من الشمال إلى اليمين، المصممة نينا غارسيا، والممثلة كايت هيدسون، ورئيسة تحرير مجلة ماري كلير آن فولينوايدر لدى مشاركتهما في ركتهما في ركتهما في حفلة لـ "وينستاين كومباني" ونتفليكس بعد توزيع جوائز غولدن غلوب
من الشمال إلى اليمين، المصممة نينا غارسيا، والممثلة كايت هيدسون، ورئيسة تحرير مجلة ماري كلير آن فولينوايدر لدى مشاركتهما في ركتهما في ركتهما في حفلة لـ "وينستاين كومباني" ونتفليكس بعد توزيع جوائز غولدن غلوب

بقلم مالك العثامنة/

عام 1989، نشر فرانسيس فوكوياما نظريته التي حولها إلى كتاب حول "نهاية التاريخ" كما سماها. والنظرية التي تعرضت للنقد الشديد وخضعت لمراجعات كثيرة حتى من مؤلفها نفسه، كانت تحوي أيضا تصورا لشكل حقبة ما بعد انتهاء التاريخ، وهو تصور قاسي بارد الملامح لبشرية تنتهي إلى روبوتات، وكل ما نعرفه من آداب وفنون وأشكال اجتماعية حية سينتهي إلى متحف التاريخ، تزوره البشرية للفرجة فقط.

(أذكر أني قرأت ترجمة مقال فوكوياما الأول تلك السنة في جريدة الدستور الأردنية حين كانت الصحافة يديرها صحفيون حقيقيون يترجمون ويلتقطون بحيوية قبل أن تتحول الصحافة بعد ثورة تكنولوجيا المعلومات إلى محرر شبه آلي روبوتي يقص ويلصق وتتكفل تطبيقات الترجمة الميتة بنقل لا حياة فيه فيتلقفها قارئ روبوتي أيضا يقلب بإصبعه شاشة ميتة كذلك).

المدهش – بالنسبة لي على الأقل- أن ما دعاني إلى استحضار ذلك الجزء الأخير من نظرية فوكويوما حول نهاية التاريخ وهذه الصورة القاتمة لمتحف "الإنسانيات" هو الحفل الأخير لجوائز الغولدن غلوب، والتي رسخت عندي قناعة ما بأن البشرية تسعى وقد بلغت ذروة مدنيتها إلى تفتيت تلك المدنية وتجزيئها إلى هويات إنسانية ضيقة جدا، باسم القيم الأخلاقية التطهرية ضمن منظومة مفاهيم نيو ليبرالية تقودها عقيدة "هوليوود" القادرة على الوصول إلى كل زاوية في الكوكب، عبر صناعة مشاهير ضخمة يمكن لها أن تقلب العالم كله رأسا على عقب بالأفكار.

كانت لدى أمريكا (والعالم كذلك) مشكلة مع السود، وتم حلها مع الوقت بالتعايش الإنساني وقد تغلبت قيم الإنسانية وانتصر الأمريكي من أصول إفريقية في انتزاع حقوقه في العالم الجديد، لكن هوليوود لم تكتف بذلك، فوصلنا إلى مرحلة في التسعينيات صارت القاعدة فيه أن لا يخلو فيلم من شخصية ذات بشرة سوداء مع مهاجمة فكرة تنميط المجرم بأسود البشرة إلى حد المبالغة في تنميط الأبيض بالقاتل المتسلسل المجنون، ثم تنميط العربي بصورة الإرهابي الكاره للحياة على الدوام.

وكذلك كانت المثلية الجنسية مشكلة أخلاقية غير مقبولة في غالب المجتمعات، لكن مع مثابرة حركات الدفاع عن حقوق المثليين عبر السنوات، تم الإقرار بحق المثليين في التعبير عن ميولهم الجنسية بحرية إلى أن وصلنا إلى نقطة صارت هوليوود تضع قاعدة جديدة بأن لا يخلو أي إنتاج من إشارة إلى حقوق المثليين.

وكذا كانت العلاقات المفتوحة التي تعاكس فكرة الرباط الزوجي المقدس والتي كانت معضلة أخلاقية تواجه سدا منيعا من الرفض الطبيعي إلى فترة وجيزة حتى وجدت من يدافع عن حرية الفرد المطلقة وتغيير تابوهات القواعد الاجتماعية لتتبنى هوليوود والدراما الأمريكية تلك الفكرة فنبدأ بمسلسل "الأصدقاء" الشهير في التسعينيات ليرسخ قيم الحياة الليبرالية في نيويورك وننتهي بمسلسلات واسعة الانتشار مثل (Californication) الذي لا يرى ضيرا في فتح العلاقات على أوسع ما يمكن من الأبواب حد استباحة فكرة الزواج بالمطلق ونعت من يؤمن بالزواج كمؤسسة بالمحافظ الرجعي والمتخلف!! والمسلسل مثال كواحد من إنتاجات المجتمع الهوليودي المنتشرة في ثقافة عرض هي نفسها تغيرت عبر شركات ومؤسسات إنتاج ضخمة صارت تحتل جزءا من كل هاتف ذكي أو حاسوب باشتراكات متاحة لغالبية سكان الكوكب.

ثم تأتي سلسلة حكايا "التحرش الجنسي" التي انفجرت كقنبلة عنقودية لا تزال تتواصل في الانفجار، والتي بدأت بالإطاحة المفاجئة والكبيرة بالمنتج الأكثر نفوذا في هوليوود هارفي واينستين، وقد تبنت نيويورك تايمز قصة صحفية حول مزاعم تحرش قام بها المنتج الهوليودي، فتتوالى الانهيارات الثلجية بعد أن انطلق الهاشتاغ الأكثر تداولا والأسرع من الضوء (#أنا_أيضا me_too#) من على منصة تويتر للممثلة أليسا ميلانو ليصبح ثورة "إلكترونية" تستخدم ذات المنصة التي يستخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في ما يبدو أنها حرب خفية تدور رحاها بين هوليوود وساكن البيت الأبيض الجديد في واشنطن، وربما في مواجهة إدارته اليمينية التي تختلف توجهاتها المحافظة عن توجهات اليسار الهوليودي المختلف عن أي يسار في العالم.

الحملة التي انطلقت بسرعة شديدة ومدهشة ومثيرة للريبة عصفت بالنجم الأمريكي "كيفن سبيسي" والذي كانت ردة الفعل تجاهه الأكثر قسوة في تاريخ هوليوود، ليتبين أن هناك مكارثية جديدة يقودها تحالف لوبيات راديكالي "تطهري" يساري نيو ليبرالي يختلف عن كل مفهوم للتطهرية بمعناها التاريخي الصحيح، وعن كل المفاهيم اليسارية المعروفة والتقليدية، ومتميز عن الليبرالية بالمعنى الأدق لها إلى ثورة على الليبرالية نفسها من داخلها.

مكارثية تضع هوليوود نفسها في غرفة عمليات القيادة فيها، وتلك مفارقة تاريخية بعد عقود من زوال المكارثية الأصلية التي كانت تحاكم هوليوود من واشنطن العاصمة وقد نشرت فيها الرعب حد الإقصاء في خمسينيات القرن الماضي.

وجاءت ليلة توزيع جوائز الغولد غلوب، وهو الحفل الوصيف لحفل الأوسكار، والممهد له، وترعاه جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية، والتي بدأت كمؤسسة غير ربحية عام 1943 لتنظيم عمل المراسلين الأجانب في هوليوود لتنتهي كمؤسسة تدير ملايين الاستثمارات. والمدهش أنها لا تزال "غير ربحية" ويبدو أن تنظيم عمل المراسلين الأجانب آخر أولوياتها اليوم!!

في تلك الليلة تبين تماما أن هوليوود بقيادة نسائية غير تقليدية، هناك أشباح من الحركات النسوية، والليبراليين الجدد، قد تبنوا حركة تطهرية شديدة القسوة والتطرف أخذت جرائم التحرش الجنسي وسيلة لتكريس قواعد اجتماعية جديدة في العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، حتى أنك تتخيل أن المرء مجبر أن يكون مثليا جنسيا ليصبح آمنا من أي اتهامات قد توجه له فتقصيه.

كانت "أوبرا وينفري" بكامل عتادها الخطابي الذي تتقنه، جاهزة لإثارة المشاعر، بخطبة طويلة التقطت فيها الخيط الدرامي بشكل مؤثر (وهي لعبة تتقنها وينفري بمهارة وذكاء)، وبثوبها الأسود الذي طغى على كل الحفل برجاله ونسائه، كان الخطاب يتصاعد بشكل مؤثر، ليشمل الجميع، الجميع بلا استثناء تمهيدا لعقيدة أخلاقية جديدة، لا ملامح حقيقية لها إلا تقويض أي قيم تخالف عقيدة هوليود الحديثة!!

ولا أجدني متطرفا بالقول إن هوليوود التي تتقن لعبة الصورة الذكية، قد لعبت بأقصى ذكاء ممكن بدفع رجل كهل تجاوز المائة من عمره إلى المسرح على كرسي متحرك فظهر كيرك دوغلاس، أحد أهم أيقونات السينما الأمريكية في ذروتها قبل التشويه النيو الليبرالي، مثل ميت خارج من قبره للتو، بلا قدرة حتى على النطق السليم، لتكسير آخر ما يمكن تكسيره من تراث زمن هوليوود الفاتن.

