أكراد سوريون ينزحون لتركيا هربا من داعش
أكراد سوريون ينزحون لتركيا هربا من داعش

بقلم عريب الرنتاوي/

سيُسجل تاريخ سورية الحديث أن أكرادها، أيا كان الإطار الذي ينظمهم، وحدات الحماية أو قوات سورية الديمقراطية "قسد"، قد لعبوا دورا كبيرا في الحرب على الإرهاب، وحرروا مساحات واسعة من سورية مما يُسمى "تنظيم الدولة الإسلامية – داعش"، وهم اليوم، ينشرون سيطرتهم على ما يقرب من 30 في المئة من مساحة سورية الإجمالية، وقد عملوا على نحو لصيق مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، واحتفظوا بعلاقات عمل وتعاون وثيقة مع روسيا، ونسجوا خيوط تحالفات مع أوساط عربية سورية، ومع دول وكيانات عربية أخرى.

بل ويمكن الذهاب أبعد من ذلك للقول: بأن المناطق التي سيطر عليها الأكراد وحلفاؤهم كانت الأكثر هدوءاً وتنظيما وانتظاما... أجريت فيها انتخابات لإدارات ومجالس محلية، وتمتعت فيها النساء بقدر كبير من الحرية والمشاركة، بما فيها المشاركة الميدانية في المعارك والمجابهات مع "داعش"، بخلاف مناطق سيطرة الجماعية الإسلامية المتشددة، التي أذاقت المواطنين "كأس المرارة"، ونكلت بنسائها ورجالاها، فيما ظلت المناطق الخاضعة للفصائل الأخرى، وتحديدا فصائل الجيش الحر و"الفصائل المتلبسة" عرضة لحروب "الأخوة الأعداء" ونهباً للفوضى ومظاهر البلطجة والتعدي على الحقوق والحريات والكرامات.

لا يعني ذلك، أن الحركة الكردية السورية، لم تقترف الكثير من الأخطاء والخطايا، فهي كغيرها من الأطراف المنخرطة في "حرب الجميع ضد الجميع" في سورية، تورطت في اتفاقات "مثيرة للشبهة" مع "داعش" مؤخرا، وتكشفت عن أحلام وتطلعات للهيمنة والتسلط، واتخذت إجراءات ضد المكونات الأخرى في مناطق سيطرتها، لا يمكن قبولها أو تبريرها، وتكشفت عن أطماع تفوق طاقة الأكراد والسوريين جميعا على الاحتمال، وخلّفت لنفسها عداوات وضغائن لدى بعض أطراف المعادلة السورية.

لكن المهم، أن أكراد سورية باتوا على الأرض قوة رئيسة وفاعلة في المشهد السوري، بل وتقع في المرتبة الثانية من حيث الاقتدار والانتشار، بعد قوات النظام وحلفائه، لاسيما بعد دحر داعش عن مساحات واسعة من الأراضي السورية، ومع ذلك، لاحظنا أن ممثلي هذا الفريق غابوا، أو بالأحرى غُيّبوا، عن مساري جنيف وأستانا، مثلما جرى استبعادهم من مسار سوتشي وإجراءاته التمهيدية حتى الآن، فكيف لفريق بهذا الحجم والقوة على الأرض، أن يغيب ويُغيّب عن موائد التفاوض وغرفه المغلقة؟ ... وهل من مصلحة سوريا استثناء هذا الفريق وإقصائه؟ ... وهل يمكن تصور حل نهائي للأزمة السورية، من دون انخراطه الفاعل في مجريات هذا الحل، ومن لحظة البداية وحتى إسدال الستار على الفصل الأخير؟ ... وكيف يمكن لجماعات و"منصات" يعرف رعاتها وداعموها، أنها لا تحظى بوزن وتمثيل حقيقيين، لا داخل سورية ولا خارجها، أن تحضر في مسارات جنيف وأستانا وسوتشي – بعد حين – وأن تغيب عنها قوة فاعلة ورئيسة بحجم الحركة الكردية وحلفائها؟

موسكو أبدت منذ زمن رغبة في إدماج الحركة الكردية السورية في مجريات الحل السياسي واتفاقات التهدئة الميدانية التي رعتها وأشرفت عليها، وموفدو موسكو ساجلوا نظراءهم الأتراك والإيرانيين بضرورة انخراط الأكراد في مسار سوتشي ومؤتمر "الحوار الوطني السوري"، وهو المؤتمر الذي سبق لموسكو أن أطلقت عليه مؤتمر "شعوب" سورية، في إشارة خاصة إلى أكراد سورية ... و"مشروع دستور جديد لسورية"، الذي عرضته موسكو على المعارضة السورية في بدايات مسار أستانا، تحدث عن "فيدرالية" سورية، تلاقي مطلب الأكراد الرئيس، ويعترف على ما يبدو بـ "الأمر الكردي الواقع" ... لكن حلفاء موسكو وأصدقاءها، وتحديدا تركيا وإيران والنظام، عارضوا هذا التوجه، وإن بدرجات متفاوتة من الحدة والتشنج.

