محمود عباس
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

بقلم د. نجاة السعيد/

إذا كان رب البيت بالدف ضاربا.. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص... هذا البيت حقيقة ينطبق على السلطة الفلسطينية بشقيها من حماس وفتح وكيف أن الصراع بينهما على السلطة والمال جعل من هذه القضية محض استغلال للجميع. فقد ذكر العديد من المحللين أن اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ما هو إلا تنفيذ لوعوده في حملته الانتخابية للمسيحيين الإنجليين واليهود اليمينيين. لكن من الممكن أيضا أن يكون ذلك الإعلان فرصة ذهبية لتنظيف البيت الفلسطيني من الداخل، وبالتالي تسقط أقنعة الانتهازيين ومن يلعب على الحبلين، مما سيساعد في نهاية المطاف على تسريع عملية السلام وحل هذا الصراع الذي طال أمده.

إن فساد السلطة الفلسطينية وعدم جديتها في حل هذه القضية جعل الغالبية يتاجر بها لمصلحته. وقد انكشف ذلك الاستغلال بشكل واضح بعد إعلان ترامب الذي كان بمثابة طلقة الرصاص بأن القدس عاصمة إسرائيل. فقد بدأ الكل يلتفت إلى الإسلاميين السياسيين الذين كانوا يملؤون الدنيا ضجيجا بشعاراتهم " كلنا فداء للأَقصى"، و"على القدس رايحين شهداء بالملايين‎"، لكن عندما صدر القرار لم ينفذ محور الممانعة بقيادة إيران أمثال حزب الله وحماس أي من وعوده وشعاراته.وهناك دول أخرى جعلت من استغلالها للقضية الفلسطينية أداة سخرية للجمهور العربي خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي كتركيا وقطر وهما دولتان معاديتان لإسرائيل في العلن ولهما علاقات ديبلوماسية ومصالح وراء الأبواب المغلقة. وأكثر من اتضح أن ليس له أي منفعة ويعيش منغلقا في عصر الخمسينيات هو الإعلام التقليدي الغربي والعربي الذي مازال يردد نفس شعارات الماضي بأن المشكلة فقط هي في الاحتلال الإسرائيلي، ولكنها لا تذكر أبدا فساد السلطة الفلسطينية التي هي أس البلاء. 

لا يمكن لأي أزمة أو قضية أن تحل بدون محاربة الفساد، فكيف بقضية معقدة مثل القضية الفلسطينية. قد يتساءل البعض لم التركيز في وسائل الإعلام الرئيسية سواء الغربية والعربية على حرق الإعلام ومظاهر الغضب ضد الاحتلال الإسرائيلي، في حين التكتم على فساد السلطة الفلسطينية وما تقوم به من نهب لخيرات هذا الشعب وتخويفه في حالة المواجهة.

فمن المستغرب أن لا نجد أيا من استطلاعات الرأي الفلسطينية التي تظهر الحقائق بطريقة مختلفة على وسائل الإعلام:

في استطلاع أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي العام (في بيت ساحور، الضفة الغربية) في يونيو 2015، ذكر 52% من الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس الشرقية التي تسيطر عليها إسرائيل أنهم يفضلون أن يكونوا مواطنين إسرائيليين متساوين في الحقوق، 42% فقط سيختارون أن يكونوا مواطنين لدولة فلسطينية.
 

المزيد من الفلسطينيين في القدس يسعون للحصول على الجنسية الإسرائيلية.
 

وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة ما بين 14 و 16 سبتمبر 2017، غالبية الفلسطينيين غير راضين عن أداء الرئيس محمود عباس.67%من الشعب يطالب باستقالته بينما 27% يريده أن يبقى في منصبه. ويصل الطلب على استقالة عباس إلى %60 في الضفة الغربية و %80 في قطاع غزة.
 

حسب استطلاعات الرأي، في حال إجراء انتخابات تشريعية:29% من الفلسطينيين سيصوتون لحماس36%سيصوتون لحركة فتح، 10% سيصوتون لجميع الأطراف الأخرى مجتمعة، و25% لم يقرروا بعد.
 

%38 فقط من الفلسطينيين الذين شملهم الاستطلاع في الضفة الغربية يمكن أن ينتقدوا السلطة الفلسطينية دون خوف من الانتقام. 59% ذكروا أنهم لا يستطيعون انتقاد السلطة الفلسطينية بحرية. رأى نصف الجمهور (%50) أن السلطة الفلسطينية عبء على الفلسطينيين. واعتبر 77% أن السلطة الفلسطينية فاسدة.
 

معظم قادة حماس، الذين يصورون أنفسهم كجهاديين ضد إسرائيل، هم من أصحاب الملايين. على سبيل المثال خالد مشعل تبلغ قيمة ثروته 2.6 مليار دولار وفقا للتقديرات العالمية، في حين أن المعلقين العرب قدروا ثروته بين 2 و 5 مليارات دولار، وأنه "استثمر ثروته في البنوك المصرية ودول الخليج وفي مشاريع عقارية ".ويأتي بعده في القائمة إسماعيل هنية، الذي "تقدر ثروته بمبلغ 4 ملايين دولار، ومعظم أصوله في قطاع غزة مسجلة باسم صهره نبيل، وعشرات من أطفاله وغيرهم من مسؤولي حماس الأقل شهرة. السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ليست أقل فسادا من القادة في غزة. وقد سرق عباس وغيره من قادة منظمة التحرير الفلسطينية ملايين الدولارات من التمويل الدولي المخصص للشعب الفلسطيني. وهذا خطأ أيضا من المانحين الدوليين الذين لا يحاسبون السلطة الفلسطينية عن الأموال التي تدفع للشعب الفلسطيني.

وكون أن صاحب الشأن بهذا الفساد مستغلا القضية لخدمة أطماعه، فلا يعد غريبا أن ميليشيات مثل حزب الله المسلحة تتاجر في القضية أيضا لمصلحتها. فبعد الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل تساءل اللبنانيون والعرب الآخرون عن سبب عدم قيام حزب الله بإرسال ميليشياته المسلحة للقتال في إسرائيل كما فعل في سوريا والعراق واليمين، فقد غرد الدكتور هادي الأمين، الباحث اللبناني في العلوم السياسية، "حلف الممانعة: صراخهم ضد إسرائيل وصواريخهم على العرب". 

وغرد أيضا الصحفي السعودي عضوان الأحمري: "جنود وصواريخ وانتحاريو #حزب_الله على حدود إسرائيل، ومع ذلك لم ينتصر للقدس بعد إعلان ترامب. انتصر للولي الفقيه فتوجه لسوريا وإبادة أهلها، حماية لمرقد!".

لم تكتف حماس وقادتها بنهب خيرات الشعب الفلسطيني فهم ناجحون أيضا في تحويل الحلفاء العرب ضد الفلسطينيين. فلم يكن غضبهم هذه المرة بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل بل كان تحديدا ضد المملكة العربية السعودية. فقد حرقت حماس وأتباعها العلم السعودي وأهانت الملك سلمان. وقد أثار ذلك غضب الشعب السعودي الذي اعتبر ردة الفعل هذه نكرانا للجميل من الفلسطينيين الذين لا يقدرون مليارات الدولارات التي صرفت على قضيتهم.

وقد وضح سلمان الأنصاري رئيس مجلس العلاقات السعودية الأميركية، في تغريدة عما تقوم به السعودية في دعم القيادة الفلسطينية: "لكل من يزايد على #السعودية بخصوص #فلسطين عليه أن يعلم هذه الحقيقة؛ وهي جزء صغير مما تقدمه المملكة: (رواتب الدبلوماسيين الفلسطينيين حول العالم تأتي من الرياض؛ وهي أعلى بنسبة30%من رواتب الدبلوماسيين السعوديين) فماذا قدمت الدوحة وأنقرة إلا الشعارات الزائفة والطعنات في ظهر #القدس؟"

إن أكثر ما يدهش عددا كبيرا من السعوديين إزاء موقف الفلسطينيين خاصة حماس وأتباعها، أنهم يدعمون قطر وتركيا، الدول التي لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في حين يعادون السعودية المقاطعة لإسرائيل وهذا ما جعل الكثير من السعوديين يشككون في جدية الفلسطينيين تجاه قضيتهم. 

فلا أحد أصبح مادة للسخرية بعد هذا الاعتراف أكثر من رئيس تركيا رجب طيب أردوغان، الذي ذكر في تغريدة مهددا لواشنطن: "سنحرك العالم الإسلامي برمته". فكيف يمكن للشعوب العربية أن تصدق تغريداته، عندما يرون أنه بعد يوم من انفجاراته على تويتر، وقعت تركيا وسط الاضطرابات السياسية صفقة بقيمة 18.6 مليون يورو مع إسرائيل.

كما تبادل العرب صور احتفالات اليوم الثقافي التركي في تل أبيب والقدس. ورد العديد من المثقفين السعوديين لخطاب أردوغان ضد إسرائيل بالقول: "العالم الإسلامي برمته يعرف أنك تدغدغ مشاعرهم. العالم الإسلامي يريد منك قطع العلاقات الدبلوماسية وإيقاف التعاون العسكري مع إسرائيل إن كنت صادقا".

قطر أيضا ليست أقل تلاعبا بالقضية الفلسطينية من الأتراك، ولكن مع التركيز بشكل أكبر على مهاجمة المملكة العربية السعودية. ويبدو أن قطر، من خلال منفذها الإعلامي الجزيرة، تريد الآن تحريض العالم الإسلامي على إحراج المملكة العربية السعودية بسبب علاقتها مع إدارة ترامب. فظاهريا يبدو أن قطر مستميتة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ولكن هدفها الحقيقي هو الضغط على السعودية لإنهاء علاقتها مع الإدارة الأميركية، فلن تتوقف قطر أبدا عن الحلم بإقالة ترامب. يعتقد حكام قطر أن رئيسا ديمقراطيا مثل أوباما سيؤيد قطر مرة أخرى في مشروع الإخوان المسلمين الذي أغلقه تماما ترامب. فقد غرد محمد كريشان مذيع على قناة الجزيرة: "القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين أهداها #ترامب للإسرائيليين عاصمة لهم بعد أن قبض المليارات من بلاد الحرمين!!". ورد عليه أحمد الفراج أكاديمي وباحث سعودي، "إذا خرجت ياكريشان من مبنى قناتك الاستخباراتية #الجزيرة ذاهبا لمنزلك في الدوحة ستشاهد على يمينك مبنى ممثلية إسرائيل على بعد 600 متر من منزلك: هم حبايبكم، اذهب إليهم وسيخبرونك عن دورك أنت وقناتك ومن يستضيفك في الخيانات والتآمر الذي دمر العالم العربي، وسيخبرونك من هو الذي باع القدس".

وتبادل الكثير من السعوديين مقابلات حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني وزير خارجية قطر السابق، وحمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق، حول دعم إسرائيل، لكشف نقاقهما للشعوب العربية. وفي مقابلة مع حمد بن جاسم على القناة القطرية في 25 أكتوبر 2017، ذكر أن العلاقات القطرية الإسرائيلية الوثيقة لكي تتمكن إسرائيل من فتح أبوابها أمام قطر في أميركا.

لا تترك قطر أي فرصة إلا وتستغلها في مهاجمة السعودية حتى عن طريق شراء منشقين سعوديين، ولن تجد أفضل من هذا الاعتراف تستغله لمصالحها السياسية. مثلا جمال خاشقجي وهو الآن أحد المعارضين السعوديين البارزين بعد أن تقلد عدة مناصب في السعودية كمستشار إعلامي ورئيس تحرير عدة صحف سعودية، الآن وبدعم من قطر، يهاجم السعودية في مختلف الصحف الأميركية والأوروبية.

فقد غرد خاشقجي: "أشعروا بالغضب، اصرخوا به ولو بين أهلكم وداخل بيوتكم الخائفة، إنها #القدس. حسبنا الله ونعم الوكيل، أشعر بضيق شديد". 

فقد عرف السعوديون أن نيته الحقيقية لم تكن للدفاع عن القدس أو الفلسطينيين، وإنما لحشد الناس في شوارع المملكة العربية السعودية للانقلاب ضد حكومتهم. وهذا ما جعل الكثير يسخر منه ولم يؤخذ على محمل الجد. فقد غرد هاني الظاهري، صحفي سعودي، ردا على تغريدته مع صورة لخاشقجي وهو يحتفل بعيد الشكر في الولايات المتحدة مع زجاجات من النبيذ على الطاولة: " المناضل #كسير_القلم جمال خاشقجي يشعر بضيق شديد ... خذ لك كأس وروق يا أبو صلاح .. إنتا مش إنتا وإنتا زعلان".

الحقيقة التي يجب إدراكها أن كون هذه القضية استمرت لمدة 70 عاما يدل على أن هناك خطأ يمارس، وأهم سبب لطيلة أمد هذه القضية هي فساد السلطة الفلسطينية التي يمكن أن يكون اعترافا بهذا القبيل حافزا لإصلاحها أو تغييرها كاملة. فلو كانت القيادة صالحة لما ظهر كل هؤلاء الانتهازيين والمتاجرين بالقضية. ولو أراد العرب فعلا حل القضية عليهم أن يغيروا مسار الإعلام العربي الذي دائما يظهر أن الصراع عربي إسرائيلي في حين أن المشكلة الأساسية في الداخل الفلسطيني وفساد قيادته ومتاجرته بها لمصلحته.

ــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.