العاصمة السعودية الرياض
العاصمة السعودية الرياض

عند سؤال المثقفين المصريين عن سبب موجة التشدد الديني التي عانى منها المجتمع المصري خلال العقود الماضية، سيجيب أغلبهم أن السبب هو هيمنة الفكر البدوي الصحراوي على المؤسسات والمراكز الإسلامية في مصر بفضل عائدات البترودولار التي موّلت انتشار هذا الفكر حسب رأيهم. ويرى بعضهم أن العوامل المناخية في الجزيرة العربية كان لها الدور الرئيسي في تكوين هذا الفكر بالأساس. يقول الباحث والمفكر المصري سيد القمني: "وعلى مستوى العقائد، فإن الطبيعة المتصحرة الضنينة بأشكال الحياة وألوانها - تلك الألوان التي تتعدد تعددا هائلا في مناطق الخصب النهري- جعلت الإنسان في بداوته أحادي النظرة وأحادي الاعتقاد والنظام"، أي أن الطبيعة القاسية كونت هذا الفكر المتطرف، والذي نجحوا في نقله إلى مصر وأدّى إلى كل ما شاهدته مصر من ميل التنظيمات الإسلامية للتشدد والتطرف ولجوء بعضها للإرهاب وقتل الأبرياء في جرائم بالغة الوحشية.

كنتيجة لهذا التحليل تبنّى نسبة لابأس فيها من المثقفين المصريين خطّا معاديا لدول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية، وذهب بعضهم إلى حد التعاطف مع أي طرف يقف ضدّها، منهم من ذهب إلى إيران ومنهم من ذهب إلى العراق ودافع عن الحشد الشعبي والتقط الصور التذكارية مع عناصره، ومنهم من شارك في نشاطات وفعاليات حزب الله اللبناني، ولم ير هؤلاء المثقفون في الطبيعة الدينية الطائفية للنظام الإيراني والتنظيمات المرتبطة به ما يدل على التشدد الديني!، ومنهم من ذهب إلى بشار الأسد وتضامن معه رغم كل جرائمه. من اللافت أن هذه الأوساط الفنية والثقافية غير بعيدة عن الطبقة السياسية المحيطة بالسلطة في مصر. 

لكن استعراضا سريعا لأحداث 2017 في السعودية ومصر يؤدي لنتيجة لا تتماشى مع ما يردده هؤلاء المثقفون. كان الإجراء السعودي الذي حاز على اهتمام العالم هو قرار الملك سلمان في 26 سبتمبر- أيلول 2017 بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، ورغم أن القرار يعتبر متأخرا فقد أكدت إدارة المرور أنه لن يكون هناك أي تمييز برخص القيادة وبإمكان النساء قيادة حتى الدراجات النارية والشاحنات، كما أقيمت عدة حفلات موسيقية في جدة والرياض مع فرقة موسيقية فيها عازفات لم يغطين شعورهن، وكانت النساء السعوديات في مقدمة من حضروا هذه الحفلات، ضمن سلسلة من الفعاليات الفنية والثقافية أقيمت في عام 2017 شملت كامل السعودية، كما تم الإعلان عن منطقة سياحية جديدة على طول 200 كلم من شاطئ البحر الأحمر، وحسب أسوشييتدبرس، هذه المنطقة السياحية لا يوجد فيها حجاب أو قيود على الملابس أو فصل بين الرجال والنساء وستخضع لقوانين تتماشى مع الاعتبارات الدولية. وفي إجراء آخر أصبح بإمكان الفتيات السعوديات حضور المباريات الرياضية، وفي نفس العام 2017 تم الترخيص لإعادة فتح دور السينما المغطاة والمكشوفة في المملكة العربية السعودية بعد أربعين سنة من حظرها. 

