الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

بقلم حسين عبد الحسين/

أظهرت تصريحات وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، عن تطورات الأحداث جنوب سوريا، مدى ضعف موسكو في التأثير في مجريات الأزمة السورية.

لافروف قال إن بلاده لم تلتزم للإسرائيليين ببقاء الميليشيات الموالية لإيران على مسافة من حدود إسرائيل الشمالية مع سوريا، بل إن ما التزمته موسكو يقتصر على وعد للإسرائيليين بإبعاد "ميليشيات غير سورية" عن الحدود الإسرائيلية. وتابع المسؤول الروسي القول إن الميليشيات الموالية لإيران في سوريا موجودة على الأراضي السورية بطلب من حكومة دمشق، ما يمنحها شرعية ويبعد عنها تعريف "ميليشيات غير سورية"، المنصوص عليها في اتفاقية "خفض التصعيد" في الجنوب السوري.

إذن هو نوع من التلاعب الكلامي الذي تنخرط فيه روسيا منذ دخولها الحرب السورية في خريف العام 2015، وهو تلاعب أوهمت بموجبه روسيا إسرائيل أن دخول موسكو الحرب السورية سيدعم الأسد لجعله مستقلا عن القوة الإيرانية، وتاليا تمكينه من الإمساك بزمام الأمور داخل البلاد، واستعادة السيطرة والسيادة، وطرد الميليشيات الموالية لإيران.

مرّت الأيام والأسابيع والأشهر، وصار يبدو جليا أن القوة الروسية تقتصر على ممارستها حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي، لحماية الرئيس السوري بشار الأسد من أي قرارات يمكن أن تجبره وحلفاءه الإيرانيين على وقف أعماله الحربية.

ومع دخول روسيا الحرب السورية، صار يبدو جليا أيضا أن القوة العسكرية الروسية تقتصر على تأمينها غطاء جويا لقوات الأسد والميليشيات الإيرانية المتحالفة معها. حتى في أدائها الجوي، بانت عيوب القوة الروسية، مع تحطم مقاتلتين أثناء محاولتيهما الهبوط على سطح حاملة الطائرات كوزنتسوف. على أن ممارسة "حق النقض" في مجلس الأمن الدولي، وتأمين غطاء جوي لقوات الأسد وإيران، لم تعطيا موسكو النفوذ الذي كانت تطمح إليه داخل سوريا، ما اضطر دبلوماسييها، وفي طليعتهم لافروف، إلى ابتكار كل أنواع البهلوانيات الكلامية والمبادرات للإيحاء بأن روسيا هي الآمر الناهي في سوريا.

ربما انطلت ألاعيب الروس في سوريا على البعض، لكن لم يمض الكثير من الوقت حتى أدركت غالبية متابعي الشأن السوري أن روسيا تتكلم أكثر مما تفعل، وتوحي أنها ممسكة بإيران والأسد، فيما هي في الواقع لا سيطرة لها عليهم.

أولى مؤشرات الاستقلال الإيراني عن روسيا ظهرت في صيف 2016، بعدما أقعلت قاذفات روسية من قاعدة عسكرية إيرانية، وتظاهرت موسكو وكأن طهران صارت في تحالف بزعامة روسية، ليعترض الإيرانيون ويمنعوا الإقلاعات الروسية، التي كان يفترض أن تبقى سرية.

ثاني محاولات روسيا تصوير المحور الذي تقوده إيران على أنه محور بزعامة روسيا، جاء يوم حاولت موسكو إقامة تحالف "سوري - أردني – عراقي" بزعامتها، ليتضح فيما بعد أن تصريحات مسؤولي الأردن والعراق حول دخولهم في الفلك الروسي كانت مجرد تصريحات، وأن الأردن مستمر كواحد من حلفاء أميركا الموثوقين في المنطقة، فيما العراق في جيب إيران.

ختاما، وعدت روسيا إسرائيل مرارا، حسب ما نقلت صحف إسرائيلية على لسان كبار المسؤولين الإسرائيليين، بأن موسكو تمسك بسوريا والأسد، وأنها ستمنع الميليشيات الموالية لإيران، وفي طليعتها "حزب الله" اللبناني، من إقامة بنية عسكرية تحتية في الجنوب السوري يمكنها أن تضع الشمال الإسرائيلي تحت رحمتها.

لكن من يعرف روسيا ويراقبها كان يتوقع أن تكون الوعود الروسية مجرد وعود، وأن إيران ستتسلل إلى الجنوب السوري بغض النظر عمّا يعد به المسؤولون الروس، وهو ما انعكس في تصريحات لافروف، التي قال فيها إن روسيا "لم تعِد" بمنع الميليشيات الإيرانية من الانتشار في الجنوب السوري، وأن الخطر الوحيد على إسرائيل يأتي من دعم الولايات المتحدة لميليشيات في سوريا.

يبدو أن لافروف لا يأبه للعبثية التي صارت تشوب تصريحاته وتنتقص من مصداقيتها، فالقول إن أميركا هي التي تهدد إسرائيل هو ضرب من ضروب الخيال لا يصدقه إلا الذين يصدقون بهلوانيات السيد لافروف، ومن يصدقون ادعاءات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه استعاد مجد الإمبراطورية الروسية حول العالم.

لكن بعيدا عمّا يقوله لافروف وإعلام الكرملين، ولمن يتأمل مجريات الأحداث في الشرق الأوسط وسوريا، سيرى أن كلام لافروف وإعلام الكرملين مجرد كلام، وإن السيد بوتين هو في الواقع "إمبراطور بلا ثياب"، على حد قول المثل الشعبي الأميركي، وأن على الإسرائيليين الاعتماد على قوتهم الجوية ودعم الولايات المتحدة لإبقاء حدودهم الشمالية آمنة.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