فرز الأصوات في انتخابات سابقة في مصر
فرز صناديق اقتراع

بقلم حازم الأمين/

بعد أن كان رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي إحدى قنوات العلاقة الإيجابية بين المكونين الشيعي والكردي في العراق، انقلب إلى خصم مر للجماعة الكردية، وصاحب الصوت الشيعي الأعلى في سياق الصدام بين الجماعتين، متجاوزا صوت منافسه في حزب الدعوة نوري المالكي. والتفسير الوحيد لهذا المزاج الراديكالي لرئيس الحكومة هو الانتخابات العراقية القريبة، ذاك أن موقفا عالي اللهجة حيال الأكراد سيرفع من القابلية الشيعية للتصويت لصاحبها. وعلى هذا النحو يريد العبادي أن ينافس خصمه الانتخابي نوري المالكي. وكم يبدو ثقيلا وغير عادل أن يتنافس قادة الشيعة العراقيين في ما بينهم عبر رفع منسوب خصومة "الأغيار".

والحال أن هذه لعبة لطالما شهدتها مجتمعات الحروب الأهلية في مشرقنا البائس، والتي سقطت الانتخابات على رؤوس أفرادها من خارج وعيهم. فالانتخاب ليست عملية فرز لمصالح المقترعين، أو لما يرى المقترع أنه مصلحته، بل هو عملية توظيف للعصبية السابقة على المصلحة. في لبنان مثلا فازت "14 آذار" في انتخابات العام 2009، عندما قال أمين عام حزب الله إن "7 أيار"، وهو اليوم الذي غزا فيه حزب الله مدينة بيروت، هو يوم مجيد. هذا القول كان سببا لتدفق السنة من كل حدب وصوب إلى صناديق الاقتراع، وإلى قلب التوقعات التي كانت تشير إلى تقدم حزب الله وحلفائه في استطلاعات الرأي. العصبية هنا اشتغلت فأخذت النتائج إلى وجهة أخرى.

في كردستان نفسها، الصوت الأعلى في مواجهة العرب هو الصوت الأكثر قدرة على توظيف الاقتراع لمصلحته. مسعود بارزاني عندما أعلن موعد الاستفتاء على استقلال الإقليم ووجه بموجة رفض دولي وإقليمي وعراقي عارم، كان من الممكن أن يتراجع عن موعد إجراء الاستفتاء لولا شعوره بأن تراجعه سيؤدي إلى رد فعل سلبي في الشارع الكردي. في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الاستفتاء، شعر بارزاني بالتبعات الكارثية للإصرار على إجرائه، لكنه قرر أن خسارته في الشارع الكردي ستكون أقوى. والأرجح أن أمين عام حزب الله شعر بعد وصفه يوما مشؤوما في حياة السنة في بيروت بأنه "يوم مجيد" بأنه أخطأ، لكن العودة عن الخطأ ليست من شيم "القادة"، وهذا ليس عائدا لخصالهم وشعورهم بعظمتهم فقط، انما أيضا لأن المريدين والمقترعين لا يقبلون من القادة أن يعتذروا.

الانتخابات في مجتمعات الحروب الأهلية هي عملية تجديد للعصبية، وليست آلية إنتاج نخبة سياسية تُمثل مصالح الجماعة وتطلعها إلى مستقبل أفضل. وبهذا المعنى الانتخابات هي بعث للماضي في المستقبل، وهي تقنية حديثة وظيفتها شديدة الرجعية.

فلنتخيل مثلا انتخابات ما في سورية بعد انتهاء الحرب فيها، ونشدد هنا على أنه افتراض خيالي يُهمل الكثير من الاعتبارات الثقيلة، لكنه تمرين ذهني يساعد على التوقع. سنكون أمام عنوانين لهذه الانتخابات مهما كانت التوازنات التي أرستها التسوية. الأول هو الانقسام الحاد الذي ضاعفت منه الحرب، بين سني وعلوي، وكردي وعربي، وبين حلبي وشامي، وبين النفوذ الإيراني والنفوذ التركي، وثنائيات كثيرة موازية، تعلي من شأن العصبية وتجعلها في مقدمة الهم الانتخابي. والعنوان الثاني هو إعادة إعمار سورية، وضرورة إنتاج نخبة سياسية كفوءة ونزيهة وظيفتها الرئيسة إعادة إعمار البلاد. اذا كان خط الانقسام هو بين هذين العنوانين، فمن المرجح أن تتقدم العصبية على المصلحة، وأن يكون اعتبار الناخب الأول هو أن يستهدف بصوته خصم العصبية السابقة على المصلحة.

وبهذا المعنى يبدو القادة والزعماء ضحايا نزق مريديهم، فهم إذ يرفعون الأصوات الداعية إلى حرب العصبيات، إنما يستجيبون لغرائز حملتهم إلى مواقعهم.

ومن مفارقات الانتخابات في مجتمعات الحروب الأهلية والغرائز الأصلية، هي أنها وبدل أن تتولى تجديد الحياة العامة وفق معايير القانون والدستور، صارت عملية تشريع لهدم القانون وإحلال العصبية مكانه. في العراق أحد عناوين الانتخابات هي مستقبل "الحشد الشعبي" وهو ميليشيا طائفية تمولها الحكومة، وفي لبنان أحد عناوين الاقتراع الرئيسة هو تشريع سلاح حزب الله، وهو أيضا سلاح جماعة أهلية، وعصبية مذهبية.

يجب إعادة النظر في تعريف الانتخابات في ظل تحولها إلى سباق في حرب أهلية مهمتها أن تعلي من شأن العصبية، فيما تلقي خلفها مصالح المقترع، فتتولى بعث الماضي في المستقبل.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A volunteer from Basij forces wearing a protective suit and face mask sprays disinfectant as he sanitizes a bus station, amid…

بعد أشهر من إنكار إيران تفشي فيروس كورونا على أراضيها، كانت أول مبادرة رئيسية قامت بها لاحتواء الفيروس هي إنشاء "مقر وطني" لمكافحة هذا الوباء تحت توجيه الرئيس حسن روحاني، إلى جانب مجلس لدعم قرارات هذا الكيان الجديد. 

ومع ذلك، فإن عدم كفاءة الحكومة، والفجوة بين الرئيس ومنافسيه، والانتشار السريع لـ "كوفيد-19" في جميع أنحاء البلاد سرعان ما أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بإشراك القوات المسلحة في المبادرة.

وبدلا من وضع القوات تحت سيطرة روحاني، أمر خامنئي بإقامة "مقر الإمام الرضا الصحي والعلاجي" في 12 مارس برئاسة رئيس "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" اللواء محمد باقري. وقد طُلب من اللواء التعامل مع الوضع على أساس أنه مناورة دفاعية [ضد هجوم] بيولوجي، بما يتماشى مع ادعاء خامنئي الخيالي بأن الوباء جزء من حملة حرب بيولوجية أميركية ضد النظام.

ومن خلال وضع "مقر" العلاج الجديد تحت سلطة "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" ـ أعلى هيئة عسكرية في إيران ـ كلّف خامنئي بشكل أساسي جميع القوات المسلحة في البلاد بمكافحة الفيروس. 

كثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دمية يحرّكها "الحرس الثوري"

على سبيل المثال، أُمرت وزارة الدفاع و "إسناد القوات المسلحة"، التي تشرف على جميع قضايا التخطيط والتمويل المتعلقة بالجيش، بإنتاج أجهزة تنفس اصطناعية، ومعدات وقائية، وإمدادات طبية أخرى. 

وقد طُلب من الجيش النظامي ("أرتش")، المسؤول عادة عن حماية السلامة الإقليمية للبلاد، تطهير الأماكن العامة وإقامة مستشفيات ميدانية مؤقتة وتحضير أسِرّة للشفاء. 

وبالمثل، استَخدمت "قوة إنفاذ القانون" ("ناجا") بعض معداتها المخصصة للسيطرة على الحشود لتطهير الشوارع ـ وإن كان ذلك أثناء عرض لافتات تشير إلى أنها أكثر تركيزا على الدعاية من الصحة العامة.

ومع ذلك، فقد حدثت أكثر الخطوات الجديرة بالملاحظة داخل "الحرس الثوري" الإيراني وفروع ميليشيا "الباسيج" التابعة له. فإلى جانب إرسال القوات لفحص المرضى، والسيطرة على حركة الأشخاص، وتطهير الأماكن العامة، وتصنيع معدات الحماية، قام "الحرس الثوري" بتفعيل مقرٍّ مركزي دائم للدفاع البيولوجي يسمى "الشفاء". 

وفي الواقع، إن هذا المقر ليس قيادة جديدة. فقد تأسس عام 2012 من قبل "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" التابعة لـ "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة"، والتي أُنشئت في البداية عام 2003 لتعزيز قدرة إيران على الصمود في المعارك من خلال تعزيز البنى التحتية. ويخضع كلٌّ من "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" ومقر "الشفاء" لسلطة "المقر المركزي لخاتم الأنبياء"، الذي هو رسميا على نفس مستوى "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" والمسؤول عن إدارة القوات المسلحة الإيرانية خلال زمن الحرب.

وحين وضع "الحرس الثوري" مقر "الشفاء" تحت قيادته، أنشأ مقرّات فردية للدفاع البيولوجي في جميع المحافظات الإيرانية. وقبل عقد من الزمن، أصبح "الحرس الثوري" لامركزيا بصورة تدريجية حيث تم تقسيمه إلى 32 وحدة حرس موزعة بين المحافظات ["وحدات حرس المحافظات"] (واحدة لكل محافظة باستثناء طهران، التي لديها وحدتان). 

وكان يُقصد من هذه الخطوة جزئيا، ضمان تنسيق أفضل بين قوات "الباسيج" و"الحرس الثوري" العاملة في كل محافظة، وإعداد "الحرس الثوري" بشكل أفضل ضد أي تهديدات للنظام.  

