جانب من مظاهرة لطلاب جامعة طهران السبت
جانب من مظاهرة لطلاب جامعة طهران السبت

 بقلم ديفيد بولوك/

فيما تستمرّ تظاهرات الشارع ضدّ النظام في إيران، اتّسمت ردة فعل الإعلام العربي الرسمي حتّى الآن بالتحفّظ بشكل مفاجئ. فعلى سبيل المثال، لم تحثّ افتتاحية بارزة هذا (الأسبوع الماضي) لعبد الرحمن الراشد على الموقع الإلكتروني الإعلامي السعودي الرئيسي "العربية" على تغيير النظام، بل بالكاد دعت إلى تغييرات سياسية في طهران.

قد يعكس هكذا تحفّظ مخاوف عربية راسخة من تظاهرات شعبية "معدية" تؤدّي إلى تكرار الربيع العربي المشؤوم بغالبيته والذي تلي التحرك الأخضر الإيراني في منتصف العام 2009 بعد أكثر من سنة بقليل. كما قد تشير إلى عدم استقرار مفهوم حول اتجاه الاضطرابات الإيرانية الحالية، غير أنه من الأرجح أنّ الحذر العربي الرسمي نابع من مخاوف من الثأر الإيراني من أي شماتة أو تدخّل خلال هذه الأزمة.

وبالرغم من ذلك، وراء هذه المقاربة الرسمية الخجولة، يستطيع معظم القادة العرب التأكّد من أنّ شعوبهم لا تكنّ أي تعاطف تجاه النظام الإيراني. فعلى العكس، يظهر استطلاعان منفصلان أجراهما العام الماضي "معهد واشنطن" ومؤسسة "زغبي الدولية" كرها عربيا شعبيا كبيرا حيال الحكومة الإيرانية - على الصعيدين العام وذلك المرتبط بسياساتها ووكلائها الإقليميين المعيّنين. لذا، فإن اتخاذ خطوات جديدة من قبل الإدارة الأميركية ضد النظام الإيراني ستحظى بدعم عربي شعبي واسع. أمّا الاستثناءات الرئيسية الوحيدة لهذه القاعدة فهي ما يقارب مليوني شخص من المواطنين الشيعة في لبنان وحوالي 400 ألف شخص في البحرين الذين عادة ما يعبّرون عن آراء موالية جدّا لنظرائهم القادة السياسيين الشيعة سواء داخل إيران أو خارجها.

تتّسم وجهات النظر حيال "سياسات إيران الحالية في المنطقة" بكونها سلبية بشكل كبير في معظم البلدان العربية التي قمت باستطلاعها مؤخرا لـ" معهد واشنطن". ويشمل هذا ما يزيد عن 80 إلى 90 بالمئة من الجمهور في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة. وعلى وجه الخصوص في البلدان الثلاثة الأخيرة، وحتّى وسط أقليّاتها الشيعية، فقد عبّر أقلّ من نصفهم عن رأي موال للسياسة الإيرانية.

ولكن خلافا لذلك، تُعتبر الآراء تجاه سياسات إيران أكثر استقطابا بكثير من حيث الطائفة في لبنان والبحرين حيث يشكّل العرب الشيعة أكثرية أو غالبية من مجموع أهل البلاد. ففي لبنان مثلا، يقول 82 بالمئة من الشيعة، و7 بالمئة فقط من السنّة، إنّهم يؤيّدون هذه السياسات، أمّا وسط المسيحيين فالنسبة هي في الوسط بمجموع يبلغ 37 بالمئة. وعلى نحو مماثل، تؤلّف وجهات النظر الإيجابية حيال سلوك إيران الإقليمي في البحرين 68 بالمئة من الشيعة، مقابل مجرّد 2 بالمئة من السنّة في هذه الجزيرة الصغيرة لكن الاستراتيجية.

وعلى نحو لافت، تتّسع المعارضة الشعبية العربية الغالبية لإيران لدرجة تأييد احتمال تشكيل تحالف مع إسرائيل ضدّ هذا العدوّ المشترك. ففي شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، سأل استطلاع لـمؤسسة "زغبي الدولية"، التي لا يستطيع أحد اتهامها بالتحيّز لإسرائيل، ستة جماهير عربية مختلفة حول "تحالف بين إسرائيل والحكومات العربية لمكافحة التطرّف ومحاربة التدخّل الإيراني في المنطقة". في مصر، قالت نسبة 59 بالمئة إنّ "هذا قد يكون "مرغوبا" إن نفّذت إسرائيل مبادرة السلام العربية ووضعت حدّا لاحتلالها للأراضي الفلسطينية". أمّا في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وحتّى العراق، فقد أكّد نصف الجمهور على هذا الرأي. في حين كانت النسب أقلّ بقليل فقط في البلدين الآخرين المستطلعَين: 40 بالمئة في لبنان و35 بالمئة في الأردن.