 والأهم من كل ذلك ما يدور على صفحات التواصل الاجتماعي من نقاشات عامة بين الفتيات والشباب في السعودية، والتي أطلق في أحدها الناشط السعودي خالد الفيفي دعوة للمشاركة في هاشتاغ "الحجاب عفاف وستر للمرأة وذلك ردا على الحملة الشرسة التي تشن على الحجاب ودعوات التغريب" حسب وصفه. إطلاق الحملة بحد ذاته يعتبر مؤشرا على ما يدور ضمن السعودية من حوارات تتناول الكثير من القضايا بما فيها موضوع حسّاس كالحجاب، كما أن عدد المشاركات الذي تجاوز 83 ألف تغريدة في أول 24 ساعة فقط يعتبر مؤشرا آخر على اتساع ساحة النقاش حول الحجاب في السعودية، والأهم من ذلك محتوى هذه المشاركات والنسبة الكبيرة التي اعتبرت أن العفة لا علاقة لها باللباس والحجاب، كما تم تعيين أول امرأة في السعودية كعميدة لجامعة في نفس العام، وفي 13 ديسمبر 2017 صرح وزير الخارجية الأميركي تيلرسون على هامش منتدى المركز الأطلسي في واشنطن أن السعوديين أصدروا مواد جديدة للمناهج الدراسية وسحبوا مواد أخرى بإشراف مركز مكافحة التطرف الذي يعمل على تطوير ونشر محتويات مناهضة للفكر المتشدد، وهناك موضوع سبق كل هذه القضايا وهو حملة اعتقالات تناولت بعض رجال الدين السعوديين الأوسع شهرة ونفوذا منهم الشيخ سلمان العودة والداعية عوض القرني، وقبله تمّ تقليص وظيفة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يمنعها من إيقاف أشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردة أحد أو طلب وثائقه، مما يعني عمليا أكثر من مجرّد تقليص صلاحياتها. هذا ما حصل في السعودية عام 2017 فماذا حصل في مصر؟

بعد سجن الباحث إسلام بحيري لمدة سنة بتهمة ازدراء الدين الإسلامي خرج رئيس جامعة الأزهر الدكتور أحمد حسني عبر فضائية القاهرة والناس في 4 مايو-أيار 2017 بتصريح وصف فيه إسلام البحيري بأنه مرتد لأنه ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة لتحريضه على الأئمة الأربعة، كما اعتبره أخطر من داعش، وبالمناسبة فإن الأزهر إلى اليوم يرفض تكفير داعش. مكانة ومنصب الدكتور أحمد حسني كرئيس لجامعة الأزهر تعطي فكرة عن طبيعة التفكير المتزمت السائد في هذه المؤسسة، وإقالته بعد هذا التصريح لم تفلح في تغيير هذا الانطباع، كما أن استطلاع رأي عدد من طلاب الأزهر حول حكم السجن بحق إسلام بحيري أظهر تأييد أغلبية كبيرة منهم لهذه العقوبة وبعضهم طالب بعقوبة أشد وهذا مؤشر آخر على الأجواء السائدة في مؤسسة الأزهر. في نفس الشهر تمسك وكيل وزارة الأوقاف الدكتور سالم عبد الجليل بتصريحاته السابقة التي قال فيها إن المسيحيين عقيدتهم فاسدة وأنهم كفرة ومصيرهم جهنم، وتابع قوله "لن أعتذر عن ما قلت، هذا اعتقادي أقاتل عنه ما حييت". وقد أقيل الدكتور عبد الجليل من منصبه، وكانت الذرائع التي اعترض على أساسها بعض رجال الدين على تصريحاته هي أن هذا الكلام في هذا التوقيت التي تشهد فيه مصر هذه الموجة من الأعمال الإرهابية غير مناسب لطرح مثل هذه المواضيع! ولم يكن اعتراضا على مضمون كلامه، بينما أصدرت الدعوة السلفية في مصر في 17 مايو-أيار 2017 بيانا أيدت فيه الشيخ سالم عبد الجليل وأعلنت أنها تساند وتدعم موقفه بتكفير الأقباط، وفي برنامج آخر للإعلامية بسمة وهبة في شهر نوفمبر-تشرين ثاني 2017 قال الشيخ عبد الله رشدي الباحث في مجمع البحوث الإسلامية وهو ضيف دائم في البرامج الحوارية بأن الأقباط كفار، يتجاهل رجال دين بارزون في مصر اليوم الآيات التي تدعو للتسامح والوحدة "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" سورة العنكبوت 46، بل يبحثون عن ما يبث الفرقة والكراهية. وفي عام 2017 كان هناك العديد من القضايا أمام المحاكم في مصر بتهمة ازدراء الأديان، كذلك هناك عدد آخر من القضايا بحق بعض الإعلاميات والفنانات بسبب مقابلات أجرينها أو فيديو كليب ظهرن فيه أو نوعية الملابس التي ارتدينها أو كلمة قيلت على الهواء آخرها كان الحكم على مطربة صغيرة السن بالسجن سنتين بتهمة التحريض على الفجور لما قالت النيابة أنه إيحاءات جنسية في أغنية صوّرتها. 

