تظاهرات لطلاب إيرانيين في جامعة طهران
طلاب إيرانيون يتظاهرون ضد نظام الرئيس روحاني_أرشيف

بقلم عماد بوظو/  

رغم أنه لم يمض سوى بضعة أيام على الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من مدينة مشهد ضد نظام الحكم في إيران، لكن الآثار التي ترتبت عليها حتى الآن من الصعب حصرها على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، إلى درجة أنه ليس من المبالغة توقع أن الشرق الأوسط بعد 28 ديسمبر 2017 سيختلف عما قبله مهما كانت النتيجة التي ستنتهي إليها هذه الأحداث.

على المستوى الإيراني الداخلي فقد ظهرت إلى العلن حالة الرفض الشعبي الواسع لنظام آيات الله، فمجرد خروج عشرات الآلاف بالمظاهرات رغم معرفتهم بطبيعة النظام الذي يواجهون، وقابليته لاستخدام أقسى الوسائل لقمعهم يعطي فكرة عن الدرجة التي وصلوا إليها في معارضتهم له، وقد عبر بعض المتظاهرين صراحة عن ذلك بقولهم: اقتلونا فنحن خرجنا لنموت، كما كشفت هذه الأحداث الحجم الكارثي للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إيران، ورغم أن الإحصائيات كانت تتحدث عن أن نسبة البطالة تتجاوز عشرين بالمئة، وأن أربعين في المئة من الشعب الإيراني يعيشون تحت خط الفقر، إلا أن الأحداث أظهرت أن هذه النسب ربما تكون أقل من الواقع، كما كشفت وجود شريحة أخرى وهم المعدمون الذين ليس بإمكانهم تأمين الحد الأدنى لمتطلبات الحياة، والذين يعيشون في العشوائيات والمقابر وعددهم ليس بقليل، في بلد غني وموارده تكفي كي ينعم شعبه بالرفاه، كما كشفت الاحتجاجات حجم فساد المسؤولين الإيرانيين، فقد أفلست في عام 2017 فقط خمسة مصارف وصناديق استثمارية كبيرة في إيران مما أدى إلى فقد 2.5 مليون أسرة لأموالها، وهذه المؤسسات كان يديرها كبار الملالي وجنرالات الحرس الثوري، ولم تتم محاسبة أحد منهم نتيجة لذلك، وقبل الاحتجاجات بأيام اتهم أحمدي نجاد رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني وشقيقه رئيس البرلمان علي لاريجاني بنهب المال العام.  

كما كشفت هذه الأحداث أن الأزمات التي تعاني منها إيران وحالة رفض النظام القائم تشمل كل إيران، فقد انتشرت المظاهرات في طول البلد وعرضه بسرعة قياسية، كما أزالت هذه الاحتجاجات الحواجز بين المكونات المختلفة للشعب الإيراني من الفرس للأذر للكرد والعرب والبلوش ووحدتهم في مواجهة السلطة، بشكل يختلف عن الاحتجاجات السابقة، كما رفعت هذه الانتفاضة شعارات جذرية من البداية مثل الموت للديكتاتور خامنئي، ولا نريد جمهورية إسلامية، وهذه الشعارات لا سابق لها في الاحتجاجات التي شهدتها إيران منذ قيام هذه الجمهورية عام 1979، حتى أنه تم هذه المرة حرق صور الخميني مؤسس الدولة، كما كان من المؤشرات ذات الدلالة أيضا رفض الطابع الديني لنظام الحكم، حيث تكررت عمليات إحراق لبعض الحوزات والمقامات من قبل مواطنين شيعة، أي أنهم يعتبرونها مقرات لسلطة سياسية وليست مراكز دينية، وبالإضافة لاختيار بعض النساء الإيرانيات التعبير عن رفضهن للنظام الإسلامي من خلال نزع الحجاب، وكان من اللافت مشاركة المدن المقدسة في هذه الاحتجاجات فالبداية كانت من مدينة مشهد وسرعان ما انتقلت إلى مدينة قم حيث يقيم كبار آيات الله وهناك هتف المتظاهرون لا نريد جمهورية إسلامية، كما لوحظ فشل النظام الإيراني في حشد مظاهرات مضادة ضخمة كما اعتاد سابقا، ومن استطاع إخراجهم في مسيرات التأييد كانوا بأغلبيتهم من المعممين والكهول المفتقدين للحماسة. 

