طرح نيوم. غير أن سنغافورة ارتقت بخطوات دؤوبة قائمة على التدرج الإقدامي والذي يشترك فيه المجتمع السنغافوري في العلم والأداء. أما نيوم، فتريد أن تختصر المراحل وهي تستثمر استعداداً لفرصة تتمناها، من دون أن يلوح لها في الأفق ما يشير إلى اقترابها، وتعوّل على مساندة عالمية، في حين أن مجتمعها، أي السعودية، بحاجة إلى استثمارات استدراكية عميقة في التعليم والتنمية.

القليل النادر من التفاصيل بشأن نيوم يزخر بالمفاهيم والطروحات الفائقة التقدم تقنياً وتشكلياً، والعبارات المستحدثة التي يقتصر كنهها على النخبة المطلعة. وقد يكون هذا دليلا على عمق الاعتبار لدى المسؤولين عن نيوم، غير أنه من دون شك كذلك، نظراً إلى سرعة دورة الزعم والإثارة ثم التنفيس في مجالات الطروحات التقنية والتشكلية، دليل على نجاح التسويق لدى من يسوّق من المتعاقدين مع نيوم.

قد يرتقي نيوم فوق المخاوف السلبية وقد يحقق ما يجمع دبي وسنغافورة على البحر الأحمر ويتفوق عليهما. ولكنه، وللأسف هو الراجح، قد يصبح أوردوس أخرى. وأوردوس هي المدينة الصينية في منغوليا الداخلية، والتي شاءت لها الصين، الأكثر ثراء وتقدماً من السعودية بالطبع، أن تكون مدينة المستقبل، وسخت عليها بالأموال والمشاريع، وأقامت لها الصروح والمتاحف والتجارب المعمارية المتفوقة، ليتبين لها أن الحزم والإصرار والسخاء ليست وحدها ما يصنع المدن الجديدة. أوردوس اليوم إنجاز هائل وفاشل. عسى ألا يكون ذلك مصير نيوم.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.