جانب من مظاهرةفي جامعة إيران- أرشيف
فتاة إيرانية في جامعة طهران ترفع يديها وسط الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الأمن الإيرانية لتفريق الاحتجاجات ضد نظام الرئيس روحاني

بقلم مالك العثامنة/

لعل أكثر وصف مدهش ومكثف اختزل كل فكرة الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، التي قادها الخميني هي ما استهل به الراحل محمد حسنين هيكل كتابه "مدافع آية الله" حين قال (.. إن الخميني رصاصة انطلقت في القرن السابع لتستقر في قلب القرن العشرين).

تذكرت هذا التوصيف وأنا أشاهد قبل أيام إنتاجا فنيا حماسيا منسوبا لما تم تسميته الفرقة السمفونية الإيرانية المعارضة، ولم يتسن لي أن أجد معلومات أكثر عنها إلا ما قدرته أنها تتبع فصيل معارضة إيرانية ما في العراق.

الإنتاج الفني استنسخ الجزء الأخير الحماسي وبأداء كورالي مميز مع إيقاع النحاسيات الغاضب من أغنية زهرة المدائن للسيدة فيروز والأخوين رحباني، والتي كانت تبدأ بعنوان "الغضب الساطع آت"  ليتم تحوير الكلمات بالعربية للتحدث عن قوات العاصفة الغاضبة ثم الغناء بنفس اللحن بكلمات اللغة الفارسية، بالتهديد والوعيد للسلطة الحاكمة في طهران.

الأغنية تزامنت مع تحرك الشارع الإيراني في مظاهرات غاضبة تصاعدت مطالبها بما يذكر بمظاهرات الثورة السورية في بداياتها، والمفارقة أن السلطات الإيرانية اتخذت ردود فعل تذكر بنفس ردود فعل دمشق أول تصديها للحراك الجماهيري قبل أن تدخل الرعايات الإقليمية والدولية إلى ميدان الثورة.

حسنا،

 يبدو أن الرصاصة التي انطلقت في القرن السابع من النوع العنقودي، وهي ذخيرة  متاحة لكل حامل مسدس في الداخل الإيراني وخارجه.

اتصلت بالصديق الصحافي الأردني المتخصص بالشأن الإيراني والذي يتقن الفارسية بطلاقة (علي عبيدات) مستوضحا بعض الترجمات التي أحتاجها لفهم بلاد مغلقة منذ عقود، لا نعرف عنها أكثر من الشادور والزعفران وإثارة المشاكل، ليؤكد لي خطأ الاعتقاد الذي اعتقدته مع كثيرين بأن ما يحدث في إيران الآن هو بداية نهاية حكم الملالي والسلطة الإيرانية الحالية، بل يؤكد عبيدات بكثير من الشرح المنطقي المبني على معلومات يستقيها من الداخل ومؤسسة على معرفة بالثقافة الفارسية أن ما يحدث هزة سياسية افتعلها المحافظون أنفسهم، وخروجها عن النص في بعض الشعارات لا يعني أنها لامست جوهر النظام القوي والحاكم بيد من حديد.

عبيدات أشار إلى أحد أكثر رموز التشدد في إيران وأحد صقور التيار المحافظ فيه، أحمد علم الهدى وهو السبعيني الذي يتولى موقع نائب المرشد الأعلى وخطيب الجمعة النجم في مدينة مشهد، وهو أيضا صهر المرشح الرئاسي الخاسر أمام روحاني في الانتخابات الأخيرة وتاريخه الدموي لا يبدأ لكن يبرز في عضويته في ما تم تسميته بلجنة الموت التي نفذت إعدامات جماعية عام 1988!

هذا الموصوف بكل دمويته وتشدده، صرح حسب ما ترجم لي عبيدات من صحف إيرانية بقوله إن المحتجين ".. لا يواجهون مشكلة مع نظام الدولة، هم فقط تحت وطأة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة"، بل وخاطب الزعيم المتشدد علم الهدى بعض المتظاهرين بقوله ".. مطالبكم حقيقية والانتقاد والتظاهر من حقكم"!!

ويقول عبيدات إنها ثورة خبز يتم السعي لتجييرها إلى ثورة سياسية برعاية أطراف خارجية.

حسب عبيدات فالمشهد كما أراه من منظاره لا يتجاوز ضربة تحت الحزام لتيار روحاني، يلعبها المتشددون بمغامرة يبدو أنها محسوبة. فالنظام الأمني الإيراني من القسوة إلى حد ثقته الكاملة بإعادة الجميع إلى الحظيرة، والثورة على نظام ديني أعاد إنتاج ذات الفساد الشاهنشاهي لكن بعباءة المقدس ليست في أجندة هذا الحراك، لسبب بسيط، وهو أن الثورة الصادقة والحقيقية في بلد بالغ التعقيد مثل إيران تحتاج إلى رمز ثوري، وبرنامج ثوري بديل ومقنع.

