مشهد من بيروت
مشهد من وسط العاصمة اللبنانية بيروت

بقلم فارس خشان/

لا دولة في العالم تشبه لبنان.

يحتفل بالتحرير، على الرغم من أنه لا يزال يصنف نفسه في قائمة الدول المحتلة أراضيها.

يجزم بديموقراطية نظامه، ولكن على قاعدة إرفاق الديموقراطية بشروط "التوافقية"، حيث لا فرق بين أكثرية وأقلية، في تكوين السلطة.

يشيد بجيشه وبقدراته، ولكن مع وجود ميليشيا بوظيفة عسكرية كاملة إلى جانبه.

يتنازع رؤساؤه الدستوريون الصلاحيات، ولكنّ فيه قائدا فوق كل صلاحية. يتمسك باتفاق الطائف، ولكن هذا الاتفاق يحتاج إلى اتفاق.

أنجز سلمه ويرجم، في كل 13 نيسان/أبريل، ذكرى الحرب التي اندلعت في العام 1975، ولكنه يواجه حروبا كثيرة، باردة في معظم الأحيان ولكن، عند الحاجة تسخن.

ما هذه اللعنة؟

التدقيق يقودك، فورا، إلى جواب واحد: التموضع.

عندما شاء لبنان أن يحمي نفسه من الحريق السوري، سارعت الأطراف اللبنانية إلى كتابة تعهد نأي بالنفس سميّ بـ"إعلان بعبدا".

هذا الإعلان، وفي سياق محاولة تكريسه بقرار صادر عن مجلس الأمن، أسقط شهيدا هو الوزير السابق محمد شطح الذي كان يعمل من أجل "تدويله"، بعدما كان البيان قد حاز على مباركة المنظمة الأممية.

بعد فترة قصيرة، وفي ظل استدعاء "حزب الله"، كذراع من الأذرع الإيرانية، للدخول طرفا في الحرب السورية، وضع "إعلان بعبدا" في الأرشيف. أصبح مجرد ذكرى.

لاحقا، ولإعانة الرئيس سعد الحريري على تمزيق "استقالة الرياض" من رئاسة الحكومة، خرج مجلس الوزراء اللبناني ببيان تتعهد فيه الأطراف المشاركة بالنأي بنفسها عن المحاور التي تتصارع في الإقليم.

لكن، هذا البيان الذي حاز على مباركة المجتمع الدولي الذي التأم أبرز مكوناته، في باريس وبجهود من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سرعان ما وضع، هو الآخر، في الأرشيف، لأن "حزب الله"، المعني شبه الوحيد بالتعهد، إنما سهل إخراجه اللفظي ليتمكن الحريري من مواصلة رئاسة الحكومة، لا أكثر ولا أقل.

وهذا اللجوء الدائم إلى مفهوم "النأي بالنفس" كلما استشعر لبنان بتداعيات سلبية للانقسامات الإقليمية الملتهبة، يظهر، من دون شك، أن التموضع هو لعنة لبنان التي تمنع إقامة دولة طبيعية، وتاليا تحول دون تمكين شعبه من التمتع بما يفترض بكل مواطن أن يتمتع به من ظروف تعينه على عيش، فيه الحد الأدنى من المقومات البديهية.

ولنترك التاريخ، بمعنى التجارب المنبثقة من زمن "اللا كيان"، جانبا، ولننظر، حصرا إلى تجارب ما بعد قيام الدولة.

هذه النظرة تؤكد، بما لا يقبل الشك، أن جميع الأزمات التي كانت تنتهي إلى التقاتل الداخلي، سببها التموضع.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر الآتي:

  1. التموضع مع مصر –جمال عبد الناصر.
  2. التموضع مع منظمة التحرير الفلسطينية.
  3.  التموضع مع سوريا –الأسد.
  4. التموضع الحالي مع إيران.

في مقابل كل ذلك، يمكن تسجيل ردود المجموعات المناوئة بمسارعتها إلى التفتيش عن توازنات يمكن أن توفرها الحمايات الخارجية ( حلف بغداد، مرورا بإسرائيل، وصولا إلى المملكة العربية السعودية).