على المستوى الإقليمي فقد انطلقت هذه المظاهرات في أسوأ الأوقات بالنسبة لحلفاء المحور الإيراني، ففي لبنان كانت هناك ملامح تململ عند الحاضنة الشعبية لحزب الله تجلت في 27 أكتوبر 2017 باحتجاج علني وغير مسبوق لبعض أهالي الضاحية الجنوبية في بيروت وجهوا فيها اتهامات لحزب الله باستغلال زوجات قتلى الحزب، كما عبروا عن استيائهم من تدخله في سوريا، وتم فيها شتم حسن نصر الله شخصيا، ورغم أن أغلب هؤلاء قد ظهروا في تسجيلات بعد يومين يعتذرون فيها تحت الترهيب عما قالوه، لكن هذا لم يستطع تغيير الانطباع بأن حقيقة مشاعرهم وآراءهم هي ما قالوه بعفوية في المرة الأولى أثناء احتجاجهم، وأن شعبية حزب الله ليست في أحسن أحوالها، كما كانت الضغوط تزداد على حزب الله من حلفائه في لبنان لإيقاف تدخلاته الإقليمية واتباع حقيقي لسياسة النأي بالنفس، وهناك فوق ذلك انخفاض في تمويل حزب الله نتيجة أزمة إيران الاقتصادية والتضييق على شبكاته الدولية. في هذه الظروف تم تحديد موعد الانتخابات البرلمانية اللبنانية في مايو المقبل والتي ستضع الحزب أمام اختبار صعب، والصور القادمة من إيران لن تخدم حزب الله، أما في سوريا التي كان الانسحاب منها أحد المطالب الرئيسية للمحتجين، نتيجة معرفتهم أن كلفة هذا التدخل كانت باهظة وتفوق إمكانية بلد مثل إيران، حيث تتفق أغلب التقديرات على أن إيران أنفقت فوق الثلاثين مليار دولار على تدخلها في سوريا حتى الآن. وهناك ضغوط دولية لإيجاد حل حقيقي للقضية السورية بعد انتهاء الحرب على داعش، وهذا لم يكن يروق سابقا لإيران، لكن بعد هذه الاحتجاجات أصبحت خيارات الحكم الإيراني أضيق من السابق، كما كانت روسيا قد حددت نهاية يناير موعدا لمؤتمر سوتشي لمناقشة الحل السياسي وكانت تستخدم نفوذها للضغط على المعارضة لدفعها للموافقة على أي شيء يعرض عليها، ولكن دلالات ما حدث في إيران قد غيرت حسابات جميع الأطراف المهتمة بهذا المؤتمر بما لا يخدم مصلحة روسيا أو إيران. 

في العراق كانت قد ظهرت خلال الفترة الماضية دعوات من قوى سياسية مختلفة بينها أحزاب شيعية للتقارب مع الدول العربية والتأكيد على الهوية العربية لشيعة العراق، مثل التيار الصدري وعلاوي وغيرهما، وبعد أحداث إيران لا بد أن هذه الأصوات ستكون أقوى من السابق وسيخفت بالمقابل صوت التيارات المرتبطة بإيران، خصوصا نوري المالكي المتهم من قبل العراقيين بالفساد والثراء على حساب معاناة العراقيين على طريقة أقرانه من المسؤولين الإيرانيين، وكذلك هناك انتخابات في العراق في شهر مايو المقبل، ولابد أن يكون لاحتجاجات إيران تأثير على تحالفاتها ونتائجها، قبل هذه الاحتجاجات لم تكن أوضاع اليمن تسير في مصلحة إيران وحلفائها نتيجة إطلاق الصاروخ الإيراني على مطار الرياض، وقيام الحوثيين بقتل علي عبد الله صالح، والاحتجاجات الإيرانية ستسرع في إلحاق الهزيمة بالمشروع الحوثي. أما تركيا فقد اضطرتها الانتفاضة الإيرانية إلى الكشف علنا عن تحالفها السري والقديم مع النظام الإيراني، وأعلنت وقوفها ضد الاحتجاجات التي اعتبرتها مؤامرة خارجية، كما أن نظام الحكم التركي كجزء من الإسلام السياسي لا تناسبه شعارات من نوع لا نريد جمهورية إسلامية، ولا تروقه أي تظاهرة ضد الحكومات، خصوصا وأن أردوغان يدخل عامه السابع عشر في السلطة كحاكم مطلق وحيد لتركيا، وقطر التي كانت تسير نحو تمتين علاقتها مع إيران بعد خلافها مع السعودية والإمارات وجدت نفسها بعد مظاهرات إيران في وضع لا تتمناه حيث أن وقوفها علانية مع قناتها الجزيرة في صف النظام الإيراني وضد المزاج الشعبي لشعوب الشرق الأوسط بما فيهم الشعب الإيراني قد لا تكون فكرة صائبة. 