واشنطن، الحليف الأبرز للأكراد في سورية والداعم الرئيس لقوات قسد، دعت مؤخرا إلى إدماج أكراد سورية في مسار جنيف، ويبدو أن الموفد الأممي ستيفان ديمستورا التقط "الضوء الأخضر" الأميركي، ليبدأ مشاورات في هذا الصدد ... ولا ندري كيف سيتطور الموقف الأميركي من هذه المسألة، وأين سينتهي.

وقبل عدة أسابيع، كانت دمشق تبعث برسالة تصالحية للأكراد في سورية، ووزير خارجيتها المخضرم وليد المعلم أعرب عن استعداد بلاده للقبول بمفاوضات مع أكراد بلاده من أجل التوصل إلى تفاهم حول شكل من أشكال "الحكم الذاتي" أو الإدارة الذاتية" ... لم يقل الوزير شيئا عن "الفيدرالية" التي رفضتها حكومته من قبل، وترفضها من بعد، بيد أنه اشترط أن يكون الحوار مع الكرد، تحت سقف السيادة السورية، وفي إطار وحدة سورية.

العقدة الرئيسة التي تقف في وجه أكراد سورية وتطلعاتهم على اختلاف مستوياتها وأبعادها هي تركيا، وموقفها الرافض بشدة إشراك الأكراد في العملية السياسية وفي أية ترتيبات ميدانية، بل واعتبارهم امتدادا لما تسميه "إرهاب حزب العمال الكردستاني – التركي"، وتفضل إدراجهم في إطار الحرب الكونية على الإرهاب، بل وتتعامل مع "إرهاب الأكراد" بوصفه أشد خطورة من "إرهاب داعش"، وهي في الوقت الذي تُبقي فيه على قنوات الاتصال والتواصل مع "النصرة"، وتنسق خطواتها في إدلب مع هذا التنظيم الإرهابي وفقا للتصنيف الأممي، فإنها ترفض أي شكل من أشكال التحاور أو التواصل مع الحركة الكردية بشقيها السياسي والعسكري.

المقاربة التركية لمسألة أكراد سورية، لا تلقى قبولا من أحد تقريبا، لكن أنقرة بما لها من وزن وموقع وأدوار في أزمات الإقليم المختلفة، وبالنظر لتشابك مصالح دولية عديدة مع تركيا نجحت في "ابتزاز" أطراف عديدة بمن فيها واشنطن وموسكو، وأمكن لها أن تعطل مشاركة الأكراد في العملية السياسية بمختلف مساراتها وقنواتها حتى الآن، غير مدركة أنه من دون إدماج هؤلاء في النظام السياسي السوري الجديد الذي يجري التفاوض بشأنه، لا أمل في استرجاع أمن سورية واستقرارها، ولا أمل في حفظ أمن تركيا وحدودها على المدى الأبعد كذلك.

وأحسب أنه بات يتعين على كل من روسيا والولايات المتحدة أن تخرجا من دائرة الضغط والابتزاز التركيين، وأن تعملا سوية لإقناع أنقرة أو إرغامها على تقبل فكرة وجود مقعد كردي على موائد التفاوض والمحادثات، أولا لأن ذلك ضروري جدا لغايات حل الأزمة السورية سياسيا ومنع تقسيمها، وثانيا لأن أحدا لم يعلن موافقته حتى الآن على تشخيص تركيا للحركات الكردية السورية بوصفها حركات إرهابية، وإلا لما كانت واشنطن قد قدمت لها كل العون والإسناد، ولما كانت موسكو قد فتحت أبوابها أمام موفدي الحركة وقياداتها الذين لا ينقطعون عن زيارة موسكو والتداول معها.

يجب تشجيع الأكراد على المشاركة في العملية السياسية و"عقلنة" مطالبهم و"ترشيدها"، وهذا غير ممكن من دون أن يكونوا حاضرين على موائد التفاوض والاجتماعات ... ويجب تحرير إرادة المعارضة السورية، من قبضة النفوذ التركي الذي يجعلها تردد ما تريد أنقرة أن تقوله على لسانها ... ويجب إقناع النظام في دمشق، بأن "عقارب المسألة الكردية في سورية لن تعود إلى الوراء"، وأنه لن يكون قادرا على حكم سورية، بالوسائل والأدوات القديمة ... ومن دون أن تتوافر هذه المقدمات، لن تكون "سورية ما بعد داعش"، في وضع أفضل مما كانت عليه قبلها.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