يقوم بعض رجال الدين في مصر اليوم بوظيفة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية بعد تجميد عملها هناك، كما أن نفوذ رجال الدين في مصر وخاصة مؤسسة الأزهر بلغ اليوم درجة من القوة لم يسبق لها مثيل، بالإمكان انتقاد كل المسؤولين بما فيهم رئيس الجمهورية نفسه، لكن لا يمكن الاقتراب من شيخ الأزهر، وهناك من يراه صاحب تأثير أكبر من الرئيس، وخصوصا مع رفضه لدعوات الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الديني، حتى في قضية بسيطة مثل بطلان الطلاق الشفوي، وقد أثار النائب محمد أبو حامد جدلا برلمانيا عندما اقترح أن تكون فترة ولاية شيخ الأزهر ثماني سنوات تجدد بانتخابات لمرة واحدة فقط، فقد رفضته لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان مؤكّدة أن شيخ الأزهر محصّن بموجب الدستور ولا يمكن القبول بالمساس به أو التدخل في شؤون اختياره. وقال النائب محمد شعبان عضو هذه اللجنة إن شيخ الأزهر شأنه شأن البابا فهو من ضمن الثوابت والاقتراب منه مرفوض. خلال تاريخ مصر الحديث لم يكن أغلب الناس يعرفون اسم شيخ الأزهر، بينما اليوم يراه المصريون في أغلب نشرات الأخبار ويسمعون رأيه في القضايا الدينية والدنيوية، كما أن له علاقاته الإقليمية والدولية الخاصة خارج القنوات الرسمية للدولة، وهناك من وصف وضع الأزهر بأنه دولة داخل الدولة. 

التشدد الذي نراه في مصر والانفتاح الذي تشهده السعودية ليس مقتصرا على الإجراءات الحكومية وزيادة دور رجال الدين هنا وتراجعه هناك، بل إن المزاج الشعبي في دول الخليج والسعودية يشهد انفتاحا واضحا يمكن تلمّسه يوميا في المناحي السياسية والثقافية والدينية، بينما يشهد المزاج الشعبي المصري تزمّتا وتشنّجا في كل هذه القضايا، وإن إلقاء الإعلام المصري اللوم على أطراف خارجية عند وقوع أي حادثة كما جرت العادة، واعتبار التشدد قد أتى من السعودية والإرهاب أتى من غزة وليبيا ربما يعيق معرفة الأسباب الحقيقية للتطرف ومحاولة إيجاد العلاج الحقيقي لها، وإذا استمرت الأمور على هذا المعدل فلن نستغرب بعد بضع سنوات إذا اشتكى السعوديون من محاولات تغلغل للفكر الأزهري المتشدد إلى السعودية على حساب الإسلام الوسطي السعودي المعتدل. 

 ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

يوسي كلاين هاليفي
صورة يوسي كلاين هاليفي من حسابه على موقع فيسبوك | Source: Facebook

عزيزي يوسي، تحية وبعد، 

وقعت على كتابك المعنون "رسائل إلى جاري الفلسطيني"، ولم أضعه جانبا إلى أن قرأته كاملا. ثم طالعت صفحتك على موقع فيسبوك، ورأيت أن عربا كثيرين راسلوك، بعضهم بادلك الود والسعي للسلام، وبعضهم الآخر حذّر من الطيبة التي تظهرها قائلا إنها أسلوب صهيوني مخادع معروف يهدف لاختراق دنيا العرب استخباراتيا، من ناحية، ومن أجل التطبيع، من ناحية ثانية، وكأن التطبيع من ضروب الكفر بالدين.