دوليا الخاسر الأكبر مما جرى في إيران هو فلاديمير بوتين للكثير من الأسباب، فالوضع الإيراني مشابه من نواحي عدة للوضع الروسي خصوصا من ناحية دفع تكاليف اقتصادية باهظة من أجل لعب دور دولي أكبر، والوضع الاقتصادي والمعيشي في روسيا قريب من الوضع الإيراني، فالحد الأدنى للأجور في روسيا يعادل 130 دولارا فقط، والتي يعيش عليها خمسة ملايين شخص، ولا تكفي لتأمين الحدود الدنيا للمعيشة، وتقول دراسة لمدرسة الاقتصاد العليا في موسكو إن أربعة من كل 10 مواطنين في روسيا ضمن شريحة الفقراء أو المعدمين، بينما الإحصائيات الحكومية تدعي أن النسبة فقط 13 بالمئة من السكان أي 19 مليون مواطن، ويتشابه البلدان في انتشار الفساد على أعلى المستويات وانعدام المحاسبة. يقول خبراء الوضع الروسي إن سبب تدخل بوتين العسكري في سوريا وأوكرانيا كان بهدف إفشال الثورات وعدم السماح بتغيير الأنظمة من خلال الاحتجاجات الشعبية، خوفا من انتقالها إلى روسيا نفسها، ورغم كل ما كلفته مغامراته الدموية في هذين البلدين، ها هي مظاهرات لم يكن يتوقعها تطرق أبواب بلد يعتبره حليفا استراتيجيا له هو إيران، أما من ناحية الاتحاد الأوروبي فقد كان الأوروبيون يعتزمون الدخول للسوق الإيرانية بعد الاتفاق النووي، وتريثوا قليلا بعد فوز ترامب بانتظار وضوح سياسته تجاه إيران، الآن أصبحت إمكانية الاستثمار الأوروبي في السوق الإيرانية أقل احتمالا مع اتضاح عدم استقرار الوضع الإيراني على المدى المتوسط. وفي الولايات المتحدة هناك صراع بين تيار يريد تبني سياسة حازمة تجاه إيران على رأسه ترامب وتيار تقليدي حذر موجود على كل مستويات السلطة يحاول دائما كبح هذه الرغبات عند الإدارة، اليوم مع هذه الاحتجاجات ومع استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين ستقوى حجة تيار الرئيس وستتجه الولايات المتحدة لمزيد من التصعيد مع إيران، وخلال الأيام الأخيرة أعرب أكثر أعضاء الإدارة والكونغرس عن تضامنهم مع هذه الاحتجاجات، أي أصبحت الظروف مواتية عند هذه الإدارة لترجمة أقوالها تجاه إيران إلى أفعال. 

بغض النظر عن نتيجة هذه الاحتجاجات فإن ما كشفت عنه حول الأزمات التي تعيشها إيران لا يمكن تغييره، والنظام في إيران قد خسر الكثير من هيبته في جميع الأحوال، كما أن استمراره في سياساته السابقة لن يكون خيارا حكيما، ومنطقة الشرق الأوسط أمامها مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها النهائية بعد. 

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.