فوق منارة مسجد في باندا آتشيه بإندونيسيا
فوق منارة مسجد في باندا آتشيه بإندونيسيا

بقلم د. عماد بوظو/

انقسمت كل الديانات السماوية خلال تاريخها إلى عدد من الطوائف، فالديانة اليهودية في القرن الثاني قبل الميلاد انقسمت إلى طائفتين رئيسيتين الفريسيين والصدوقيين. كان الفريسيون مثالا للإيمان الحرفي بكل ما جاء بالعهد القديم وكل ما تم تناقله سماعيّا جيلا بعد جيل، والذي رأوه معادلا بالأهمية للشريعة المكتوبة، كما آمنوا بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح ومكافأة الإنسان أو معاقبته في الآخرة حسب صلاح أو فساد أعماله في الدنيا، كما استهجنوا الجمع بين السلطتين الدينية والمدنية، أما الصدوقيين فكانوا أصغر عددا لكنهم ضمّوا نخبة من المثقفين والأغنياء، وقد اعتبرهم خصومهم خاضعين لتأثير الثقافة اليونانية حيث رفضوا تقاليد الشيوخ والشريعة الشفهية وقبلوا من العهد القديم أسفار موسى الخمسة فقط، كما أنكروا الملائكة والأرواح، ورفضوا الجبرية وقالوا بحريّة الإرادة المطلقة أي لا دخل لله في صنعنا للخير أو الشر، مع الكثير من الفروق الأخرى. في القرن التاسع عشر ظهرت ثلاث طوائف يهودية هي اليهود الأرثوذكس الذين يؤمنون بكل التوراة والتلمود وأن الله أوحى به مباشرة إلى موسى في جبل سيناء، واليهود الإصلاحيون الذين يقولون إن التلمود عمل بشري ويركّزون على التعاليم الأخلاقية والسلوكية ولا يولون أهمية للطقوس كما نبذوا الكثير من التقاليد، واليهود التراثيون ورغم أنهم يؤمنون بالتوراة والتلمود ولكنهم يدعون إلى تفسير النصوص الدينية على ضوء المعارف العلمية والثقافة الحديثة كما أنهم لا يهتمون بالطقوس ولكنهم يمارسون العادات.

كذلك انقسمت المسيحية مبكرا إلى طوائف متعددة كان أوّلها الأريوسية والتي كانت تشكّك بالثالوث المسيحي. واعتبر أريوس أن الأب والابن وروح القدس يشكلون ثلاثة أقانيم متباينة فيما بينها، حيث الروح القدس يخضع للابن الذي يخضع بدوره للأب، وقال إن الأب فقط هو الأزلي وإن الابن رغم أنه أقدس من جميع الخلائق إلّا أنه أدنى مرتبة من الأب "إله مخلوق وليس من جوهر الأب، وهو كائن وسيط بين الله والعالم المخلوق". وقد حرم مجمّع نيقية 325 م الذي ما تزال قواعده سارية لليوم عند مختلف الكنائس أريوس وأتباعه واعتبر دعواه هرطقة. اليوم هناك ثلاث طوائف مسيحية رئيسية هي الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية مع بضع طوائف أصغر، الخلافات بينها تتمحور حول انبثاق الروح القدس من الأب أو من الأب والابن معا، أو حول شفاعة مريم أو القديسين، أو الحمل بلا دنس، مع فروق في بعض الطقوس. 