اسمح لي أولا أن أتقدم لك بالتهنئة على أسلوبك الكتابي الشيّق، الذي يعكس صدقا وسعيا لكلمة سواء، وهو ما لمسته في عبارات تتجاوز في جرأتها ما سبق أن قرأته من اليمين الإسرائيلي، مثل في قولك "إننا نُقر كإسرائيليين بأننا قد تجاهلنا (الفلسطينيين) لسنوات طويلة، وعاملناهم وكأننا لا نراهم"، وفي حديثك عن "مظاهر الظلم التي رافقت وجود الاحتلال"، وفي اعتبارك أن مسؤولية الوصول إلى طريق مسدود للسلام "لا تقع على عاتق الجانب الفلسطيني وحده، فالجانب الإسرائيلي يتحمل جزءا كبيرا من هذه المسؤولية أيضا"، بما في ذلك مواصلة "بناء المستوطنات في الوقت الذي كانت تجري فيه مباحثات أوسلو"، ولم يسبق أن قرأت نصا فلسطينيا يتحمل أي جزء من مسؤولية الشقاء الفلسطيني، إذ من وجهة النظر العربية، إسرائيل هي المشكلة ـ أولها، وأوسطها، وآخرها. أما العرب، فمظلومون دائما، وهو ما يمنع عنهم الملامة.

اسمح لي ثانيا أن أخبرك أني لست فلسطينيا، بل عراقيا لبنانيا. ومع أني أرى أن السلام مع إسرائيل شأن الفلسطينيين وحدهم، لا يمكنني إلا أن أدلي بدلوي حول صراع اختارني ولم أختره.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين

في أولى سني نشأتي، لم أكن أسمع بفلسطين. في بغداد، كنا نشتم في مدارسنا الخميني الدجّال. في بعلبك، كنا نرى العالم يتآمر على المسلمين الشيعة بإخفائه موسى الصدر. رئيس مصر الراحل جمال عبدالناصر كان سنيا، وكان له تمثالا في بعلبك، على مقربة من مخيم الجليل لللاجئين الفلسطينيين. تم تفجير التمثال. كان البعلبكيون يرددون أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، وأن العرب (السنة) حاربوا ببنادق فاسدة في 1948.

لم تكن فلسطين قضية شيعية إلى أن صارت إيران إسلامية، وصرنا نقرأ تصريحات الخميني على الجدران، مثل "لو أدلى كل منكم بدلو ماء على إسرائيل لأغرقتها المياه". وفي صباح ما، كنت في طريقي إلى الصف عندما سمعت هدير المقاتلات الإسرائيلية، ثم رحت أشاهدها، برعب، تدكّ مخيم الجليل القريب من مدرستي، ومعه موقع شرطة (سيّار الدرك). ثم تحولت الغارات الإسرائيلية على بعلبك عادة أسبوعية، غالبا أيام الأربعاء، وكانت تستهدف ثكنة الشيخ عبدالله وفندق الخوّام، حيث كانت مقرّات "الحرس الثوري الإيراني"، و"إذاعة صوت المستضعفين" في النبي شيت.

هكذا، وجدت نفسي وسط حرب لم أخترها. وفي سني الشباب والجامعة، صار عدائي لإسرائيل مفروغا منه. أصلا شتم إسرائيل يصبح أحيانا النافذة الوحيدة للتعبير عن الرأي في الدول العربية التي يصعب فيها التعبير عن أي رأي آخر. ثم تغيرت.

شكّلت قمة بيروت العربية 2002 منعطفا في تفكيري. كنت أحد الصحفيين المعتمدين، ورأيت كيف تكون فلسطين مطية للسياسيين العرب والفلسطينيين. ذاك العام، قدم عاهل السعودية الراحل عبدالله (وكان ما يزال وليا للعهد) مبادرته للسلام المعروفة، أي قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية مقابل سلام عربي شامل مع إسرائيل. بدت لي المبادرة معقولة. 

لكن في فندق فينيسيا الذي كانت تنعقد فيه جلسات القمة، بان لي النفاق، إذ فيما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يستعد للتوجه للقمة عبر الأقمار الاصطناعية، من المقاطعة في رام الله حيث كان محاصرا، أوعز الرئيس السوري بشار الأسد إلى نظيره اللبناني إميل لحود، رئيس الجلسة، بعدم السماح ببث كلمة عرفات. يمضي الأسد كل أيامه وهو يصرخ من أجل فلسطين، ثم عندما يهمّ الفلسطينيون لقول كلمتهم، يمنعهم الأسد. انسحب الوفد الفلسطيني، ولحقه رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري لاسترضائه وإعادته إلى الجلسة.

وفي كتابة نص المبادرة، أصرّ الأسد على إضافة فقرة تشترط عودة اللاجئين الفلسطينيين، لا إلى الدولة الفلسطينية، بل إلى إسرائيل نفسها. حتى الوفد الفلسطيني لم يطلب ذلك، لكن الأسد ونائب الرئيس العراقي عزّة الدوري أحرجا الفلسطينيين. لم تكن مبادرة السلام عن فلسطين، بل كانت وسيلة لزعماء عرب، كالأسد ولحود والدوري، لابتزاز الزعماء الآخرين.

في اليوم التالي، اصطحبت صحفيين أميركيين أرادوا لقاء لاجئين فلسطينيين في مخيم عين الحلوة، وهو أكثر بقعة تغرق في البؤس رأيتها في حياتي. بعد استعراضهم سندات ملكية ومفاتيح كبيرة على الطراز القديم، وبعد صراخ بعض الشعارات ثم إطفاء الكاميرات، جاءني فلسطيني متقدم في العمر. قلت له "ما القصة عمي؟". فأجابني "يا ابني، بنتي في ألمانيا، ربما يمكن لأصدقائك الأجانب مساعدتي في الانتقال للعيش معها". فاجأني الحاج الذي كان يصرخ للعودة للجليل ولكنه كان يسعى فعليا لحياة كريمة، حتى لو في ألمانيا. هنا تذكرت كتاب بنيامين نتانياهو (الذي لا تستهويني سياساته) "مكان تحت الشمس"، الذي لفت فيه إلى الخطاب المزدوج الذي كانت تمارسه السلطة الفلسطينية. بالإنكليزية تقول سلام وبالعربية تقول "عالقدس رايحين شهداء بالملايين". ومثل ذلك كان يفعل سياسيون إسرائيليون كثر.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام

تقول الحكمة اليونانية "اعرف نفسك"، وهي حكمة تنطبق على طرفي السلام المفقود، إذ على الإسرائيليين أن يحسموا علانية شكل السلام النهائي الذي يتصورونه، بعدل، لا وفق موازين القوى، وكذلك على الفلسطينيين أن يحسموا هدفهم، وأن يظهروا قدرة أكبر على حكم أنفسهم حتى تصبح نعمهم نعم ولاءهم لا، بدلا من أن يوافق عرفات على سلام فيما تمضي "حماس" في تفجير حافلات الركاب الإسرائيلية.

بعد سنوات كثيرة من قمة بيروت، كنت أشارك في "مفاوضات صف ثاني" في سويسرا. سألت أفرام سنيه عن إعلان إسرائيل بناء مستوطنات جديدة في وسط جولة مفاوضات مع الفلسطينيين، أجابني أن السبب سياسي داخلي. بدا لي أن المفاوضين الإسرائيليين يعتقدون أن إعلان بناء مستوطنات يخفف من النقمة شعبية ضد أي تنازلات قد يقدمونها للفلسطينيين.

المشكلة يا يوسي هي أنه عندما يتكلم أي من الطرفين عن السلام، فهما قلّما يتوجهان إلى بعضيهما البعض، بل يتوجه كل منهما إلى الداخل لديه، وهو ما يجعل السلام أداة سياسية، لا هدفا استراتيجيا.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام.