مواطنون باكستانيون يقفون خارج سينما في إسلام آباد
مواطنون باكستانيون يقفون خارج سينما في إسلام آباد

بقلم كوليت بهنا/

لم يستثن الإرهاب دولة إلا وأوجعها في الصميم، وأعادت آخر ضرباته التي استهدفت مدينة العريش المصرية الجمعة الفائتة إشعال نار الغضب في النفوس المصرية وغير المصرية، وجددت الدعوات على كل الأصعدة الرسمية والشعبية للبحث عن سبل الخلاص من هذا السرطان الجهنمي، ومن بينها دعوات لتعزيز دور الفنون والثقافة في مواجهة الفكر المتطرف. في الوقت الذي لم تتوقف فيه حقيقة الدراما التلفزيونية المصرية والسورية والخليجية وكذلك السينما المصرية منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي تقريبا عن الانتاج الوفير لأعمال عالجت موضوع الإرهاب، ينبغي السؤال لماذا كان الاعتماد الأكبر على شعبية الدراما التلفزيونية أكثر مما لعبته من أدوار باقي الفنون الأخرى أو الإنتاجات الثقافية والأدبية كالرواية والقصة وغيرها.

في استرجاع سريع لمجمل هذه الأعمال لابد من التساؤل ما إن كانت كل هذه الأعمال ساهمت حقا أو خففت من الفكر الإرهابي، إذ من البدهي أن فكرا مغلقا كهذا لا يتأثر برواية أو مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي، بل على العكس، بات أهل الثقافة ضمن قائمة المستهدفين من الإرهاب، وهم أساسا مستهدفون في عمق هذا الفكر كمارقين وكفرة ويحل قتلهم حسب الضرورة. تأثير هذه الأعمال التي أنتجت ربما طال الجمهور المستهدف من الإرهابيين، أي جمهور الضحايا، وتعزيتهم دراميا، حيث يعاد تمثيل الحادثة الإرهابية بذاتها أو تخيل سيناريو إرهابي آخر يستدر الكثير من الغضب والدموع والأحزان. فيما يتسلى الإرهابيون بمتابعة هذه الأعمال، وربما يشعرون بالنشوة لنجاحهم وهم يشاهدون ما حققوه من قصاص عادل في الأرض.

تعميم صورة الإرهابي كفقير أو غبي وجاهل ليس دقيقا بالمطلق، وبعض الجدد فيهم عصريو المظهر وحليقو الذقن ويرتدون بنطال الجينز. منخرطون في علوم عليا وخاصة في التكنولوجيا، ويتم اختيارهم بعناية شديدة كما رأينا في المجموعة التي نفذت اعتداءات 11 سبتمبر، والتي قيل أن ألعاب كومبيوتر وأفلام عنف و أكشن أميركية عن طائرات تخترق الأبنية ألهمتهم، وبدا وكأن سيناريوهات الأعمال الفنية هي التي تستنسخ وتنفذ من قبلهم على أجساد حقيقية، تسيل منها دماء ساخنة حقيقية، وليست دماء سينمائية اصطناعية.

ما تقدم يتلخص بنقطتين أن الأعمال الفنية التي تتمحور حول الإرهاب عديمة التأثير بأصحاب الشأن، والنقطة الأخرى أن بعض الأفكار الفنية، وخاصة في السينما العالمية قد تكون ملهما للإرهابيين، وعليه فإن تعزيز دور الفن والثقافة اليوم في مواجهة الفكر المتطرف ضروري بالتأكيد، على أن يبنى برؤية فنية وثقافية تنويرية جديدة غير مؤدلجة، ولا تخضع لأجندات مشكوك بأمرها. أعمال تتحدث عن ثقافة الحياة لا ثقافة الموت، تبرز تجليات الجمال لا ملامح القباحة، تؤكد أهمية العلم والنظر بشغف إلى المستقبل، والتخفيف من إبراز أهمية التاريخ على حساب الحاضر، فالفكر الإرهابي أساسا يستلهم التاريخ ويريد استعادة كل ما فيه شكلا ومضمونا. إضافة إلى إنتاج أكبر لأعمال تعزز مفهوم الآخر وتنبذ العنصرية وتعزز قيم المدنية والحرية والسلام والعدالة والمواطنة والتعايش السلمي في المجتمعات، أعمال تخفف من كمّ الدماء التي تسيل منها وتغرق صالات العرض وتترافق مع موسيقى أزيز الرصاص وسمفونيات ماكينات القتل والجثث المرمية بلا أية قيمة إنسانية في كامل المشهد.

هذه الرؤية قد تنجح على المدى الطويل، فالجمال كان دوما منتصرا في مواجهة القبح، ويصيب الظلاميين وأهدافهم في مقتل، ولتكن معركة الثقافة والفنون بالانحياز للحياة وجمالياتها، ولنا في أعمال عالمية تركت عظيم الأثر خير الأمثلة، كأفلام (شاوشانك) و(حياة باي) و(غود باي لينين) و(راقص مع الذئاب)، أو في الدراما العربية مثل (ليالي الحلمية) و( حارة اليهود) و(خان الحرير) كغيض من فيض جمال فكري لا ينضب مع مرور الزمن.

--------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.