"يحتاج الفهم السائد لمفهوم البر والعقوق في الثقافة الإسلامية إلى مناقشة"
"يحتاج الفهم السائد لمفهوم البر والعقوق في الثقافة الإسلامية إلى مناقشة"

بقلم منصور الحاج/

في أواخر شهر أكتوبر الماضي، أقدم أب تركي على قتل نفسه برصاصة في الرأس أطلقها أثناء بث مباشر عبر خدمة فيسبوك لايف احتجاجا على ارتباط ابنته بشاب دون علمه. وبغض النظر عن الحالة العقلية والنفسية للأب وعن ملابسات طبيعة علاقته بابنته والمبررات التي دفعته إلى فعل ذلك، فإن من الضروري تسليط الضوء على الفهم التقليدي للعلاقة بين الآباء والأبناء في الثقافة الإسلامية والتطرق لمفهومي البر والعقوق من زوايا مختلفة.

في اعتقادي، يحتاج الفهم السائد لمفهوم البر والعقوق في الثقافة الإسلامية إلى مناقشة وتفكيك. فاعتقاد الآباء بأن لهم ملكية مطلقة على أبنائهم لتسببهم في مجيئهم إلى هذا العالم وشعور الأبناء بوجوب الطاعة المطلقة للوالدين ما لم يحللا حراما أو يحرما حلالا بحاجة إلى تأصيل منطقي.

ويشعر الكثير من الآباء بالعار والخذلان وخيبة الأمل بسبب الفهم الخاطئ لفكرة البر والعقوق ولشكل العلاقة الطبيعية مع الأبناء في ما يعاني الكثير من الأبناء من عقدة الشعور بالذنب والتقصير في "بر" والديهم خاصة أولئك الذين يتعرضون للابتزاز والتهديد ممن يعتقدون بأنهم يمتلكون صكوك الغفران ومفاتيح النجاة من عذاب النيران.

وقد ساهمت العديد من العوامل في انتشار الفهم السائد لثقافة البر والعقوق أبرزها في اعتقادي هو الإرث التاريخي والديني المتنوع تنوعا بلغ حد التناقض بين صور البر ونماذج العقوق التي شكلت الوعي الجمعي للمجتمعات الإسلامية على مر العصور.

ففي قصة إسلام سعد بن أبي وقاص الذي عرف ببره الشديد بوالدته وحبه لها، نجد الابن يتجاهل والدته التي أضربت عن الطعام والشراب لتجبره على العودة إلى دين آبائه وأجداده. ولما واصلت الأم إضرابها حتى أوشكت على الموت وبلغ سعد ذلك جاء إليها وقرب وجهه من وجهها وصاح بها لتسمعه قائلا لها: "تعلمين والله يا أماه، لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلين".

هذه القصة التي تعتبر من "أسمى" أمثلة التضحية في التاريخ الإسلامي حيث يضحي الإنسان بوالدته التي يحبها من أجل دينه الجديد ربما رسخت أيضا لفكرة أن الدين أهم من الوالدين فالقرآن يأمر صراحة بعصيان الوالدين "إن جاهدا" الابن على الإشراك بالله.

ويمتد التناقض إلى أبعد من ذلك حين نقرأ قصة الصحابي أبي عبيدة عامر بن الجراح الذي قتل أباه في معركة بدر وهو أمر على الرغم من بشاعته وتعارضه التام مع كل ما يمت للبر بصله خلده التاريخ الإسلامي كأحد "أسمى" صور التضحية والفداء.

لازلت أذكر ذلك اليوم الذي درست فيه قصة أبي عبيدة في مقرر "صور من حياة الصحابة" للمرحلة المتوسطة حيث تم تصوير المشهد كما يلي: "انطلق أبو عبيدة يوم "بدر" يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الردى فهابه المشركون، ويجول جولة من لا يحذر الموت فحذره فرسان قريش وجعلوا يتنحون عنه كلما واجهوه، لكن رجلا واحدا منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه فكان أبا عبيدة ينحرف عن طريقه ويتحاشى لقاءه. ولج الرجل في الهجوم وأكثر أبو عبيدة من التنحي وسد الرجل على أبو عبيدة المسالك ووقف حائلا بينه وبين قتال أعداء الله فلما ضاق به ذرعا ضرب راسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين فخر الرجل صريعا بين يديه. لا تحاول أيها القارئ أن تتخيل من هو الرجل الصريع أذا قلت لك إن عنف التجربة فاق خيال المتخيلين وحسبان الحاسبين. إن الرجل الصريع هو عبد الله بن الجراح والد أبو عبيدة. لم يقتل أبو عبيدة أباه وإنما قتل الشرك في شخص أبيه".

وترسخ التعاليم الإسلامية لفكرة ملكية الآباء للأبناء فتأمر الوالدين بتعليم أبنائهم طريقة أداء الصلاة حين يبلغون سن السابعة وبإكراههم عليها في سن العاشرة ومعاقبتهم بالضرب في حال رفضهم أو تمردهم. بل ويمتد حق الوالد في التحكم بأبنائه إلى ما بعد البلوغ فيمنح الشرع الوالد الحق في مال ابنه وفقا لحديث "أنت ومالك لأبيك".

وتسقط هذه الملكية في حالات معينة كالجهاد مثلا فيجوز للابن عصيان والده والالتحاق بالجماعات الجهادية كما يقول الخطيب والمقاتل في صفوف حركة هيئة تحرير الشام الشاب المصري أحمد القعقاع في تسجيل نشره على صفحته على موقع "فيسبوك" فند فيه كل الآيات والأحاديث التي يبرر بها الآباء رفضهم التحاق أبنائهم بجبهات القتال في سورية.

وبناء على تلك الشواهد التاريخية تشكلت ثقافة البر والعقوق فتفشت ظاهرة الزيجات التي تقوم الأسر بالتخطيط لها بدون إبداء أي اهتمام لموافقة الأبناء وفي حال رفض أحد الطرفين أو كليهما، يستخدم الآباء عدة طرق للضغط كالحزن الشديد والمقاطعة كما فعلت والدة سعد والتهديد بإعلان البراءة أو الحرمان من الميراث أو الغضب عليهما مدى الحياة.

وقد عايشت وقرأت واستمعت إلى العديد من القصص عن الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الأبناء العاقلون البالغون من قبل والديهم الذين يصرون على التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتهم حتى الشخصية منها كاختيار التخصص الدراسي والهوية الجنسية وقضايا الاعتقاد والزواج والإنجاب ونوعية الملابس وتسريحة الشعر وغيرها.

وحين يصل اليأس بالأبناء مداه ويثورون في وجه ذلك التسلط الأبوي ويتمردون، يصاب الكثيرون منهم باضطرابات نفسية، خاصة حين يتبرأ أحد الوالدين أو كلاهما من الابن فيتخيل الابن نفسه خالدا في العذاب الأبدي.

وفيما تكثر الحالات التي يتبرأ فيها الوالدان من أبنائهم حين يكتشفون خروجهم عن الدين أو إعلانهم عن مثليتهم الجنسية، يتردد الكثير من الآباء في نبذ أبنائهم الذين يقاتلون في صفوف الجماعات الجهادية وكأن تغيير الديانة أو إعلان الهوية الجنسية أشد خطورة من إرهاب الناس وإزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات.

وكما ذكرت سابقا يوظف الإسلام العلاقة الأبوية دائما لصالحه حتى لو قلب ذلك معيار البر والعقوق رأسا على عقب كما في حالات سعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة أو حين ينادي منادي الجهاد.

والأبناء في التراث الإسلامي يحظون بحب مشروط من الوالدين طالما التزموا بالأوامر والنواهي الإسلامية، وإلا فإن الأب عادة من يتطوع بتخليص العالم من "العار" فيما لو اختار ابنه او ابنته دينا آخر أو في حالات الحمل او العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج بالنسبة للفتيات أو في حالات المثلية الجنسية مثلا أو اختيار حبيب يراه الأبوان غير مناسب.

ويشجع التراث الإسلامي الفقراء على الزواج على أمل أن يغنيهم الله "من فضله"، ويشجعهم على الإنجاب فكل طفل يأتي برزقه بل ويشجعهم على الإنجاب بكثرة فقد ورد في الحديث "تناكحوا، تكاثروا، تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة".