إيران بلاد شديدة الكبرياء، والإيراني من أكثر الناس اعتزازا بثقافته وطعامه وموسيقاه وكل تراثه، ولعل من الملفتات في صور الحراك الأخير مشهد متظاهر إيراني ضد السلطة في مشهد، وقد يكون أراد الرد على تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعم فيها الاحتجاجات فرفع إبريقا برونزيا أثريا ليقول إن الإبريق بحد ذاته أقدم من أي دولة تحاول رعاية الاحتجاجات، وهي رعاية لا يسعى إليها غالبية الإيرانيين في الداخل.

حتى في المشروع النووي الإيراني، فإن الإيرانيين حتى المعارضين منهم، يرون في المشروع حالة وطنية يعتزون بها، لكن كثيرا من الإيرانيين أدركوا أن المشكلة ليست في مشروع نووي بقدر ما هي في سلطة لا أحد يثق بها ولا حتى الإيرانيين أنفسهم!!

ولو نظرنا إلى ماكينة النظام الإيراني شديدة التعقيد، فإن الإيراني قياسا إلى محيط الأنظمة المستبدة حوله، يدرك تماما أن صوته يحدث فرقا كبيرا، لكنه يدرك كذلك أن هذا الفرق محدود ومحدد جدا وسيبقى أسير نظام الملالي فقط، بلا أي أمل لخيارات أخرى مثل العلمانية.

إن أكثر ما يدفع الإيراني إلى الكآبة حسب بروفسور إيراني زائر التقيته عام 2003 في جامعة نورث كارولاينا هو محاصرته بالأعداء من كل جانب على الكرة الأرضية، فهناك رغبة شعبية عارمة بالهروب من "الغيتو" الذهني الذي فرضته الثورة الإيرانية على الإيرانيين منذ تولت السلطة عام 1979 مما دفع الإيراني أينما كان إلى رؤية الأعداء حوله في كل مكان مقابل نظام مستبد وسلطوي ديني منافق يتحدث عن النقاء والطهارة الثورية لكنه متخم بالفساد الذي لا يمكن إخفاؤه.

حتى ثورة الحجاب التي وجدت صورا متمردة لها في الحراك الإيراني الأخير، لا تجعلنا نغفل أن المرأة الإيرانية لها حرية أكثر من نظيراتها في منطقة الخليج عموما، رغم محاولات القمع الدينية التي يمارسها النظام والتي يسعى فيها إلى تعليب الروح الفارسية بتاريخ عمره آلاف السنين في علبة الولي الفقيه الناشئة من خلاف سياسي قرشي عربي- عربي (هاشمي- أموي) خارج الثقافة الفارسية أصلا.

لكن الواقع في إيران مختلف، والجيل الجديد في إيران ومع ثورة المعلومات وتدفقها الهائل لم يعد يصدق كذب شعارات السلطة، ولعل في بعض الهتافات الخارجة عن كل نص محسوب في الحراك الأخير مؤشرات على عدم مصداقية فكرة الشيطان الأكبر كصفة لأميركا عند الشباب الإيراني، وقد بلغت الهتافات حدا غير مسبوق في بعض الأماكن في مشهد وفي قم "مدينة النظام المقدسة نفسها" إلى حد الكفر بالخميني والهتاف ضد روحه الحاضرة في كل زاوية في بلاد فارس، بل وتمني الموت لخامنئي، مرشد الثورة، و خليفة آية الله مؤسسها الراحل.

دوليا.. وفي لعبة العلاقات الدولية، كان هناك دوما انفصام شيزوفريني لدى عقل الدولة الإيرانية وقد تولت السلطة فيها عمائم الفقهاء وابتكرت فكرة الولي الفقيه بموروث فارسي تاريخي عميق.

بعد الثورة عام 1979، اعتقدت الصفوة الدينية الحاكمة دوما أن حدود إيران هي إرث إمبراطوريتها الفارسية القديمة، ولأن الأيدولوجيا السياسية الإسلامية أممية لا تعترف بالحدود، فإن الثورة "الإسلامية" ثورة واجبة التصدير أيضا.

