قررت محكمة جنايات القاهرة معاقبة غالي وآخرين بالسجن 30 سنة
محكمة مصرية في القاهرة

قال المحامي بالنقض نجاد برعي إن الرئيس الأسبق محمد أنور السادات وضع المادة 98 (و) في القانون المصري "عندما استخدمت الجماعة الإسلامية منابر المساجد للإساءة للدين المسيحي فوضع هذا القانون حتى يجرّم به استخدام أي دين لسب دين آخر"، وخاصة بعد أحداث الزاوية الحمراء الطائفية في حزيران 1981 والتي راح ضحيتها العشرات من المصريين وأحرقت فيها منازل ومحال تجارية لأقباط.

تنص هذه المادة على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي"، يستدل من المعنى الصريح لهذه المادة وملابسات صدورها أن الدولة قد سنّت هذا القانون لمحاربة الفكر المتطرف الذي يدعو للكراهية، وللعمل على نشر روح التسامح والمحبة بين المكونات المختلفة ضمن الوطن الواحد. 

لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة كان مختلفا، وحتى معاكسا تماما لهذا الهدف، فتحت هذه المادة تحديدا تم رفع عشرات القضايا في المحاكم المصرية كان هدف الأغلبية المطلقة منها هو استخدام هذا القانون من قبل أفراد ومنظمات ذات خلفية إسلامية لملاحقة أي تصريح أو موقف أو حركة يقوم بها مثقف أو فنان أو أديب أو إعلامي فيها أبسط انتقاد للتفكير السائد بهدف إحالته للقضاء ومحاكمته والعمل على سجنه، أي أن القانون بدل أن يكون أداة في يد الدولة لمحاربة الفكر المتطرف أصبح أداة في أيدي رجال الدين لترهيب كل من يختلف معهم فكريا ولتكميمّ الأفواه مستخدمين عبارات مطاطة في القانون كذرائع مثل ازدراء الدين أو تهديد الوحدة الوطنية، ويلجأ هؤلاء عادة لرفع دعاوي متعددة على نفس الشخص وبأكثر من محكمة لإرهاقه نفسيا وماديا، إذ حتى لو فشلت القضية المرفوعة في تحقيق هدفها بسجن المستهدف فقد تنجح في إشاعة الخوف وجعل أي شخص يفكر مليّا قبل أن يوجه أي انتقاد أو قبل أن يخوض في القضايا العامة، وقد نجم عن الكثير من هذه القضايا استياء واسع لدى نسبة كبيرة من الشعب المصري وأوساطه الثقافية على وجه الخصوص، وبالإمكان القول إن هذا القانون وهذه القضايا هي من أصبحت تهدد الوحدة الوطنية وتؤثر على السلم الاجتماعي. 

من القضايا التي أثارت الرأي العام قصة الباحث المميز إسلام بحيري الذي حكم عليه في منتصف عام 2015 بالسجن لخمس سنوات وبعد الاستئناف حكم عليه في بداية عام 2016 بالسجن سنة مع النفاذ وتم تنفيذ الحكم، وقالت المحكمة في نص الحكم: "من جميع ما سبق وجميع ما تقدم فإنه يكون قد ثبت ثبوتا يقينيا كافيا، أن المتهم إسلام بحيري قام بالتعدي على الإسلام والمسلمين باستغلال برنامجه للترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي الحنيف"، الباحث الشاب إسلام بحيري شخصية عامة ثقافية وإعلامية تمتاز باطلاع واسع على الدين الإسلامي وله برنامج تلفزيوني يحظى بشعبية واسعة اسمه "مع إسلام" يهدف لتنقية الفكر الإسلامي من ما تسرّب إليه بعد قرون من الدعوة الإسلامية من بدع وانحرافات وتطرّف، كما يطالب بإخضاع اجتهادات رجال الدين التابعين المولودين بعد قرون من الدعوة للمحاكمة العقلية باعتبارهم غير معصومين، خصوصا عندما تتناقض أحاديثهم مع القرآن والسنة والمنطق السليم، ودفع ثمن ذلك سنة سجن، وهو الذي كان يظن أن برنامجه ينسجم مع توجهات الرئيس السيسي الذي دعا شخصيا في بيان في كانون الثاني-يناير 2015 إلى تجديد الخطاب الديني، قال فيه إنه دعا شيوخ الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء "بسرعة إلى الانتهاء من خطاب ديني جديد يتواكب مع مستجدات العصر ... تجديدا واعيا ومسؤولا ... يقضي على الاستقطاب الطائفي والمذهبي ويعالج مشكلة التطرف"، ولكن مؤسسة الأزهر نفسها ممثلة بشيخها أحمد الطيب هي التي رفعت دعوى قضائية تدعو إلى وقف تقديم برنامج مع إسلام عام 2015، وفي 29 أكتوبر 2017 حكمت محكمة إدارية بحظر هذا البرنامج سواء على التلفزيون أو على الإنترنت بزعم الإساءة للإسلام، بعد أن قدم الأزهر نفسه شكوى رسمية ضده. لقد اختار رجال الدين مواجهة الفكر بالسجن بدل مواجهته بالفكر، وبما يدل على أنهم غير جاهزين بعد لأي تجديد في الفكر الديني.  

وفي تطبيق آخر سيء لقانون ازدراء الأديان فقد تم الحكم في شباط 2016 على ثلاثة فتية أقباط أعمارهم 17 سنة بالسجن خمس سنوات مع النفاذ وصديقهم الرابع عمره 15 سنة بالإيداع بمؤسسة عقابية بتهمة ازدراء الدين الإسلامي نتيجة العثور في الهاتف المحمول لأحد مدرّسيهم على تسجيل لمشهد طوله 30 ثانية مصوّر في بداية عام 2014 يظهر فيه أحدهم وهو يصلي صلاة إسلامية والثاني يأتي من خلفه ويقوم بحركة وكأنه يذبحه بيده وبقية الفتية يضحكون، وقد قال الفتية في إفادتهم في قسم الشرطة أن ما يقصدونه في هذا المقطع هو تنظيم داعش، ولم يشفع لهم صغر سنّهم ولا تفوقهم الدراسي أو المستقبل الذي ينتظرهم، فقد عاقبهم القاضي بأقصى حكم يستطيع إصداره في أمثال هذه القضايا وهو خمس سنوات سجن مع النفاذ، وكان الأطفال قد قضوا قبلها 45 يوما موقوفين على ذمة التحقيق حتى تم إطلاق سراحهم بكفالة لحين استكمال محاكمتهم، ومع هذا المناخ المتطرف المحيط بمحاكمتهم لم يبق أمام الأطفال من خيار سوى الهرب، وقد نجحوا بالوصول إلى تركيا، وبمساعدة من منظمات حقوق الإنسان حصلوا على لجوء إنساني في سويسرا في أيلول 2016، وصرح أحدهم عند وصوله إلى هناك: أشعر أن لدي فرصة لحياة أفضل مما كنت عليه في مصر، كما أنه قد حكم على المدرس الذي وجد التسجيل في هاتفه بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ والغرامة وتهجيره مع عائلته من القرية بلا عودة، بعد وصول الأطفال لسويسرا تذكّر الإعلام المصري أن العالم قد يستخدم هذه القضية للحملة على مصر واتهامها بالتمييز ضد الأقباط، رغم أن الإعلام يعرف تماما أنه كان بالإمكان احتواء هذه الحادثة من بدايتها، لكن كل المستويات التي مرت عليها هذه القضية كانت تصر على التشدد فيها من ضابط المباحث الذي كتب أول محضر في القرية، إلى النيابة العامة إلى القاضي الذي أصدر أقسى حكم ممكن، إلى رئاسة الجمهورية المصرية التي لم تتدخل لوضع حد لهذه القصة، رغم الانطباع الذي ستتركه داخليا وعالميا حول المناخ غير المتسامح في مصر هذه الأيام. 

ومن القضايا الأخرى الكاتبة والشاعرة والصحفية فاطمة ناعوت والتي حكم عليها بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ ودفع الغرامة 20 ألف جنيه لكتابتها على الفيس بوك انتقادا على طريقة عرض أضاحي العيد بعد تأثّرها عندما شاهدت عملية ذبح لجمل، كما تم قبلها رفع دعوى على مقدم البرامج الشهير الدكتور باسم يوسف والذي أحيل إلى نيابة أمن الدولة العليا بتهمة ازدراء الأديان ودفع 15 ألف جنيه كفالة لإخلاء سبيله مما دفعه أيضا لمغادرة مصر، وقبلها التحقيق مع المخرجة إيناس الدغيدي حول حلم شاهدت نفسها فيه تكلم الله، وكذلك الشيخ محمد عبد الله نصر الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة ازدراء الأديان لتشكيكه ببعض أحاديث البخاري، وهناك قائمة طويلة من القضايا ضمت الفنان عادل إمام والإعلامي إبراهيم عيسى والمطرب شعبان عبد الرحيم والمطرب حكيم ورجل الأعمال نجيب ساويرس وعشرات غيرهم. فما يحدث في مصر الآن أن قضاة ومحامين ورجال دين يجتمعون في جلسات مطوّلة يقومون فيها بالتنقيب في تفسير أحلام إيناس الدغيدي وتدوينات فاطمة ناعوت وطريقة إخراج فيديو كليب للمطرب حكيم والأزياء التي ارتداها عادل إمام في أحد أدواره، والبحث فيهم عن أي سبب لإحالتهم للقضاء وإهدار طاقتهم ووقتهم وأموال الدولة في استجوابات على طريقة محاكم التفتيش الأوروبية في العصور الوسطى يلعبون هم فيها دور المدافعين عن الله. 

يعتبر قسم كبير من الرأي العام والوسط الثقافي المصري أن قانون تجريم ازدراء الأديان قد أسيء استخدامه وأصبح وسيلة لقمع الآراء والتقييد على حرية التعبير، وكما قالت المبادرة المصرية للحقوق والحريات فإن هذا يدل على "وجود حالة من التربّص بحرية الرأي من قبل مجموعة من الأفراد والمؤسسات تريد فرض وصايتها على المواطنين في ظل مناخ معاد للحريات"، وقد قدمت النائبة آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بفرع جامعة الأزهر اقتراحا بإلغاء المادة 98 فقرة (و) من قانون العقوبات المصري نتيجة صيغتها المطاطة والتي أسيء استخدامها كثيرا خلال السنوات السابقة، وفي الانعقاد الأول للبرلمان وقفت الحكومة ضد هذا الاقتراح وحذرت من تمريره وهي السلطة التنفيذية التي تقول إنها تريد تجديد الخطاب الديني، وفي الانعقاد الثاني صوتت اللجنة التشريعية في البرلمان ضد هذا الاقتراح بأغلبية 20 صوتا ضد ثلاثة نواب فقط أيدوه وامتناع نائب واحد عن التصويت، حتى أن النائب كمال عامر قد اقترح مشروع قانون معاكس يهدف إلى تشديد عقوبة ازدراء الأديان لتحقيق الردع العام حسب قوله، وقد وافقت لجنة اقتراحات البرلمان على مشروع القانون هذا، مما يعطي فكرة عن مناخ التشدد والمزاودة الذي تعيشه مصر هذه الأيام.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.