واليوم تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري، ومتجسدة في حكومات المحافظات (أوستنداري) التي تخضع لسلطة وزارة الداخلية، والرئيس الإيراني في النهاية. 

وتتولى كل قيادة لـ "وحدات حرس المحافظات" الإشراف على العديد من الهيئات المحلية: "ناحية لـ "الحرس الثوري" ـ "الباسيج"" في كل مقاطعة (فرمنداري)، ودائرة واحدة على الأقل لـ "الباسيج" في كل بلدة (بخش)، ووحدة إقليمية أصغر مكوّنة من عدد قليل من البلدات (شهر) أو مناطق ريفية (دهستان) وقاعدة لـ "الباسيج" في كل حي.

A person with a walker crosses 42nd Street in a mostly deserted Times Square following the outbreak of Coronavirus disease …
فيروس العداء للولايات المتحدة!
حمى وباء كورونا أنتجت معها، من بين أمور أخرى، حمى التبشير بقرب سقوط الولايات المتحدة الأميركية وصعود الصين وروسيا، في مشهد يذكر بأولئك الراكضين إلى عرض البحر لالتقاط ما تسرب من سفينة ألقت بجزء من حمولتها لتخفيف الوزن، فيما هم يظنون بأن السفينة قد غرقت

ووفقا للنظام الداخلي لـ "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي"، يترأس المحافظ (أوستندار) جميع مقرات الدفاع السلبي في المحافظة، بما فيها مقر "الشفاء". ومع ذلك، فإن نقل "الشفاء" إلى سلطة "الحرس الثوري" قد وضع فعليا القادة المحليين لـ "وحدات حرس المحافظات" في موقع المسؤولية بدلا من الترتيب السابق.

ومع استدعاء "الحرس الثوري" لبعض قواته الخاصة ومختلف وحدات "الباسيج" ـ خاصة الطلاب وأعضاء النقابة والممارسين الطبيين ـ تمكّن من حشد نحو 600,000 عنصر للمساعدة في احتواء الفيروس في كافة أنحاء البلاد. كما شكّل ثماني لجان في كلٍّ مقر من مقرات المحافظات، وأُنيطَت بها المهام التالية:

  • لجان الأمن والمخابرات: تفتيش المستودعات بحثا عن لوازم طبية مكدّسة، واعتقال الأشخاص الذين ينتقدون رد النظام على تفشي المرض، وما شابه ذلك من مهمات.
  • لجان التطهير: تطهير الأماكن العامة.
  • لجان التعليم: إنتاج مواد تربوية حول الوباء وطرق احتوائه.
  • لجان الفحص: إجراء فحوصات الفيروسات في جميع المنازل.
  • اللجان اللوجيستية: تصنيع المعدات الأساسية مثل الأقنعة والمعقّمات اليدوية.
  • اللجان التنفيذية: مساعدة النظام على ضبط حركة المدنيين وفرض الحجر الصحي.
  • اللجان الثقافية: تأدية مهام مختلفة كتوزيع نسخ من "الصحيفة السجادية" التي تتكوّن من مجموعة أدعية أوصى خامنئي الناس بتلاوتها خلال الأزمة.
  • لجان إدارة الرأي العام: إنتاج المحتوى (على سبيل المثال، المجلات ومقاطع الفيديو القصيرة) الذي يروّج لجهود "الحرس الثوري" ـ "الباسيج" لمكافحة الفيروس.

تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري

وعلى الرغم من كل هذه الأعمال، ما زال الكثير من الإيرانيين ينتقدون النظام، بما في ذلك "الحرس الثوري". وتشير تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، والمقابلات التي أجريت مع كاتب هذا المقال، إلى جانب أمور أخرى تمت ملاحظتها، إلى أن الحملات المذكورة أعلاه تُعتبر على نطاق واسع مجرد أدوات دعائية لا تؤتِ إلا بنتائج قليلة على أرض الواقع.

وفي الوقت نفسه، فإن إنشاء مقرات الدفاع البيولوجي والانتشار الواسع لـ "وحدات حرس المحافظات" التابعة لـ "الحرس الثوري" يُعدان إشارتان مقلقتان أخريان إلى عدم أهمية حكومة روحاني وازدياد وتيرة تسييس القضايا الأمنية في الجمهورية الإسلامية [وتبرير اللجوء إلى تدابير استثنائية لمعالجتها]. 

إنّ النفوذ والتغلغل الاجتماعي اللذين يستطيع "الحرس الثوري" تحقيقهما من خلال هذه القيادات المحلية في المحافظات سيعززان ثقله في الصراع النهائي لتحديد خلَف خامنئي. 

وأكثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دميةً يحرّكها "الحرس الثوري". وفي الواقع، قد تستغني القيادة العسكرية حتى عن المنصب بالكامل. 

لذلك، يجب على صناع القرار السياسي مراقبة عن كثب المزيد من التوسع بين "وحدات الحرس الموزعة بين المحافظات"، مع التركيز على الدور البارز الذي قد يؤديه "الحرس الثوري" في إيران بعد رحيل خامنئي.