هذا الاعتقاد المزدوج والمفصوم مقسوما على ذهنيتين (فارسية وإسلامية)، اصطدم بجدار الواقع الصلب، وبصمود النظام الإقليمي نفسه حول إيران، خصوصا في الحرب الدموية الطويلة مع عراق صدام حسين في الثمانينيات (وبدعم باقي منظومة دول الخليج والعرب عموما)، مما أدى بالصفوة ذاتها إلى مراجعة حسابات قوتها، فبقي الخطاب السياسي الثوري أمميا يتجاوز الحدود والجغرافيا، لكن السياسة بأدواتها الدبلوماسية تراجعت إلى حدود البراغماتية، لكنها كانت دوما براغماتية مؤذية للغير، قابلة للتوسع ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

عام 1997، كانت السلطة في إيران قد انقسمت بحضور انتخابي هائل لمحمد خاتمي، وقد تنصب رئيسا في انتخابات تقول الأرقام الرسمية نفسها إن نسبة التصويت فيها بلغت 80%، وهي أعلى نسبة تصويت عام شهدتها إيران منذ الثورة، وكانت صرخة مدوية مطالبة بالإصلاح من خلال خاتمي، الذي تزعم تيارا (من داخل نظام الولي الفقيه نفسه) يطالب بحوار الحضارات، مقابل التيار الثوري التقليدي المؤمن جدا بصراع الحضارات.

لقد كان لقب خاتمي الشعبي (آية الله غورباتشوف) في إسقاط مباشر على بيروسترويكا آخر رئيس سوفييتي، لكن البريوسترويكا (ومعناها إعادة البناء) كانت في إيران حلقة من مسلسل جذب وشد بين تيارات الحكم الديني، ولم تكن هناك حلقة أخيرة تفككت فيها دولة الثورة.

حراك اليوم الذي يقوده الشباب المحبط من الفساد والانغلاق، هو حصاد بذور بيروسترويكا آية الله غورباتشوف / خاتمي، الذي خلق عام 1997، قوة دفع مدنية يواجهها رجال الدين في السلطة اليوم بقمعها بذات الأدوات التي لم تتغير.

لقد كانت عودة أحمدي نجاد المتشدد فيما بعد للرئاسة، إعادة اختطاف للسلطة من الإصلاحيين، لكن بعد فوات الأوان، فقمقم الدولة المدنية أو عناوينها السطحية على الأقل، كانت قد خرجت من القمقم، ليعيد ترتيب العلاقات الدولية حسب مزاج "تصدير الثورة" وأجندة الولي الفقيه، وباستحضار روح آية الله الخميني من قبره ذي الأبراج الأربعة في طهران.

وبعد انتخابات متوالية  كان المواطن الإيراني يدرك فيها أن صوته الانتخابي يحدث الفرق ضمن صندوق ممتليء بآيات الله المختلفين، كان حضور روحاني على سدة الرئاسة(ندا لتشدد تيار خامنئي وهو المرشد الأعلى) ليشكل المعسكر البراغماتي المحافظ امتدادا لسياسة سلفه رفسنجاني، في المزج بين الشدة والمرونة واللعب على حبال العلاقات الدولية لتحقيق الحد الأدنى من التوازنات غير الممكنة، مع التأثير في الجغرافيا السياسية المحيطة في الإقليم.

باختصار،

اتفق أن تغيير النظام في إيران جذريا لن يتعدى الأمنيات في الوقت الراهن، فتاريخ السلطة الوحشي والقمعي لأربعين سنة من الاستبداد البوليسي مؤشر واضح إلى أن التغيير لن يكون سهلا وإن حصل فإن مجرياته لن تكون سلمية وهذا يجعلها بعيدة جدا.

وحسب ما يقول الصديق الدكتور خيري جانبك وهو السياسي والمؤرخ الأكاديمي المتخصص بالشرق الأوسط "..فإن طموح أي تنظيم ثوري (أو أي عمل في شاكلة الثورة) هو أن تتحول الشعارات المطلبية الإقتصادية إلى شعارات مطلبية سياسية بحتة، فإن لم يحصل ذلك، فأعتقد أنه من المبكر جدا الخروج بأي استنتاجات عن مستقبل النظام في إيران".

على الهامش، وعلى ضفاف كل ما يحدث في الشرق الأوسط نفسه ..

أمام مفارقة تاريخية سياسية جغرافية في الشرق الأوسط تتمثل في أن إيران دولة دينية مستبدة تقمع أي مطالبات للعلمانية في بنيتها، محاطة بأنظمة عربية علمانية مستبدة تقمع التيارات الدينية فيها، فإنني أحمل سؤالا مقلقا حول رد فعل كل تلك الملايين من عرب الشق السني في العالم العربي والتي تعبأت بالكراهية لكل ما تمثله إيران.

ماذا لو نجحت يوما ما ثورة في إيران، قلبت نظام الملالي وسلطة الولي الفقيه إلى دولة مدنية علمانية ديموقراطية (إيران مهيأة جدا لهذه التركيبة)، فهل سيظل العربي أسيرا لشعارات الكراهية الفارغة التي يعنونها بمصطلحات غالبا لا يعرف معناها مثل "المجوسية والصوفية والرافضية"؟

هو سؤال يؤرقني كمحكوم بالأمل من عالم عربي يكاد الأمل نفسه أن ينتحر شنقا فيه!!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.