الاسلام أيضا انقسم إلى طائفتين رئيسيتين هما السنّة والشيعة، ولكن الغريب في هذا الانقسام أنه لا يوجد بين هاتين الطائفتين خلافات عقائدية، فللطائفتين الرؤية نفسها لله وكتبه ورسله واليوم الآخر والثواب والعقاب، كما يتفق السنة والشيعة على أن الكتاب "القرآن" هو المصدر والمرجع الأول لأصول الدين والتشريع، كما يتفقون على أركان الإسلام والعبادات من الصوم والصلاة والزكاة والحج والعمرة، ويقومون بهذه الطقوس بالطريقة نفسها فلا فرق بين طريقة الوضوء والصلاة ولا بالصوم وشروطه، أي من ناحية الأصول والعقائد والطقوس لا يوجد أي خلاف بين الطائفتين، لكن هناك موضوع خلاف واحد فقط بينهما، فبعد وفاة الرسول محمد عام 632 ميلادي "11 هجري" نشب خلاف بين المسلمين في من هو الأحق بخلافته، والمقصود من سيخلفه بحكم الدولة الإسلامية التي كان الرسول على رأسها وليس المقصود المنصب الديني "الرسالة". فالسنّة والشيعة يتفقون على أنه لا نبي بعد محمد "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين" الأحزاب 40. من الطبيعي أن يكون علي بن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة وأول من آمن به من الفتيان من أوائل المرشحين لهذه الخلافة، وكان هناك صديق الرسول أبو بكر ووالد زوجته المفضلة عائشة، كما كان هناك زعيم الأنصار سعد بن عبادة الذي كان يرى أنه لولا احتضان الأنصار في المدينة للدعوة لما قوي عودها ولما تمكنت من الانتصار فيما بعد. بعض المراجع التاريخية تقول إن هذا الخلاف قد أخر دفن الرسول لما يقرب من ثلاثة أيام، كما تجدد هذا الخلاف عند تولية عثمان ابن عفان، وترافق مع تنافس بين وجهاء المسلمين على الثروة والمناصب خصوصا الولاية على الأمصار الغنية. 

بعد مقتل عثمان عام 35 للهجرة انتقل الصراع إلى مستويات جديدة خصوصا بعد موقعة الجمل التي قتل فيها الكثير من الصحابة، ومن هذا التاريخ أخذ الصراع على السلطة شكلا دمويا تخللته أحداث مأساوية لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها. يتحدث رجل الدين الشيعي الأستاذ محمد جواد مغنية عن آثار موقعة الجمل: "لولا موقعة الجمل لما كانت حرب صفّين والنهروان ولا مذبحة كربلاء ووقعة الحرّة ولا رميت الكعبة المكرّمة بالمنجنيق أكثر من مرّة ولا كانت الحرب بين الزبيريين والأمويين ولا بين الأمويين والعباسيين ولما افترق المسلمون إلى سنة وشيعة ولما صارت الخلافة الإسلامية ملكا يتوارثها الصبيان ويتلاعب بها الخدم والنسوان". أعقبها معركة صفين بين علي ومعاوية 36-37 للهجرة، والتي انتهت بالتحكيم، ثم معركة النهروان عام 39 للهجرة، واغتيال علي بن أبي طالب عام 40 على يد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، خلال هذه المعارك والمواجهات كان بإمكان كل طرف الاستناد إلى حجج ومبررات معينة لإظهار نفسه كصاحب الحق، ولكن ما حدث في كربلاء في شهر محرم عام 61 للهجرة كان مختلفا، ابتدأ بقيام معاوية بن أبي سفيان بتعيين ابنه يزيد خليفة له وطلب مبايعته وهو على قيد الحياة محوّلا بذلك الحكم الإسلامي من نظام الشورى كما هو مذكور بالقرآن، "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" سورة الشورى الآية 38، إلى نظام وراثي على طريقة الملوك، ورفض كثير من المسلمين وبينهم بعض الصحابة هذا التوريث، وبعد وفاة معاوية أرسل الكثير من أهل الكوفة الرسائل إلى الحسين بن علي يعلنون مبايعته، وحسب المراجع التاريخية فقد طلبوا منه القدوم لنصرته فخرج إليهم مع أهله وأبنائه وبضع عشرات من الرجال وبعد وصوله إلى كربلاء واجهه جيش يضم آلافا من الجنود التابعين للأمويين، وقد تغلبت الكثرة على الشجاعة في هذه الواقعة التي تركت جرحا عميقا في التاريخ الإسلامي، خصوصا أن أغلب الضحايا كانوا من آل البيت كما تم قطع رأس الحسين وإرساله إلى الشام مع نساء آل البيت كسبايا وفي مقدمتهم السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب وحفيدة رسول الله. بالمحصلة رافق هذا الانتصار العسكري للجيش الأموي خسارة أخلاقية ووصمة عار رافقت كل من شارك في ارتكاب هذه المذبحة على مرّ التاريخ، حسب رأي الأغلبية المطلقة من المسلمين من كل الطوائف. الثورات أو الاحتجاجات التي حدثت بعد كربلاء لا ترقى لأهميتها وانعكاساتها. وإعتبارا من هذا اليوم دخل الصراع مرحلة جديدة لم يتمكّن المسلمون من تجاوزه. 