 اللافت للانتباه أنه في غالبية الأزمات، كان النظام السياسي الرسمي، خارج هذا التموضع، ولكنه، بدا دائما، في وضعية المغلوب على أمره، والذي يبرر وجوده وشرعية استمراريته، بالسعي إلى حصر الأضرار وتخفيف الخسائر، وفق نظرية "شراء الوقت" التي تفتقد للمنطق العلمي، على اعتبار أن الوقت ليس شيئا ملموسا يمكن حيازته، وتاليا تتكدس الخسائر على اعتبار أن موهوما يقبل دائما أن يدفع ثمنا غاليا ليحصل على...وهم.

ومن الواضح، أن الأطراف الخارجية الجاذبة لتموضع أطراف لبنانيين، تلعب على الوتر الطائفي، ولو سترت ذلك بشعارات قومية.

واللعب على الوتر الطائفي هو الجاذب للمخاطر اللبنانية، فكل جماعة طائفية، تشكل ركنا من أركان النظام، وأي قرار تموضعي إنما يولد القسمة، وهذه القسمة، تنتج، عاجلا أم آجلا، التنازع و... التقاتل.

بطبيعة الحال، حتى تاريخه، تختلف التقييمات لتحديد الرحم الحقيقي المنجب للتموضع. البعض يحيله إلى الطائفية المسببة للمشاكل، فيما البعض الآخر يصر على أن الإشكالية تبدأ بالجذب الخارجي للعنصر الطائفي.

ولكن بالتدقيق، يتبين أن الجاذب الخارجي لا يكتفي بتوجيه النداء، بل يختار مجموعة، ويعمل على توفير الحماية لها، ويدربها ويمولها ويقحمها في لعب أدوار لبسط هيمنتها وفرض نفسها، ترغيبا وترهيبا، على الآخرين.

وتبدأ هذه المجموعات-وفق نموذج "حزب الله"- ضعيفة في محيطها الطائفي، ولكن قدراتها الذاتية والمستوردة، تجعلها مع الأيام قوة كاسحة ومهيمنة.

وهذا يعني أن التموضع لا يبدأ، في رحم الطوائف، بل في إرادة الخارج على استثمار هذا العامل وتخصيبه واللعب على مظلوميته.

وفي الأدب، يمكن أن يعثر المراقب على كثير من المعطيات.

وفي هذا السياق، فإن العودة إلى مؤلفات جورجي زيدان عن التاريخ الإسلامي، يعطي فكرة واضحة عن التطلع الدائم لدولة فارس، في سياق صراعها للهيمنة على الدول العربية، إلى توسل الانتشار الشيعي واستعماله واستثماره لإلحاق الوهن بالنظام العربي الحاكم.

انطلاقا من كل ذلك، فإن استشراف الاستقرار الحقيقي في لبنان، لا يبني نفسه على المثاليات وعلى الشعارات، بل على تغيير في الوضعية المشكو منها، سواء في تواضع طموحات الدول الإقليمية المتواجهة، أو في قدرة لبنان على إقامة دولة أقوى من الجميع لتتمكن من فرض النأي بالنفس على الجميع.

ويبدو أن انتظار الوصول إلى الخيار الثاني مستحيلا حتى الآن، لأن توفير القوة للدولة يفترض التوصل إلى تفاهم على إزالة العوامل الداخلية المنتجة لضعفها المستدام، بكلام آخر، فإنه، في هذه الحالة، مطلوب من الطرف المتموضع أن يبادر إلى التضحية بذاته على مذبح الدولة، وهذا مستحيل طالما أن هناك من يمده بأسباب التواجد، ويستدعيه إلى القيام بأدوار كبرى.

أما انتظار خيار "الوئام الإقليمي" فدونه عقبات كأداء كثيرة، في ظل استشعار كل طرف بأنه يملك ما يكفي من أوراق القوة للمواجهة وتاليا لفرض نفسه على الآخر.

وهذا يفيد بأن لبنان سيبقى أسيرا للعنة، ولا يمكنه أن يخرج منها إلا إذا أصابت لعنة ما المتموضع الداخلي أو الجاذب الخارجي.

وهذه اللعنة المرتجاة يمكن تسجيلها في باب المعجزات، إذا كانت تعتمد على شراء الوقت لتتمكن من انتظار ..."غودو".

وحتى تلك الساعة، لعنة التموضع سوف تنتج مزيدا من الويلات التي يخشاها الجميع.

ـــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.