لقطة من فيلم "الشيخ جاكسون" - إخراج عمرو سلامة
لقطة من فيلم "الشيخ جاكسون" - إخراج عمرو سلامة

بقلم نيرڤانا محمود/

قبل أيام، أحيل إلى الأزهر فيلم مرشح للأوسكار، وهاجم حشد من المصلين المسلمين كنيسة، وتعرضت ممثلة لإهانات على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تعليقات لها حول أصوات المؤذنين. قد لا يبدو أن هناك رابطا بين الحوادث الثلاث والتي وقعت في مصر على مدى أسابيع، لكنها مترابطة، فهي نتيجة مقلقة لحركة الإسلاموية الاجتماعية التي انتشرت في مصر ويزداد غليانها بمرور الوقت.

أمر النائب العام المصري بالتحقيق بشأن فيلم عمرو سلامة الأخير "الشيخ جاكسون"، بعد أن تقدم "مواطن"، وهو محام في محافظة الجيزة، بشكوى متهما الفيلم ومخرجه بـ"ازدراء الأديان". اعتُمدت الدعوى على الرغم من أن هيئة الرقابة المصرية كانت قد سمحت بعرض الفيلم. بدلا من رفض الدعوى واعتبارها كلاما فارغا وصرف المدعي لتضييعه وقتا ثمينا للنظام القضائي المصري، اختار النائب العام أن يحقق مع مخرج الفيلم عمرو سلامة، ويحيل العمل إلى الأزهر ليدلي بقرار في هذه الاتهامات. وعندما دافع الناقد السينمائي طارق الشناوي عن العمل، رد العديد من مستخدمي فيسبوك بإهانات وردود بذيئة ضده، وضد العمل، وضد الفن بصفة عامة.

بعد بضعة أيام، وعلى بعد 100 كيلومتر خارج القاهرة، تجمع مئات الأشخاص خارج كنيسة في مركز أطفيح في محافظة الجيزة، ورددوا شعارات عدائية وطالبوا بهدم الكنيسة. وزُعم أن التحريض ضد الكنيسة تم التخطيط له عبر حملة على مواقع التواصل الاجتماعي يقودها بعض الشبان الغاضبين إثر شائعات حول تعليق "جرس" على مبنى الكنيسة. كانت هذه الشائعات كفيلة بنشر الغضب وشن هجوم على الكنيسة أدى إلى إصابة أربعة أشخاص وتدمير ممتلكات وقطع أثرية فيها قبل أن تأتي قوات الأمن وتسيطر على الوضع. هذه الهجمات ضد المسيحيين لا تشنها جماعات إرهابية، بل هي في الحقيقة مظهر من مظاهر عداء اجتماعي أوسع ضد الأقليات.

في الحادثة الثالثة، تعرضت الممثلة شيرين رضا لهجوم بعد أن أعربت في مقابلة تلفزيونية عن استيائها من الأصوات المزعجة المرتفعة لبعض المؤذنين في مساجد القاهرة. نشرت المقابلة على فيسبوك وجمعت أكثر من 21 ألف تعليق موجهة ضدها بوابل من إهانات مقذعة واتهامات بازدراء الأديان. هذه التعليقات جعلت الفرق بين ما هو مقدس في الإسلام مثل الدعوة إلى الصلاة، وما هو غير مقدس مثل أصوات الذين يدعون إلى الصلاة، غير واضح. أصبحت الإساءة المزرية مقبولة اجتماعيا طالما يتم استخدامهما باسم الدفاع عن شيء مقدس.

هذه الأحداث الثلاثة، على الرغم من اختلافها في المحتوى والأهمية، تشترك بالسبب الرئيسي ذاته: الإسلاموية الاجتماعية. على مر عقود، خلص الإسلاميون إلى أن السيطرة السياسية تتطلب خلق مناخ اجتماعي موات يؤيد أفكارهم. ولذلك، ركزوا بقوة على نشر مذهب اجتماعي يشجع القمع الديني، والعدائية تجاه أي شخص يعارض أجندتهم، وبالأخص من المسيحيين والليبراليين والفنانين.

عزز هذا المعتقد الإسلاموي تنافسا شاقا بين عدة جماعات إسلاموية غير رسمية، مثل الإخوان المسلمين والسلفيين، بالإضافة إلى مؤسسات رسمية كالأزهر، حول من هو حامي حمى العقيدة. وخلقت تلك المزايدة مناخا امتد نفوذه إلى تحديد الأمور المحظورة اجتماعيا وانكماش ما هو مقبول ومسموح به. أمور مثل وضع جرس افتراضي على مبنى كنيسة، وتقديم شيخ في فيلم خيالي كما فعل "الشيخ جاكسون"، وانتقاد أصوات مزعجة اعتادت على الدعوة إلى الصلاة، أصبحت ذنوبا كبيرة وإساءة للإسلام.

امتدت قدسية الدين لتشمل أي شخص يتحدث عن الدين، أو يشعر بالإهانة باسم الدين. هذا النوع من الولاء يدعم أيضا أي شخص يهاجم الآخرين بدعوى الدفاع عن الدين. حتى في الحالات التي تبدو غير مبررة، يحول هذا الغضب الحاد أصحابه إلى أبطال، وهي الطريقة ذاتها التي ينظر بها كثيرون إلى المحامي الذي رفع دعوى ضد "الشيخ جاكسون".

حولت الإسلاموية الاجتماعية المشهد الديني المصري الذي عرف عنه التسامح، إلى أخطبوط جامح بأذرع تنز سما يشل العقول ويمنع التفكير العقلاني. النتيجة لا عقلانية اجتماعية غاضبة تخلق الخوف من الأقليات، وتفشل في رؤية سياق في مشهد سينمائي متخيل، أو تقود نوبة غضب ضد رأي يقول إن أصوات بعض المؤذنين ليست سارة للآذان.

الإسلاموية الاجتماعية هي قاتل مصر الصامت. إنه يكدس الخوف، ويولد التعصب، ويعيق الإبداع، ويقود في النهاية إلى التطرف. على الرغم من انخفاض تأثير الإخوان المسلمين، هناك قوى إسلامية أخرى لا تزال مؤثرة وغير راغبة في التخلي عن فكرتها الاجتماعية القسرية.

حان الوقت للدولة المصرية أن تقف ضد هذا الإكراه الضار، بدلا من التراجع عن مواقفها، والتسامح مع هذه الأفعال وتشجيعها. فمصر ليست دولة دينية. وليس هناك مكان للثيوقراطيين كي يصبحوا حكاما اجتماعيين. الإسلام ليس دينا ضعيفا سيتعرض للأذى من جرس كنيسة افتراضي، أو مشهد فيلم خيالي، أو رأي ممثلة حول أصوات المؤذنين.

تطمح مصر إلى محاربة التطرف واستعادة قوتها الناعمة في المنطقة. لتعزيز هذا الهدف، يجب دعم حريات الأقليات، والفنون، والإبداع، وحرية التعبير. إن المجتمع الذي يسمح بالتنمر باسم الدين ويسمح لهذه المشاعر بالهيمنة فوق المنطق والعقلانية، لن يهزم المتطرفين وينمي قوته الناعمة.

ـــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.