صورة لمدينة القدس
صورة لمدينة القدس

بقلم حسين عبد الحسين/

فنّدت حرب العراق مقولات عربية عديدة، كان في طليعتها أن شقاء العرب سببه الإمبريالية والنفوذ الأجنبي في بلدانهم. وصلت القوة الأميركية العظمى العراق، بعدتها وعديدها، بجنودها وأموالها ونفوذها الديبلوماسي. أطاحت أميركا بطاغية قاربت دمويته الجنون. دعت العراقيين إلى انتخاب حكومة تمثلهم. استخدمت نفوذها لإسقاط ديون العراق المتراكمة عالميا.

بدلا من أن يقتنص العراقيون فرصة العمر، وأن يعفوا عما مضى، وأن يتصالحوا مع أنفسهم ومع دول جوارهم، وأن يبنوا عراقا قائما على "الحياة والحرية والسعي الى السعادة"، استغل العراقيون الفرصة الأميركية لإظهار أبشع ما في النفس البشرية. سارعوا إلى الثأر من بعضهم البعض. سلموا أمرهم لمرجعية دينية تستقي علمها عن الحكومات من كتب القرون الوسطى. ثم بنى العراقيون عراقا لبعض مواطنيه من دون بعضهم الآخر، وراحوا يتصارعون على حكمه ونهب ثرواته.

لم يمض الكثير من الوقت حتى كانت صور الخميني، الذي تسبب بمقتل مئات آلاف العراقيين في الثمانينيات، والخامنئي، الذي ما يزال يتسبب بموت آلاف العراقيين اليوم، ترتفع في شوارع بعض المدن العراقية. لم يمض الكثير من الوقت حتى راح سياسيو العراق من الشيعة يتنافسون في تطرفهم، وعادوا إلى عادات شتم دول الجوار، مثل شتمهم السعودية، التي كان صدام حسين يعشق شتمها وحكامها. وعاد العراقيون إلى القسم بـ "تحرير القدس"، ويكادون يرمون صواريخ سكود على إسرائيل، تماما كما فعل صدام من قبلهم، وكأن صدام حسين لم يكن استثناء بين العراقيين، بل كان نتيجة ثقافتهم وموروثهم السياسي والاجتماعي.

ليست فلسطين نكبة العرب، بل تخلُّف العرب عن استيعاب فكر الحداثة، الذي نص على المساواة بين المواطنين، وحقهم في الحياة، وفي اختيار حكوماتهم ومحاسبتها، هو النكبة. لم ينتشر فكر الإسلام السياسي من كابول إلى طرابلس الغرب إلا بسبب الفراغ الذي تسببت به ضحالة مثقفي العرب والفرس والأفغان والباكستانيين. هي ضحالة سمحت لأساتذة التعليم، من ميشال عفلق إلى حسن البنا وعبدالله عزام، بملء الفراغ الفكري العربي والإسلامي بشعوذات وفكر متخلّف مبني على شعارات وعواطف، وصراخ في الشوارع، وإحراق أعلام، والمطالبة بسيادة يعتقد العرب أنها مسلوبة.

لكن ما جدوى سيادة العرب على القدس إن كانت نماذج الحكم التي يقدمونها على طراز الحكومات الفاشلة التي تحكمهم في بغداد وبيروت ودمشق؟

كان المفكر اللبناني السوري الراحل سمير قصير، الذي اغتيل في بيروت صيف 2005، من ألمع مثقفي النخبة العربية. كتب قصير عن ضرورة إصلاح الذات العربية، والخروج من الشقاء، وإنهاء حكم الطغاة.

كان قصير يحلم بانتفاضات شعبية عربية لا تكون على شاكلة الغوغائية التي تدعو لها الحكومات والحركات الإسلامية اليوم. كان يحلم بـ "انتفاضة في الانتفاضة"، أي انتفاضة العرب ضد حكامهم وثقافتهم ورجعيتهم. انتفاضة ضد الاستبداد وضد طبائع الاستبداد، التي تؤدي إلى استبدال مستبد بآخر، على الرغم من الثورات الشعبية المتكررة.

كان قصير واضحا في رؤيته للحل الفلسطيني: الإسراع في تطبيق حل الدولتين. كتب قصير يوما أنه إذا كان العرب يعتقدون أن إسرائيل هي سبب شقائهم، عليهم اقتطاع الأرض الإسرائيلية عن العربية، كما يبتر المريض عضوا من اعضائه ليشفى.

أراد سمير قصير الانتقال من عبثية "تحرير الأرض" العربية إلى ضرورة "تحرير العقول" العربية.

قتلوا سميرا لكنهم لم يقتلوا فكره المستنير، وهنا نكرر دعوته. في هذا الزمن، صار للإنسان قيمة أكبر بكثير من أرضه. العقول العربية تبدع خارج بلدانها أكثر مما تبدع داخلها، وفي هذه المفارقة دليل أن شقاء العرب ليس مرتبطا بتحرير أرضهم، بل هو شقاء سببه عدم تحرير عقولهم.

الصراعات تقضي على الإبداع. آن الأوان للعرب أن يدركوا أن نكبتهم هي في عقولهم، وأن ما يعتقدون أنه بطولة وشرف ودفاع عن الأرض، هو في الواقع غوغائية يدفعهم إليها طغاتهم لتشتيت انتباههم عن فساد حكوماتهم، ولإبقاء الوضع على ما هو عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.