فيما بعد حدثت عدّة انشقاقات من الطائفة الشيعية فخرج الزيديون ثم الإسماعيليون وبعدها العلويون وكانت أسباب هذه الانشقاقات هي الولاء لأحد أولاد الأئمة من آل البيت دون الآخر، بينما أطلق على القسم الأكبر من جمهور الشيعة اسم الاثنى عشرية، وأبرز الأئمة فيه هو الإمام السادس جعفر الصادق الذي وضع الأسس الشرعية للمذهب حتى أنه تسمّى باسمه "الشيعة الجعفرية"، والذي تتلمذ على يديه أيضا الإمامان أبو حنيفة ومالك بن أنس وهما من أهم أئمة المذهب السنّي، كما كان من طلابه واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة، أي أنه في تلك الأيام لم تكن هناك تلك الحدود بين السنة والشيعة خصوصا إذا عرفنا أن جدّ الإمام جعفر الصادق لأمه هو أبو بكر الصديق، وفي هذا الوقت اختلف السنة والشيعة حول عصمة النبي والأئمة، فبينما يرى الشيعة أن الأئمة من آل البيت مثل الرسل معصومون من الخطأ، يرى كثير من فقهاء السنّة غير ذلك، وكثير منهم يرى أن الرسول نفسه لم يكن معصوما ويستشهدون بتصرّفه مع ابن أم مكتوم الأعمى الذي كان يلحّ بالسؤال على الرسول وهو في قلب حديث هام فأعرض عنه فنزلت الآية: "عبس وتولّى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكّر فتنفعه الذكرى" معاتبة رسول الله على سلوكه الخاطئ. وفي حديث آخر أن الرسول مرّ بقوم يلقحون النخل فقال: ما أظنه يضر لو تركتموه، فلما تركوه حمل نوعا رديئا من التمر فأخبروا الرسول بذلك، فقال لهم أنتم أعلم بأمور دنياكم مني، أي أن أغلب علماء السنّة يعتقدون أن النبي معصوم فقط فيما يقوله عن الله، أما في أمور الدنيا فهو معصوم عن الكبائر أما الصغائر ويوميات الحياة فقد يخطئ فيها. 

الطوائف المسيحيّة التي خاضت الكثير من الحروب بين بعضها خلال العصور الوسطى عندما كانت الدول تحمل هويّة طائفية معينة كالكاثوليكية أو البروتستانتية والتي استمرت عشرات السنين وأوقعت ملايين الضحايا نراها اليوم تسير باتجاه التقارب وإيجاد قواسم مشتركة بينها رغم الفروقات في أسس العقيدة بين هذه الطوائف وقد قطعوا خطوات أساسية في هذا الطريق ويرى كثيرون أن سبب هذا التحول هو قيام الدول الوطنية على مبدأ الدين لله والوطن للجميع، بينما في الإسلام ورغم أنه لا يوجد خلافات بأسس العقيدة بين السنة والشيعة ولكن كل المحاولات التي قامت لرأب الصدع بين الطائفتين كانت اجتماعات شكلية بروتوكولية لم ينجم عنها شيء، حتى أننا نرى اليوم تصعيدا بهذا الصراع لم يكن موجودا خلال القرون الماضية وربما لأنّ هذه المنطقة مازالت بحاجة لبعض الوقت حتى تصل إلى ما وصل إليه بقية العالم من فصل الدين عن الدولة.

 ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة