كتاب صحيح البخاري
كتاب صحيح البخاري

د.توفيق حميد/

يعتبر كثيرون أن صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد القرآن الكريم، ويصل تقديس البخاري عند البعض إلى درجة أنهم يحلفون باستخدام اسمه، وإن أخطأ أحدهُم في شيء و أراد أن يخفف من شدة خطئه يقول "وهل أنا أخطأت فى البخاري؟".

وحينما يتم نقد البخاري أمام رجال الدين فإن أوصالهم ترتعد، لأن ذلك سوف يهدم كُهنوتهم الديني، الذي يسيطرون به على عقول العامة.

والآن وبعد هذه المقدمة عما يسمى صحيح البخاري، دعونا نناقش الأمر بصورة موضوعية ونتساءل هل صحيحُ البخاري صحيح؟

وسأترك الحكم للقارئ فى النهاية!

أولا، اعتمد البخاري على النقل الشفهي من شخص إلى آخر، وتم قبول الأحاديث النبوية بناء على ثقة البخاري وغيره فى هؤلاء الرواة، والعجيب فى هذا الأمر أن هذا المنهج فى النقل مرفوض فى القرآن تماما لأنه يعتمد على الثقة الشخصية وتزكية الآخرين، في حين أن القرآن يقول "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" أي أنه لا البخاري ولا غيره يستطيعون تزكية غيرهم من البشر.

 وليس أدل على ذلك من أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يستطيع أن يعرف كل المنافقين فى عصره،  فكما قال القرآن له "وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ ".

 فإن كان الرسول لا يستطيع أن يُدرك من هو المنافق من حوله فأنّى للبخاري أن يعرفَ ذلك؟

أما الأمر الثاني فإن البخاري كما قال قد "جمع صحيحه هذا من زهاء 600 ألف حديث"، أي أنه راجع 600 ألف حديث ورواتهم لكي يصدر لنا كتابه.

وبحسبة رياضية بسيطة، فإن البخاري فى مدة حياته (من 194 هـ إلى 1 شوال 256 هـ) أي حوالى 62 عاما كان يجمع ويراجع الحديث الواحد ويدرس سنده ويدقق رواته لكى يؤكد صحته أو يرفضه فى مدة زمنية لا تزيد عن ربع ساعة واحدة، هذا مع افتراض أنه يعمل على ذلك 24 ساعة متتالية بدون أكل أو نوم أو شرب منذ لحظة مولده حتى لحظة مماته.

فهل يوجد أى إنسان عاقل يقبل بذلك؟

والنقطة الثالثة هي التناقض الصارخ بين ما جاء به البخاري وما جاء به القرآن،  فعلى سبيل المثال فإن القرآن أقر بوضوح مبدأ حرية العقيدة حينما قال:

 "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"

أما البخاري فقد أقر حكم قتل المرتد حينما قال "من بدل دينه فاقتلوه"،  وقال "عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ،وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث : الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، رواه البخاري ومسلم.

ولم يقف الأمر عند اختراع وافتراء حد لم يأمر القرآن به مثل حد الردة، فقد أضاف لنا أيضا البخاري حد الرجم وهو ليس فقط غير موجود فى القرآن، بل ومتناقض معه،  فعلى سبيل المثال فإن القرآن أقر أن الأمة (مفرد إماء) التى تتزوج يكون عليها نصف ما على المرأة الحرة المتزوجة من العقوبة فى حالة الزنا كما جاء فى قوله تعالى "فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ".

فيا ترى كيف يتم تنصيف الموت إن كان الرجم حتى الموت هو العقوبة المفروضة على الزانية المحصنة كما روى البخاري؟

أما النقطة الرابعة فى هذا المضمار فهي أن ما جمعه البخاري يُشكك فى القرآن نفسه،  وليس أدل على ذلك من حديثه الذى يقول فيه إن بعض آيات القرآن نُسِخت لفظا وبقيت حكما،  أي أنها نزلت على الرسول كجزء من القرآن ولكنها غير موجودة فى القرآن الحالي الذى بين أيدينا، ولم يقف الأمر عند هذا فقط،  فقد ذكر البخاري أن هذه الآيات كانت موجودة تحت سرير عائشة  وأكلتها ماعز:
 "حدثنا ‏ ‏أبو سلمة يحيى بن خلف ‏‏حدثنا ‏ ‏عبد الأعلى‏ ‏عن‏ ‏محمد بن إسحق‏ عن ‏عبد الله بن أبي بكر‏ عن ‏عمرة ‏‏عن‏ ‏عائشة‏ ‏و عن ‏عبد الرحمن بن القاسم ‏عن ‏أبيه‏ عن ‏عائشة ‏قالت:‏ لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏وتشاغلنا بموته دخل‏ ‏داجن ‏فأكلها".

ولذا فإن هذه "الآية" لم توضع فى القرآن الذي تم جمعه، لأنها فُقدَت بسبب هذا الماعز (الداجن) الشقي!

ثم تأتي النقطة الخامسة هنا لتنهى أسطورة "صحيح البخاري"، فهل يُعقل أنه بعد بحث مضنٍ لتنقيح 600 ألف حديث يأتي لنا الرجل بأحاديث تصف الحياة الجنسية للرسول وقدرته "الخارقة" على ممارسة الجنس، وليس أدل على هذا من ذلك الحديث المذكور فى البخاري "عن أنس بن مالك قوله : أن نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة".

و الآن أترك الحكم للقارئ:

هل "صحيح البخاري" صحيح حقا؟ 

ــــــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