كما اتّسمت المواقف حيال سياسات إيرانية معيّنة في سوريا والعراق بالسلبية بشكل واسع، وذلك بحسب آخر استطلاع لـمؤسسة "زغبي الدولية". وتؤكّد غالبية ثابتة في الأردن وغالبيّات كبيرة في مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، إنّها تعارض دور إيران في كل من سوريا والعراق. إلّا أنّ المثير للاهتمام هو أنّ العراقيين أنفسهم يعارضون بشكل كبير دور إيران في بلادهم، وذلك بهامش 46 إلى 36 بالمئة. ويعارضون دور إيران في سوريا بهامش أكبر بكثير: 55 إلى 22 بالمئة.

كما أنّ الآراء في الخليج حيال سياسات إيرانية أخرى والرد الأميركي المرغوب فيه عليها هي جديرة بالذكر أيضا. ففي ما يتعلّق بخلاف الدول العربية مع قطر، يظهر استطلاع "معهد واشنطن" أنّ الغالبيات في السعودية والإمارات العربية المتحدة وحتّى قطر نفسها يتّفقون على أنّ "الأهمّ في هذا الوضع هو التوصّل إلى أقصى درجة من التعاون العربي ضدّ إيران". ولدى سؤالهم عن أولويّاتهم حيال السياسة الأميركية الخارجية، اختارت أكثريّة من السعوديين والإماراتيين خيار "زيادة معارضتها العمليّة لتأثير إيران ونشاطاتها الإقليمية". لقد وضعوا هذا الهدف في مقدّمة كافة المسائل الأخرى المذكورة: فلسطين أو اليمن أو مكافحة الإرهاب أو مجرّد التخفيف من التدخّل الأميركي في المنطقة. 

كانت المواقف الشعبية العربية ككل حيال حليفَين إقليميين رئيسيين لإيران، وهما "حزب الله" والحوثيون في اليمن، سلبية بشكل متوازٍ، وذلك وفقا لاستطلاع "معهد واشنطن". ففي مصر والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين، قال 80 إلى 90 بالمئة إنّهم يعارضون الحركتين. وبشكل ملحوظ في البلدين الأخيرين، يتشارك هذا الرأي السلبي المواطنون الشيعة أيضا وبشكل كبير. وفقط في لبنان تعكس هذه المواقف تجاه وكيل إيران المحلّي هذا الانقسام الطائفي؛ إذ يؤكّد 88 بالمئة من اللبنانيين الشيعة تأييدهم لـ "حزب الله"، في حين تقول النسبة العالية نفسها تقريبا من سنّة البلاد، 85 بالمئة، إنّها تعارضه.

من حيث المنهجية، شمل كل من استطلاعات "معهد واشنطن" ومؤسسة "زغبي الدولية" مقابلات خاصة وجها لوجه مع عيّنات وطنية تمثيلية تتألّف من حوالي 1000 مشارك في كل بلد. استخدم استطلاع " معهد واشنطن " منهجية عينية أرجحية جغرافية متعددة المراحل ونموذجية. أما استطلاع مؤسسة "زغبي الدولية"، وبحسب ممثّلها الرسمي جيمس زغبي، فقد استخدمت تقنية عينية حصصية موثوقة بشكل أقل. تتوفّر التفاصيل المنهجية الكاملة لاستطلاع " معهد واشنطن " من الكاتب نفسه عند الطلب.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(FILES) In this file photo taken on April 19, 2020, an Egyptian doctor wearing two protective masks checks a patient's lung X…

أزعجني بشدة ما قرأته في صحيفة الدستور من اتهام للدكتورة نانسي النفيلي بالانضمام لجماعة إرهابية. د. نانسي هي حماة الدكتور وليد يحيى، الذي توفي بسبب إصابته بفيروس كورونا منذ أيام. وقد جاء الاتهام على خلفية تعليق كتبته على موقع فيسبوك معبرة عن غضبها من التقصير في علاجه وفي توافر أدوات الوقاية الشخصية في المستشفيات.

فقد كتبت "كلكم قصرتم كلكم قتلتموه. وليد جوز بنتي كان شاب زي الفل، أب لطفل عمره خمس شهور نازل شغله الأحد اللي فات فيندفن النهاردة (الاثنين 25 مايو 2020).. أبسط وسائل حماية الطبيب في المستشفى ترمومتر زي اللي موجود في المطارات... والله سخن ما يشتغلش... مين اللي هيطلع يعمل تلاتين حلقة ويصرف مليارات على دور وليد والجيش الأبيض. أقسم بالله لاختصمنكم يوم القيامة أنا وحفيدي اللي يتمتوه".

وقد أصيب الدكتور وليد بالمرض أثناء عمله في مستشفى المنيرة بالقاهرة وتدهورت حالته سريعا قبل أن يتوفاه الله. ومن العجيب أن صحيفة الدستور قد اعتبرت هذا التعليق البسيط والعادي بمثابة وثيقة إدانة لتهمة في منتهى الخطورة، على حد وصف عنوان المقال والذي جاء فيه: "وثيقة تكشف انتماء نانسي النفيلي حماة الطبيب المتوفي لـ "الإرهابية"

والحقيقة أن المقال لا يفتقر فقط إلى الحد الأدنى من مهنية الصحافة من تدقيق للمعلومات وعدم قذف الناس بتهم باطلة، ولكنه لم يراع حتى أبسط قواعد الذوق والإنسانية، حيث قام بالهجوم على إنسانة تمر بحالة نفسية قاسية نتيجة لصدمتها في وفاة زوج ابنتها الشاب الثلاثيني، فضلا عن حالتها الصحية المتأزمة بسبب إصابتها هي شخصيا بفيروس كورونا.

التعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء

للأسف هذا المقال لم يكن الوحيد الذي هاجم الذين تحدثوا عن نقص الإمكانيات المتاحة للأطقم الطبية في مواجهة الوباء. فيبدو أن نغمة تخوين المعارضين لسياسات التعامل مع كورونا تتزايد بوضوح في الأيام الأخيرة. فالرسالة واضحة، عليك أن تمدح كل ما يحدث، وإلا فأنت خائن وعميل!

البعض اتهم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمنسقة العام لحركة أطباء بلا حقوق، بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين بسبب فيديو لها على موقع فيسبوك، طالبت فيه بتوفير أدوات الوقاية الشخصية اللازمة لحماية الأطباء مثل الكمامات الوقائية، وتعديل بروتوكول إجراء تحاليل كورونا للأطقم الطبية، وسط مطالب أخرى للأطباء لمواجهة الأزمة.

ورغم عدم معقولية الاتهام وعبثيته خصوصا وأن مينا مسيحية الديانة، إلا أن البعض قرر أن يتجاهل الحد الأدنى من المنطق في الحوار. ويتفرغ للهجوم على المعترضين واستهداف شخوصهم والتشهير بهم باعتبارهم خونة يتركون ساحة المعركة ويهربون. فقد قام أحد المحامين بتقديم بلاغ ضدها وكتب في نصه: "اختارت أن تحبط جيش مصر الأبيض من خلال الهجوم عليهم وعلى القطاع الصحي في مصر من خلال القنوات المعادية للدولة المصرية".

البروتوكول الحالي يشترط شرطين لإجراء التحليل، وهما ظهور الأعراض ومخالطة حالة إيجابية. وحيث أنه من الممكن أن يكون الشخص حاملا للفيروس ولا تظهر عليه الأعراض على الإطلاق أو تظهر عليه بعد عدة أيام. فقد يؤدي ذلك إلى عدم اكتشاف الحالات المصابة أو على الأقل التأخر في اكتشافها، والذي بدوره يؤدي إلى مزيد من الانتشار للمرض، خصوصا لو كان حامل المرض طبيبا يتعامل مع العشرات أو المئات يوميا.

وربما يفسر نقص عدد الاختبارات والعقبات العديدة لإجرائها ارتفاع نسبة الوفيات في مصر، التي تزيد عن 4 في المة من إجمالي عدد المصابين، بحسب الأرقام الرسمية. فالاكتشاف المُتأخر للمرض يؤدي إلى فرص أقل في التعافي وبالتالي زيادة الوفيات. فضلا عن أن الأرقام المعلنة للإصابات والوفيات هي أقل بكثير من الأرقام الحقيقية نظرا لسياسة تحجيم إجراء الاختبارات، فمصر أجرت حتى الآن 135 ألف اختبار في بلد يزيد سكانه عن المئة مليون، بمعدل 1322 اختبار لكل مليون مواطن وهو معدل ضئيل جدا.

يستحق الأطباء منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب

والحقيقة أن آخر ما تحتاجه مصر في ظل وباء شرس يهدد حياة الجميع سواء من كان معارضا للنظام أو مؤيدا له هو تحويل نقاش حول نقص الإمكانيات الطبية وسياسات التعامل مع كورونا إلى نقاش حول الوطنية والخيانة والاتهامات بالانضمام للجماعات الإرهابية. فنحن نتعامل مع فيروس يمكن أن يصيب ويقتل دون تفرقة، والتعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء.

فحتى كتابة هذا المقال توفى أكثر من 20 طبيبا بسبب فيروس كورونا وأصيب أكثر من 350 بحسب الأرقام المعلنة، فضلا عن الإصابات والوفيات وسط الأطقم الطبية من تمريض وإداريين وفنيين وعمال، الذين كثيرا ما يتم تجاهلهم وتجاهل دورهم.

كل فرد من هؤلاء لديه أهل وأصدقاء، يذهب كل يوم إلى عمله وهو يعرف أنه قد يُصاب بمرض لم يجد له العلم علاجا بعد، ويدرك أنه قد يتسبب أيضا في عدوى أو حتى وفاة أقرب الناس لقلبه، لا قدر الله، عندما يعود إلى منزله.

هؤلاء بكل ما يقدمونه من تضحيات ومخاطرة بحياتهم يستحقون منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب. فحتى لو كنت لا تقبل هذه الفكرة من منطلق العرفان بالجميل، فلتتقبلها من منطلق المصلحة الشخصية، فلو سقط هؤلاء سنهلك جميعا، فهم حائط الصد الأخير بيننا وبين الانتشار الواسع للوباء.