إن من المدهش أن يتعامل بعض الآباء والأمهات مع أبنائهم كما يتعامل السيد مع عبيده، فيعتبرون مجرد تسببهم في وصول الأبناء إلى هذا العالم جميلا لا يستطيع الأبناء الوفاء به مهما فعلوا وهو ما يدفع بعض الأمهات حين يصبن بخيبة أمل بتمني لو أنهن أسقطن أبناءهن حين كانوا أجنة.

وتعيش الكثير من الأسر المسلمة المهاجرة صراعات راحت ضحيتها آلاف الفتيات بسبب رفض الآباء الاعتراف بحقهن في اختيار من وما يرونه مناسبا لهم أسوة بأقرانهن. إن طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء في الدول الغربية تختلف تماما عنها في الثقافة العربية والإسلامية فتنحصر مسؤولية الوالدين في الغرب في تربية أبنائهم وتوفير المسكن والغذاء والغطاء والدواء والحب والحنان حتى سن البلوغ وحينها يشكر الأبناء آباءهم أو يلعنوهم ثم يشقون طريقهم في الحياة.

في السادس من نوفمبر عام 1989 قتل مهاجران فلسطينيان ابنتهما تينا عيسى (16 عاما) طعنا بالسكين لأنها بدأت تعمل في مطعم للوجبات السريعة وتصاحب شابا من أصول افريقية. كان والدها يرغب في أن تحافظ على عذريتها حتى يزوجها - كما فعل مع شقيقاتها - لأحد أبناء أقاربه في الضفة الغربية فيما كانت تينا تخطط لأن تصبح طيارا. في يناير 2008، قتل المهاجر المصري ياسر عبد السعيد ابنتيه لأنهما يصادقان شابين غير مسلمين. في أكتوبر من عام 2009، قتل المهاجر العراقي فالح المالكي ابنته نور (20 عاما) لأنها تعيش مع صديقها ولا تلتزم بالثقافة العراقية والإسلامية. للأسف الشديد، لن تتوقف هذه الجرائم حتى يدرك الآباء أنهم لا يملكون أبناءهم وأن شرفهم ليس بين أفخاذ بناتهم. لن يتوقف هذا النوع من الجرائم حتى يدرك الآباء أن ثقافة البر والعقوق التي نشأوا عليها خاطئة وأن الوقت قد حان لتصحيحها قبل فوات الأوان وسقوط ضحايا آخرين.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A handout picture provided by the Saudi Royal Palace on November 20, 2019, shows Crown Prince Mohammed bin Salman upon his…
أيهما أعلى كلفة على الولايات المتحدة، صداقة الرجل أم خصومته؟

ثمة ما يشير إلى "بداية نهاية" حرب تحطيم أسعار النفط التي أعلنها ولي العهد السعودي محمود بن سلمان على روسيا، وإذا كان من السابق لأوانه الجزم بـ "كيف" و"متى" ستضع هذه الحرب أوزارها، وما إذا كانت الأطراف المتورطة فيها، ستتوصل إلى "تهدئة طويلة الأمد" أم إلى اتفاق "خفض تصعيد"، فإن من المؤكد أن دخول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الأزمة، وبكل ثقلها، ربما يكون قد أوقف مزيدا من الانزلاقات من حافة الهاوية إلى قعرها.

لست هنا بصدد "التورط" في تقديم تحليل حول النفط وأنماط الإنتاج وسلاسل البيع والتصدير، وآليات عمل سوق الطاقة، فتلك مهمة تقع خارج دائرة اختصاصي، لكنني أجد نفسي مدفوعا للإجابة على سؤالين اثنين، تثيرهما الانهيارات المتلاحقة، في أسعار النفط ومشتقاته: الأول؛ ويتعلق بدوافع القرار السعودي وأسبابه ومدى "عقلانيته"... والثاني؛ ويتصل بعلاقة الإدارة الأميركية بولي العهد السعودي، وما إذا كانت كلفة صداقتها له، قد تخطت كلف خصومته، كما ألمح لذلك، غير مسؤول وأكثر من صحيفة أميركيين.

يشبه قرار حرب تحطيم أسعار النفط، الذي اتخذه ابن سلمان قبل بضعة أسابيع، قراره شن "عاصفة الحزم" على اليمن قبل خمسة أعوام... كلا القرارين اتسما بالانجراف نحو "مغامرة غير محسوبة"، وافتقدا للرؤية والروية، وكلاهما تسبب بكوارث إنسانية واقتصادية ومالية، ومفاعليهما تخطت قدرة الولايات المتحدة، الحليف والضامن للمملكة وولي عهدها، على التحمّل والاحتمال.

صحيفة "واشنطن بوست" لخصت المسألة بكلمات قليلة: محمد بن سلمان "لاعب غير موثوق على الصعيد الدولي"، أما عضوا الكونغرس دان سوليفان (جمهوري) وكيفين كريمر (ديمقراطي)، فقد ذهبا إلى أبعد من ذلك، حين شرعا في إعداد مشروع قانون يقضي بمحاسبة السعودية (يُضاف إلى قانون جاستا) إن لم تتراجع خطوة إلى الوراء في حرب الأسعار، تحت طائلة إعادة النظر بالعلاقة "الاستراتيجية" معها، وسحب القوات الأميركية من المملكة، لتُترَك مكشوفةً أمام التهديدات والأخطار.

السعودية غير قادرة على وضع حد للحرب في اليمن بالقوة العسكرية، ولكنها في المقابل، تبدو شديدة التردد في التجاوب مع مبادرات التهدئة والتسوية

المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية قال إن "الرياض تسيء لنفسها عندما تختار إغراق سوق النفط"... كثرة كاثرة من المحللين وخبراء الطاقة، قالوا بأن المملكة أطلقت النار على أقدامها، فلا هي قادرة على السير قدما على هذا الطريق المكلف عليها أكثر من غيرها، ولا هي قادرة على التراجع، من دون سلالم وشبكات أمان، باعتبار أن قرار حرب الأسعار، يرتبط بشخص ولي العهد وسمعته وكبريائه، والأهم بصراعه المحموم على العرش مع بقية مراكز القوى السعودية، داخل العائلة وخارجها.

لقد قيل الكثير في محاولة تفسير قرار "حرب الأسعار"، وسبر أغوار العقلية التي صدر عنها وحيثياتها... بعضهم اقترح "أن غرفة عمليات أميركية ـ سعودية" كانت وراء القرار، وأن الهدف الرئيس هو تحطيم صناعة النفط الروسية، وإلحاق مزيدٍ من الأذى باقتصادي إيران وفنزويلا... 

وتفترض هذه النظرية أن "لعبة عض الأصابع" التي دشنها ولي العهد ضد "القيصر" كان يفترض أن تنتهي بإقدام الأخير على الصراخ أولا... لكن ما لحظه المراقبون هو أن الصرخة الأولى صدرت عن طرف ثالث، هو الولايات المتحدة، التي استفاقت على خطر إفلاس صناعتها النفطية وانهيارها.

صحيح أن حملة الرئيس ترامب الانتخابية، تابعت بارتياح هبوط أسعار "غالون البنزين" في السوق الأميركية، باعتباره محركا لكثير من الناخبين للتصويت لصالح الرئيس/المرشح، لكن خروج اللعبة عن قواعد السيطرة، وقدرة روسيا على "الصمود" في هذه الحرب، وربما لسنوات وليس لأشهر قليلة قادمة، سيفضي من دون ريب، إلى انقلاب السحر على الساحر، وسيحدث أثرا عكسيا على "الحملة الانتخابية" لا سيما في زمن الجائحة المعروفة باسم "كورونا"، وعلى عتبات أزمة ركود اقتصادي عالمي، باتت تُقَارن بأزمة 1929، وليس بأزمة 2008.

قاد ذلك آخرين للقول، إنها حرب "القيصر" على الولايات المتحدة، ردا على منظومة العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب على صناعة النفط الروسية، بل أن البعض لم يستبعد أن تكون "لعبة حرق الأسعار" منسقة بين الرياض وموسكو... 

الأولى ردا على خذلان واشنطن لها في مواجهة إيران والثانية ردا على العقوبات الأميركية، وهي الفرضية التي تراجعت سريعا، ما أن انتهى الرئيس الأميركي من إجراء مكالمة جادة مع ولي العهد السعودي، أدت إلى مبادرة الرياض للدعوة لاجتماع طارئ لمجموعة "أوبك +" للبحث في سبل وقف الانهيارات.

