"يحتاج الفهم السائد لمفهوم البر والعقوق في الثقافة الإسلامية إلى مناقشة"
"يحتاج الفهم السائد لمفهوم البر والعقوق في الثقافة الإسلامية إلى مناقشة"

بقلم منصور الحاج/

في أواخر شهر أكتوبر الماضي، أقدم أب تركي على قتل نفسه برصاصة في الرأس أطلقها أثناء بث مباشر عبر خدمة فيسبوك لايف احتجاجا على ارتباط ابنته بشاب دون علمه. وبغض النظر عن الحالة العقلية والنفسية للأب وعن ملابسات طبيعة علاقته بابنته والمبررات التي دفعته إلى فعل ذلك، فإن من الضروري تسليط الضوء على الفهم التقليدي للعلاقة بين الآباء والأبناء في الثقافة الإسلامية والتطرق لمفهومي البر والعقوق من زوايا مختلفة.

في اعتقادي، يحتاج الفهم السائد لمفهوم البر والعقوق في الثقافة الإسلامية إلى مناقشة وتفكيك. فاعتقاد الآباء بأن لهم ملكية مطلقة على أبنائهم لتسببهم في مجيئهم إلى هذا العالم وشعور الأبناء بوجوب الطاعة المطلقة للوالدين ما لم يحللا حراما أو يحرما حلالا بحاجة إلى تأصيل منطقي.

ويشعر الكثير من الآباء بالعار والخذلان وخيبة الأمل بسبب الفهم الخاطئ لفكرة البر والعقوق ولشكل العلاقة الطبيعية مع الأبناء في ما يعاني الكثير من الأبناء من عقدة الشعور بالذنب والتقصير في "بر" والديهم خاصة أولئك الذين يتعرضون للابتزاز والتهديد ممن يعتقدون بأنهم يمتلكون صكوك الغفران ومفاتيح النجاة من عذاب النيران.

وقد ساهمت العديد من العوامل في انتشار الفهم السائد لثقافة البر والعقوق أبرزها في اعتقادي هو الإرث التاريخي والديني المتنوع تنوعا بلغ حد التناقض بين صور البر ونماذج العقوق التي شكلت الوعي الجمعي للمجتمعات الإسلامية على مر العصور.

ففي قصة إسلام سعد بن أبي وقاص الذي عرف ببره الشديد بوالدته وحبه لها، نجد الابن يتجاهل والدته التي أضربت عن الطعام والشراب لتجبره على العودة إلى دين آبائه وأجداده. ولما واصلت الأم إضرابها حتى أوشكت على الموت وبلغ سعد ذلك جاء إليها وقرب وجهه من وجهها وصاح بها لتسمعه قائلا لها: "تعلمين والله يا أماه، لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلين".

هذه القصة التي تعتبر من "أسمى" أمثلة التضحية في التاريخ الإسلامي حيث يضحي الإنسان بوالدته التي يحبها من أجل دينه الجديد ربما رسخت أيضا لفكرة أن الدين أهم من الوالدين فالقرآن يأمر صراحة بعصيان الوالدين "إن جاهدا" الابن على الإشراك بالله.

ويمتد التناقض إلى أبعد من ذلك حين نقرأ قصة الصحابي أبي عبيدة عامر بن الجراح الذي قتل أباه في معركة بدر وهو أمر على الرغم من بشاعته وتعارضه التام مع كل ما يمت للبر بصله خلده التاريخ الإسلامي كأحد "أسمى" صور التضحية والفداء.

لازلت أذكر ذلك اليوم الذي درست فيه قصة أبي عبيدة في مقرر "صور من حياة الصحابة" للمرحلة المتوسطة حيث تم تصوير المشهد كما يلي: "انطلق أبو عبيدة يوم "بدر" يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الردى فهابه المشركون، ويجول جولة من لا يحذر الموت فحذره فرسان قريش وجعلوا يتنحون عنه كلما واجهوه، لكن رجلا واحدا منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه فكان أبا عبيدة ينحرف عن طريقه ويتحاشى لقاءه. ولج الرجل في الهجوم وأكثر أبو عبيدة من التنحي وسد الرجل على أبو عبيدة المسالك ووقف حائلا بينه وبين قتال أعداء الله فلما ضاق به ذرعا ضرب راسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين فخر الرجل صريعا بين يديه. لا تحاول أيها القارئ أن تتخيل من هو الرجل الصريع أذا قلت لك إن عنف التجربة فاق خيال المتخيلين وحسبان الحاسبين. إن الرجل الصريع هو عبد الله بن الجراح والد أبو عبيدة. لم يقتل أبو عبيدة أباه وإنما قتل الشرك في شخص أبيه".

وترسخ التعاليم الإسلامية لفكرة ملكية الآباء للأبناء فتأمر الوالدين بتعليم أبنائهم طريقة أداء الصلاة حين يبلغون سن السابعة وبإكراههم عليها في سن العاشرة ومعاقبتهم بالضرب في حال رفضهم أو تمردهم. بل ويمتد حق الوالد في التحكم بأبنائه إلى ما بعد البلوغ فيمنح الشرع الوالد الحق في مال ابنه وفقا لحديث "أنت ومالك لأبيك".

وتسقط هذه الملكية في حالات معينة كالجهاد مثلا فيجوز للابن عصيان والده والالتحاق بالجماعات الجهادية كما يقول الخطيب والمقاتل في صفوف حركة هيئة تحرير الشام الشاب المصري أحمد القعقاع في تسجيل نشره على صفحته على موقع "فيسبوك" فند فيه كل الآيات والأحاديث التي يبرر بها الآباء رفضهم التحاق أبنائهم بجبهات القتال في سورية.

وبناء على تلك الشواهد التاريخية تشكلت ثقافة البر والعقوق فتفشت ظاهرة الزيجات التي تقوم الأسر بالتخطيط لها بدون إبداء أي اهتمام لموافقة الأبناء وفي حال رفض أحد الطرفين أو كليهما، يستخدم الآباء عدة طرق للضغط كالحزن الشديد والمقاطعة كما فعلت والدة سعد والتهديد بإعلان البراءة أو الحرمان من الميراث أو الغضب عليهما مدى الحياة.

وقد عايشت وقرأت واستمعت إلى العديد من القصص عن الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الأبناء العاقلون البالغون من قبل والديهم الذين يصرون على التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتهم حتى الشخصية منها كاختيار التخصص الدراسي والهوية الجنسية وقضايا الاعتقاد والزواج والإنجاب ونوعية الملابس وتسريحة الشعر وغيرها.

وحين يصل اليأس بالأبناء مداه ويثورون في وجه ذلك التسلط الأبوي ويتمردون، يصاب الكثيرون منهم باضطرابات نفسية، خاصة حين يتبرأ أحد الوالدين أو كلاهما من الابن فيتخيل الابن نفسه خالدا في العذاب الأبدي.

وفيما تكثر الحالات التي يتبرأ فيها الوالدان من أبنائهم حين يكتشفون خروجهم عن الدين أو إعلانهم عن مثليتهم الجنسية، يتردد الكثير من الآباء في نبذ أبنائهم الذين يقاتلون في صفوف الجماعات الجهادية وكأن تغيير الديانة أو إعلان الهوية الجنسية أشد خطورة من إرهاب الناس وإزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات.

وكما ذكرت سابقا يوظف الإسلام العلاقة الأبوية دائما لصالحه حتى لو قلب ذلك معيار البر والعقوق رأسا على عقب كما في حالات سعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة أو حين ينادي منادي الجهاد.

والأبناء في التراث الإسلامي يحظون بحب مشروط من الوالدين طالما التزموا بالأوامر والنواهي الإسلامية، وإلا فإن الأب عادة من يتطوع بتخليص العالم من "العار" فيما لو اختار ابنه او ابنته دينا آخر أو في حالات الحمل او العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج بالنسبة للفتيات أو في حالات المثلية الجنسية مثلا أو اختيار حبيب يراه الأبوان غير مناسب.

ويشجع التراث الإسلامي الفقراء على الزواج على أمل أن يغنيهم الله "من فضله"، ويشجعهم على الإنجاب فكل طفل يأتي برزقه بل ويشجعهم على الإنجاب بكثرة فقد ورد في الحديث "تناكحوا، تكاثروا، تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة".

إن من المدهش أن يتعامل بعض الآباء والأمهات مع أبنائهم كما يتعامل السيد مع عبيده، فيعتبرون مجرد تسببهم في وصول الأبناء إلى هذا العالم جميلا لا يستطيع الأبناء الوفاء به مهما فعلوا وهو ما يدفع بعض الأمهات حين يصبن بخيبة أمل بتمني لو أنهن أسقطن أبناءهن حين كانوا أجنة.

وتعيش الكثير من الأسر المسلمة المهاجرة صراعات راحت ضحيتها آلاف الفتيات بسبب رفض الآباء الاعتراف بحقهن في اختيار من وما يرونه مناسبا لهم أسوة بأقرانهن. إن طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء في الدول الغربية تختلف تماما عنها في الثقافة العربية والإسلامية فتنحصر مسؤولية الوالدين في الغرب في تربية أبنائهم وتوفير المسكن والغذاء والغطاء والدواء والحب والحنان حتى سن البلوغ وحينها يشكر الأبناء آباءهم أو يلعنوهم ثم يشقون طريقهم في الحياة.

في السادس من نوفمبر عام 1989 قتل مهاجران فلسطينيان ابنتهما تينا عيسى (16 عاما) طعنا بالسكين لأنها بدأت تعمل في مطعم للوجبات السريعة وتصاحب شابا من أصول افريقية. كان والدها يرغب في أن تحافظ على عذريتها حتى يزوجها - كما فعل مع شقيقاتها - لأحد أبناء أقاربه في الضفة الغربية فيما كانت تينا تخطط لأن تصبح طيارا. في يناير 2008، قتل المهاجر المصري ياسر عبد السعيد ابنتيه لأنهما يصادقان شابين غير مسلمين. في أكتوبر من عام 2009، قتل المهاجر العراقي فالح المالكي ابنته نور (20 عاما) لأنها تعيش مع صديقها ولا تلتزم بالثقافة العراقية والإسلامية. للأسف الشديد، لن تتوقف هذه الجرائم حتى يدرك الآباء أنهم لا يملكون أبناءهم وأن شرفهم ليس بين أفخاذ بناتهم. لن يتوقف هذا النوع من الجرائم حتى يدرك الآباء أن ثقافة البر والعقوق التي نشأوا عليها خاطئة وأن الوقت قد حان لتصحيحها قبل فوات الأوان وسقوط ضحايا آخرين.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة