نساء سعوديات
نساء سعوديات_أرشيف

بقلم منصور الحاج/

في الوقت الذي يقدم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نفسه على أنه "إصلاحي" يعد بتجفيف منابع الإرهاب والقضاء على حركات الإسلام السياسي، ومكافحة الفساد وإنعاش الاقتصاد وتنويع مصادره والسير نحو التقارب مع إسرائيل والسعي لتهيئة الأجواء من أجل السلام في المنطقة أو ربما إشعال المزيد من النيران فيها، نرى على أرض الواقع ظلما منظما وصارخا ضد المرأة عبر أنظمة وقوانين رسمية تعطي "ولاة الأمر" الحق في التحكم في حياة من يأتمرن بأمرهم.

وعلى الرغم من المحاولات التجميلية للنظام الذي أعلن قبل أشهر أنه سيسمح للنساء بقيادة السيارة في عام 2018، وأنه بصدد إصدار قانون لحماية المرأة من التحرش، إلا أنه يتجاهل المطالب المستمرة في وسائل التواصل الاجتماعي كحملة "سعوديات ونطلب إسقاط الولاية" التي تطالب بإلغاء نظام الولاية الذي يعامل المرأة كقاصر ويضعها تحت رحمة ولاة الأمور.

ولا يقتصر الأمر على تجاهل السلطات لمطالب المواطنات بإلغاء نظام الولاية وقانون العقوق الذي يمنح الآباء الحق في رفع دعاوى ضد أبنائهم، بل إن السلطات تتعاون مع ولاة الأمور ضد المضطهدات داخل البلاد وضد الهاربات إلى المنافي اللواتي فقدن الأمل في إمكانية أن يعشن حياة كريمة في وطنهن.

والأمثلة على الظلم والقهر الذي تعيشه السعوديات والمقيمات في المملكة أكثر من أن تحصى فقد بات من المعتاد أن نسمع صرخات المعنفات والمضطهدات اللواتي طفح بهن الكيل ولم يعد لديهن القدرة على التحمل. صرخات ربما ما كان لنا أن نسمعها لولا المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الإجتماعي التي منحت المضطهدات الفرصة للتواصل مع العالم.

أما أولئك اللواتي لا يملكن حتى وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي أو يخشين من تبعات الإفصاح عن معاناتهن فإن الحل يكمن في أن توفر الدولة لهن برامج إجتماعية وتوعوية وتسعى بشتى السبل لكسب ثقتهن، الأمر الذي يتطلب إلغاء نظام الولاية وإصدار قوانين رادعة وعقوبات صارمة ضد من يستخدمون العنف الجسدي والمعنوي ضد النساء.

وبفضل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي تعرف العالم على معاناة مريم العتيبي التي حاولت التحرر من تسلط أسرتها عليها فانتهى بها الحال في السجن الذي بقيت فيه لمدة أربعة أشهر، وعلى قصة هروب دينا علي وتعاون السلطات مع ذويها وإعادتها قسرا إلى البلاد من الفلبين، وعلى قصة اختفاء آمنة محمد الجعيد التي نشرت تسجيلا مصورا اتهمت فيه والدها بتعنيفها وإجبارها على الزواج وعلى ترك وظيفتها وتهديدها بمنعها من الدراسة.

وبفضل هذه الوسائل تعرف العالم أيضا على ناشطات بارزات في مجال المطالبة والدفاع عن حقوق النساء في السعودية كالعنود التميمي وملاك الجهني ولجين الهذلول وإيمان النفجان وعزيزة اليوسف وعلى أخريات أخترن الهجرة والعيش في الغرب كالدكتورة هالة الدوسري وموضي الجهني وإنصاف حيدر وخلود بارعيدة وأماني العيسى وابتهال مبارك وغيرهن.

آخر القصص التي وصلت إلينا عبر وسائل التواصل هي معاناة شقيقتين فرتا من قمع وظلم وتحرش جنسي تعرضتا له منذ الطفولة على أيدي "ولاة أمورهن" وبعد أن فشلن في الوصول إلى بر الأمان في نيوزلندا، قررن العودة من هونغ كونغ إلى تركيا حيث تم إلقاء القبض عليهما وتواجهان الآن خطر الإعادة إلى الجحيم الذي هربتا منه.

أحدثكم عن معاناة أريج وأشواق حمود الحربي المحتجزتن حاليا في تركيا وتواجهان خطر الترحيل إلى السعودية بعد أن رفضت السلطات التركية الطعن المقدم من إحداهما على قرار الإبعاد من البلاد.

وبحسب التسجيلات المصورة التي نشرتهما أريج وأشواق فإن السلطات التركية ألقت القبض عليهما أثناء محاولتهما الحصول على إذن بالإقامة من دائرة الهجرة في تركيا وتم إبلاغهما بأنهما مطلوبتان للسلطات السعودية بتهمة محاولة الانضمام لمنظمة إرهابية الملفقة عليهما من قبل والدهما الذي ادعى أن ابنتيه كانتا في طريقهما إلى سوريا للالتحاق بالجماعات الجهادية.

وعلى الرغم من أن القضية لم تحظ باهتمام وسائل الإعلام العربية والغربية وكبريات الصحف والفضائيات المنشغلة بالترويج لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وتلميع القرارات العشوائية التي يتخذها، أصدرت منظمات حقوقية عالمية بيانات استنكرت فيها احتجاز الشقيقتين وطالبت السلطات التركية بإلغاء قرار ترحيلهما إلى السعودية.

ففي تقرير بعنوان "تركيا: أختان سعوديتان تواجهان الإعادة القسرية" لـ"هيومان رايتس ووتش" قالت سارة ليا ويتسن مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة: "النساء السعوديات الهاربات من أُسرِهن أو البلد قد يواجهن ما يسمى جرائم "الشرف" أو أشكالا أخرى من الأذى إذا أعِدن رغم إرادتهن. إذا أعادت تركيا هاتين المرأتين، قد تكون العواقب وخيمة".

أما منظمة "مواطنون بلا قيود" فقد ناشدت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التدخل لوقف ترحيل الشقيقتين إلى السعودية واعتبرت أن الأب الذي يزعم أن ابنتيه كانتا تريدان الالتحاق بجماعات إرهابية لا يمكن أن يؤتمن على مصيرهما إن تم تسلميهما إليه.

إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: لماذا تريد السلطات التركية إعادة أريج وأشواق إلى السعودية على الرغم من أنهما هربتا من القمع والعنف والتحرش الجنسي؟ وما مصلحة البلاد التي تستضيف آلاف اللاجئين الفارين من جحيم الحرب وعنف الحركات الجهادية في إعادة مضطهدات إلى جلادهن الذي هربن منه.

أعتقد أن السلطات السعودية طلبت من نظيرتها التركية تسليم أريج وأشواق بحجة أنهما كانتا تريدان الإنضمام للجماعات الجهادية. ولا أستبعد أن يتم تسليمهما للسلطات السعودية التي ساهم تدخلها لدى السلطات الفلبينية في إعادة دينا علي قسرا إلى المملكة.

وفي العام الماضي، اعتقلت السلطات التركية هالة مبارك السويكت ابنة الملياردير السعودي التي هربت من البلاد للارتباط بالرجل الذي اختارته شريكا لها وتم الإفراج عنها لتسافر إلى اثيوبيا حيث ألقي القبض عليها مرة أخرى واضطرت إلى دفع رشوة حتى يطلق سراحها لتسافر بعدها إلى ألمانيا حيث يقيم زوجها. في اعتقادي، لو لم يكن زوجها ألمانيا، لاستجابت السلطات التركية إلى مطالب أسرتها ولتمت إعادتها إلى السعودية.

وفي عام 2012 استخدمت السلطات السعودية نفوذها في ماليزيا لإيقاف وترحيل الكاتب حمزة كشغري الذي هرب من البلاد بعد تلقيه تهديدات بالقتل بسبب قصيدة رأى متشددون أن فيها إساءة إلى النبي محمد.

وتم ايقاف كشغري في المطار قبل أن يستقل الطائرة التي كانت متوجهة إلى نيوزيلندا حيث كان يعتزم تقديم طلب للحصول على اللجوء السياسي ليتم ترحيله إلى السعودية خلال ساعات ليقضي عدة أشهر في السجن قبل الإفراج عنه في عام 2013.

إن من الواضح أن هروب المواطنين من السعودية يمثل مصدر إزعاج للسلطات التي بدلا من أن تهتم بدراسة الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك، تستخدم نفوذها لإعادتهم قسرا إلى البلاد. كما تعاقب السلطات النشطاء الحقوقيين والسياسيين والكتاب بالمنع من السفر لسنوات وهي عقوبة لا وجود لها إلا في الدول القمعية التي لا تعترف بحق مواطنيها في المطالبة بالحقوق السياسية ولا تسمح لهم بالهجرة إلى البلدان التي تمنحهم حقوقهم وتحترم إنسانيتهم.

إن الحكومات التي لا تحترم مواطنيها وحقهم في اختيار نمط الحياة الذي يناسبهم والتي تطارد أبناءها حول العالم وتعيدهم قسرا إلى البلاد وتحرمهم من حقوقهم السياسية والإجتماعية لا تستحق أن يتم الترويج لها بأنها إصلاحية خاصة من قبل كتاب ليبراليين ونشطاء وناشطات يدعون أنهم يهتمون بحقوق الإنسان.

أريج وأشواق فتاتان عاقلتان بالغتان عانتا من القهر والتعنيف والاعتداء الجنسي من قبل أقرب الناس إليهما فاضطرتا إلى الهرب من الجحيم الذي كانتا تعيشان فيه بحثا عن حياة كريمة تعيشانها كما تريدان.

إن من الظلم إعادتهما إلى البلاد التي هربتا منها وتسليمهما إلى جلادهما مرة أخرى. وعلى كل الأحرار والشرفاء مطالبة السلطات التركية بعدم ترحيلهما والسماح لهما بالمغادرة إلى أي وجهة أخرى.

تقول هالة السويكت التي تركت حياة الرفاهية في قصور أبيها وتعيش حاليا في شقة صغيرة في مدينة كوبلينز الألمانية في تصريح لصحيفة "التايمز" البريطانية: "كنت أعيش في قصر فخم لكنني كنت سجينة. ليس بمقدوري الآن أمتلاك الأشياء الفاخرة التي كنت أملكها في الماضي، إلا أن الحرية التي أحياها تستحق كل التضحيات". 

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.