سعوديون معارضون كثر، رجّحوا أن يكون القرار النزق بشن "حرب الأسعار"، قد صدر في لحظة غضب وانفعال، وكتعبير عن رغبة غير محسوبة بالانتقام، ورأوا أن هذا هو التفسير الأقرب إلى شخصية ولي العهد ونظرته لنفسه، وطريقته في إدارة شؤون الحكم والدولة والسياسة الخارجية، بل وفي صياغة قرار الحرب والسلام، مذكرين مرة أخرى بالحرب على اليمن والغرق السعودي في مستنقعها المستمر منذ خمسة أعوام، ومن دون أن تلوح في الأفق بوادر حل سياسي أو حسم عسكري.

أياً يكن السبب وراء قرار شن "حرب الأسعار"، فإن الجدل الذي أثاره القرار، وتحديدا في الولايات المتحدة، يعيد إلى الواجهة سؤالا قديما متجددا، يَظهر عند كل منعطف، حول جدوى الاحتضان الأميركي لولي العهد السعودي وكلفة هذا الاحتضان على صورة واشنطن ومكانتها ومنظومتها الأخلاقية والقيمية، بل وعلى مصالحها المباشرة والبعيدة كذلك.

فالولايات المتحدة في مسعاها لوقف الحرب في اليمن، تصطدم بإصرار ولي العهد على الوصول إلى "تسوية" تضعه في موقع "المنتصر" بينما هو في الميدان وعلى الأرض، ليس كذلك أبدا، لا سيما بعد التطورات الأخيرة في شمالي اليمن (اقتراب الحوثي من مأرب) وفي جنوبه "حروب الأخوة الأعداء"، وتحول العمق السعودي إلى ساحة من ساحات الحرب والمعارك... 

السعودية غير قادرة على وضع حد لهذه الحرب بالقوة العسكرية، ولكنها في المقابل، تبدو شديدة التردد في التجاوب مع مبادرات التهدئة والتسوية التي يطرحها الموفد الدولي ووسطاء آخرون، وهي فوق هذا وذاك، عاجزة عن إطلاق مبادرتها السياسية الخاصة للحل النهائي لأسوأ كارثة من صنع الانسان في تاريخ البشرية... والمؤسف حقا، أن "جائحة كورونا"، لم تزحزح الموقف السعودي، ولم تغير في محدداته أو تبدل في أولوياته.

سعوديون معارضون كثر، رجّحوا أن يكون القرار النزق بشن "حرب الأسعار"، قد صدر في لحظة غضب وانفعال

والولايات المتحدة ضاقت ذرعا بأزمة الخليج والحصار المفروض من دول "الرباعي العربي"، بقيادة السعودية، على قطر، وهي قدمت مبادرات للحل، اصطدمت جميعها بإصرار ولي العهد على الخروج من الأزمة منتصرا على دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، وفرض شروطه وإملاءاته عليها... 

هنا أيضا يبرز السؤال حول أثر "المغامرة غير المحسوبة" في صنع القرارات الكبرى والصغرى في المملكة، التي اشتهرت تاريخيا، بدبلوماسيتها المحافظة والهادئة والرتيبة، وانتقالاتها البطيئة والمترددة من موقع إلى موقع ومن سياسة إلى أخرى.

والولايات المتحدة، تتابع بلا شك، وربما بكثير من الحرج، كيف يدير الأمير الشاب الشأن السعودي الداخلي، ولا شك أن تقارير "خارجيتها" و"مخابراتها" تطفح بالمعلومات عن اعتقالات أمراء العائلة (بعضهم من أخلص حلفائها)، ورجال دين وفكر ونشطاء وناشطات ورجال أعمال وغيرهم... لكنها مع ذلك، لم تفعل ما يكفي لوقف هذه الانتهاكات، حتى صدق قول كثير من المعارضين السعوديين بأن حماية الإدارة الأميركية لمحمد بن سلمان بعد جريمة اغتيال جمال خاشقجي، شجعه على تشديد قبضته الأمنية والبطش بخصومه ومجادليه، من داخل الأسرة الحاكمة وخارجها.

هو سجل حافل بالمواقف المتهورة والقرارات غير المحسوبة لولي العهد الشاب، ذات الأثر "الثقيل" على واشنطن، وليس قرار "حرب الأسعار" سوى فصل واحد منها، الأمر الذي يبرر طرح السؤال: أيهما أعلى كلفة على الولايات المتحدة، صداقة الرجل أم خصومته؟