أعلام دول عدة خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك
أعلام الدول أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك

بقلم حسن منيمنة/

لا ليس كذلك. وليس المقصود الإصرار على أن على الولايات المتحدة تبديل موقف ما، بل العنوان هو من باب لفت النظر إلى قناعة تبدو راسخة في المواقف الناقدة لأية جهة متهمة بالخروج عن "الشرعية الدولية"، بغض النظر عن موضوع الخروج. فالشرعية الدولية وضرورة التقيد بها مسألة تبدو بديهية، وإثارة الشك بشأنها تبدو للوهلة الأولى عنادا أو مغالطة. ورغم ذلك، فإن الشرعية الدولية مفهوم يفتقد الوضوح في مضمونه والإجماع في اعتباره. واعتلاله هذا يؤسس لمواجهات (لا سيما عربية أميركية) تزيد الواقع الدولي تعقيدا.

طبعا ثمة عقود ومواثيق وقعت عليها معظم الدول، بعضها متزامن في نشأته مع منظمة الأمم المتحدة وبعضها الآخر يعود إلى عهد عصبة الأمم، بل إلى ما قبلها. كما أن قرارات مجلس الأمن الدولي هي أحكام ملزمة مبدئيا، وعند صدورها ضمن إطار الفصل السابع يصبح الإلزام تطبيقيا، وليس نظريا وحسب. ثم إن محكمة العدل الدولية والعديد من المنظمات المتخصصة التابعة لمنظومة الأمم المتحدة مخولة بإصدار الأحكام والقرارات ذات الطابع الإلزامي في مجال اختصاصها، في حين أن المحاكم الدولية الخاصة والتي تقام لمعالجة قضايا محددة تصدر بدورها أحكاما نافذة.

ولكن هذا كلّه لا يعني أن المجموعة الدولية ذات صفة كيانية، أو أن على رأسها حكومة عالمية، وإن في طور النشوء. فافتراض الأعلوية للشرعية الدولية هو نتيجة اعتبارات ذاتية في الثقافات التي تفترضها، وليس إقرارا بواقع متفق عليه.

ومن حيث المعطيات، فإن المرجعية العليا للشرعية الدولية، ذات الأهلية لإصدار القرارات ولتأسيس الهيئات والمنظمات التابعة للمنظومة الدولية، هي في مجلس الأمن الدولي وفي الجمعية العمومية للأمم المتحدة. أما مجلس الأمن، فامتلاك خمسة أعضاء فيه لحق النقض (بما في ذلك فرنسا وبريطانيا لأسباب تاريخية) ينفي أية سلطة فعلية للأعضاء غير الدائمين، ويجعل من مجلس الأمن محفلا لإبراز توافق الأعضاء الدائمين أو خلافهم. أي لا ينفع على الإطلاق، إلا من حيث الرمز الهلامي، أن يتفق ١٤ من أعضاء المجلس على مسألة ما إذا اعترض عليها أحد الأعضاء الدائمين، ما ينفي عنها صفة الشرعية الدولية. أما الجمعية العمومية، إذ يفترض أن توازن مجلس الأمن، رغم أن قرارتها في معظمها غير ملزمة، فهي تضم قرابة المئتين من الأعضاء لكل منهم صوت على التساوي عند التصويت. أي أن إحدى جزر المحيط الهادي ببضعة آلاف من المواطنين تحظى بصوت يعادل حصة الصين أو الهند في حين أن تعداد السكان في كل منهما يبلغ المليار ونيّف. ثم إن الجمعية العمومية لا يسعها زعم تمثيل مواطني كافة الدول، وإن بهذا التفاوت الشاسع بالمقادير، حيث أنها تجمع الدول ذات الأنظمة التمثيلية الصادقة بأخرى ذات أنظمة استبدادية لا اعتبار فيها لرأي المواطن. هي جمعية عمومية للدول إذن لا للأمم، ولا للمواطنين في أرجاء العالم. فللمحافظة على القيمة الرمزية وحسب لقراراتها، لا بد من تجاوز وجهي قصورها هذين أو تجاهلهما.

والموقف السائد في الولايات المتحدة من الشرعية الدولية والمؤسسات التي تأويها ينقسم إلى توجهين. التوجه الأول يرى العلل والقصور، ولكنه يعتبرها قابلة للتذليل، ويرى الخير في أن الأسرة الإنسانية، وإن بأشكال ناقصة، قادرة على التلاقي، فيدعو صراحة إلى تعزيز الإيجابي والقبول بالمرجعية الدولية شرط توافقها مع القيم العليا للولايات المتحدة. بل لا يرى حرجا في هذا الشرط سيما وأن قيام الإطار الدولي جرى بمبادرة من الولايات المتحدة، سواء عصبة الأمم أو الأمم المتحدة، بناء على قيمها. أما التوجه الثاني، فيتساءل عن إمكانية تجاوز العلل، بل عن جدوى السعي إلى ذلك، ويرضى بالشرعية الدولية وحسب كتأطير غير ملزم إلا في حال اعتماده صراحة من السلطة التشريعية الاتحادية المنتخبة من الجمهور الأميركي، أي الكونغرس. وعلى هامش هذين التوجهين شريحة ترى إلزامية الشرعية الدولية، وهي ذات تأثير ضئيل، وأخرى ترى رفضها القطعي جملة وتفصيلا على أنها انتهاك للسيادة الوطنية. ولهذه الشريحة السالبة، على هامشيتها، أصداء في أوساط المجتمع تتجاوز الشريحة الواجبة بمقادير.

أما في الإطار الثقافي العربي، فيمكن اختزال توزع المواقف إزاء الشرعية الدولية إلى ثلاثة توجهات، بينهما اثنان هامشيان وثالث سائد. التوجه الهامشي الأول أقرب إلى النظري منه إلى المتحقق، هو القائل بأن الشرعية الدولية قائمة وواجبة للطاعة. فانطلاقا من هذا التوجه يجوز مثلا دعوة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن جرائم وتجاوزات، بل الإمساك بزمام الأمور وصولا إلى سحب السيادة من دولة ما، كما في الدعوة إلى استلام القدس أو ما يتعداه. أما التوجه الهامشي الثاني، فهو القائل إن الشرعية الدولية باطلة أصلا وفعلا، وإنها خديعة لتحقيق مآرب ومكائد، سواء طرح بديل لها، وهو مرجعية الشريعة الإسلامية على الغالب، أم لم يطرح.

يبقى التوجه السائد الغالب في عموم الثقافة العربية، وهو أن الشرعية الدولية واجبة بديهيا، ولكن تطبيقها غير مكتمل لأن ثمة من يطوعها ويستبيحها لمصالحه الذاتية أو لصون مصالح حلفائه، كما الولايات المتحدة في حمايتها لإسرائيل، أو روسيا في نقضها لما يدين النظام القاتل في دمشق.

بل الواقع أن المرجعية المبدئية للحركات الثورية في الزمن القومي والأممي، وللحراك السياسي والاجتماعي قبله وبعده، كانت ولا تزال الشرعية الدولية وفق التوجه السائد، رغم أن هذه الشرعية الدولية المفترضة لم تأت بالنتيجة المرجوة لا في القضايا المصيرية ولا في الشؤون الحياتية.

والمفارقة هي أن الثقافة الأميركية بمجملها تقلل من شأن الشرعية الدولية، رغم أن الولايات المتحدة هي أحد الأطراف المقررة لهذه الشرعية، بل الطرف الأول، في حين أن الثقافة السياسية العربية تثمن هذه الشرعية الدولية، وإن لم تجن منها قط ما يبرر هذا التثمين.

وقد يعود أصل هذه المفارقة وهذا الاختلاف إلى الرصيد السياسي المغاير في السياقين. ففي الإطار الأميركي، إذ تشكلت التجربة السياسية على أساس السيادة المحلية المبنية على المواطن كأصل للسلطة، إذ له الانتخاب والمساءلة والسيادة، فيما السلطات، على مستوى الولايات كما على المستوى الاتحادي متفرعة منه. فالانتقال من المستوى الوطني الاتحادي إلى "الشرعية الدولية" لا يتم بناء على قراره الانتخابي، بل هو بأحسن الأحوال بفعل تفويض مشروط لمن انتخبه، أي الكونغرس، فهو بالتالي أقل وطأة ووزنا واعتبارا من "الشرعيات" التي تم اختيارها مباشرة، المحلية والولايتية والاتحادية.

أما الثقافة السياسية العربية فهي، وإن أرادت إسقاط الأنظمة في أحيان، فإنها على ما يبدو لم ترد إلى الآن إسقاط الأبوية، بل هي تستعيض عن أبوية بأخرى. فالملكيات العربية صادقة بتسمياتها، على رأسها ملك يملك ويحكم. أما "الجمهوريات"، فأكثرها تملكها وتحكمها "القيادات". والحديث هو عن "القيادة" والقائد، ومكانته مكانة الأب، والأصح أن تسمّى "قياديات" وليس جمهوريات. والأبوية تتجاوز الإطار الوطني، فالطوائف والعشائر لها قادتها وكل قائم مقام الأب، والأحزاب لها قادتها وهم كذلك آباء للأخوة والرفاق، والقائد الأب هو السيد، فيما المواطنون، والأصح الرعايا، هم بالتالي الأبناء (الأطفال؟) المسيدون. وكلما أرادت الثقافة السياسية العربية الاستعاضة عن قائد مرذول، جاءت بقائد مفضل، فهذا أب وذاك أب، والأسرة، وهي المقاربة المعتمدة للوطن، بحاجة إلى أب. وقد تكون قمة هذه الاستعاضات التمسك بمفهوم "شرعية دولية" أبوية عليا تقوم مقام الفضل بعد تهافت ما دونها.

وفي حين إن هذه القراءة لأصل تقديس الشرعية الدولية في الثقافة العربية ليست جامعة مانعة، فمما لا شك فيه أن الثقافتين العربية والأميركية تبقيان عاجزتين عن الحوار في شؤون عدة، ولا سيما ما يطال منها القضية الفلسطينية، ما لم تتفقا ألا تتفقان في شأن الشرعية الدولية.

--------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.