هذا كله يجعلني أتساءل: هل بلغ الهوس في هوليوود بالإطاحة بالرئيس الأمريكي إلى دفع القيم الاجتماعية الجديدة إلى أقصى حد من التغول في العالم كله ووضع تلك القيم كمعيار لكل البشرية، فقط للتخلص من خصم سياسي؟ أم أن هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير؟

أليس السياسي – أيا كان- مسؤولا عن هذا الفراغ الذي تسللت منه تلك الموجة بعد فقدانه المصداقية ليصبح أي نجم إعلام أو سينما بديلا مقبولا عنه أمام الجماهير التي لم يعد يعنيها الفرق بين سياسي محترف أو مغني راب مشهور أو نجم تلفزيوني فاتن  فتضيع قضايا الكوكب في متاهات صناعة الترفيه؟

الفن –أي فن- لن يبلغ ذروة الإبداع إذا لم يحدث فعل الصدمة في زمانه، مثل رومان بولانسكي الذي صدم زمانه بمشهد الاغتصاب في (التانغو الأخير في باريس)، واليوم نتساءل، هل هوليوود قادرة لا تزال على اجتراح الصدمة في المحتوى الفني أم أن التحرش الجنسي مجرد إيقاعات سياسية منبرية لا علاقة للفن بها؟

بعض من الإجابة كانت في رسالة وقعتها مائة سيدة فرنسية على رأسهن الممثلة الأسطورية كاترين دينوف، رفضن بها تلك الموجة التطهرية الإقصائية في هوليوود، وقد أكدت الرسالة "السياسية الحادة" أن التحرش الجنسي مرفوض، لكن هنالك حد رفيع فاصل بين التحرش كجريمة توازي الاغتصاب، وبين الغزل المقبول بين الرجل والمرأة!

هذه الرسالة تلقفتها بعض أشهر الصحف الأنجلو ساكسونية بين طرفي الأطلسي من بريطانيا و الولايات المتحدة وقامت بتزوير ترجمتها بشكل فظ لتدعي أن دينوف والسيدات الموقعات يدعون إلى "ضرب الرجل للمرأة" وهو ما لم يكن واردا في أي سطر من نص الرسالة المكتوبة بالفرنسية على الإطلاق!

تلك الرسالة جعلتني أفكر إلى أي حد يمكن أن يصل نجاح تلك الموجة التطهرية وقد تضع كل قيمنا الاجتماعية الإنسانية من مؤسسات زواج وأسرة وعلاقات رومانسية والتراث الغزلي بكل ما يحويه من أفلام ومسرحيات وقصائد وقصص وروايات في متحف التاريخ الذي تحدث عنه فوكوياما عام 1989.

(هل يمكن إدانة روميو بالتحرش الجنسي بجولييت مما يفضي إلى إعدام تراث شكسبير مثلا؟)

الرسالة النسوية الفرنسية عبرت بوضوح عن اختلاف القيم بين أوروبا و والموجة الحداثوية المسيطرة في أمريكا، وهو فارق يحتاج دراسات تجعل من الصعب القول ان "الغرب واحد".

------

كاتب هذا المقال لا يدافع عن التحرش ولا المتحرشين، لكن هي حالة قرف من النفاق الاجتماعي والسياسي الذي تحرض "هوليود الجديدة" على انتهاجه باسم قيم الحرية، وكما أن مواجهة الرئيس الأمريكي حق شرعي كخصومة سياسية لأي كان في الولايات المتحدة، لكن تصعيد بل وخلق موجة قيم أخلاقية جديدة تحاول تصدير نفسها "كثورة إجتماعية " إلى العالم ليست بالحل الذي أقبله كمواطن عالمي في عولمة إجبارية لنعيش في كوكب واحد.

الفضائح الجنسية عمل أخلاقي مرفوض، ومحاكمة تلك الفضائح أخلاقيا واجتماعيا مطلوبة، لكن محاكمتها قانونيا وسياسيا بالإقصاء لا يجب أن يكون دون تجريم قانوني واضح في محاكمات قانونية أكثر وضوحا، أما توسيع مفهوم التحرش ليشمل صلب الرجل كمجرم بالفطرة وتنميط أي امرأة كضحية حتى لو في علاقة بالتراضي فهذه خطوة نحو هدم قيم أخلاقية كثيرة وعميقة، ونشر عقيدة "الفيمنزم" كدين جديد على البشرية أن تقبل به بلا أي تحفظ!

(من المضحكات في تداعيات حكايا التحرش وحجم الهبل فيه، أن السيدة مونيكا لوينسكي انضمت لحملة "أنا أيضا" لتدعي أن علاقتها التي شملت لهوا بالسيجار الكوبي مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون كانت تحرشا جنسيا!! بدلا من وضعها كعمل غير أخلاقي لرجل متزوج ويقود دولة وهو ما اعترف به الرئيس نفسه).

لا أفهم حجم النفاق في تبني تلك الحملة الشعواء في هوليود، وأنا أتذكر كيف وصفت ميريل ستريب (التي أحترمها كممثلة أسطورية) المنتج هارفي واينستين نفسه قبل سنوات قليلة بالإله تمجيدا له، ثم ركوبها الموجة الهوليودية التطهرية الحديثة، أو المغنية مادونا التي ناصبت الرئيس ترامب العداء وهي تملك أجنحة مترفة في أبراجه العالية، وقمة الفصام الأخلاقي تجدها في نخب المعلقين العرب في كل مكان يتداولون فيديو للممثل الأسطوري روبرت دي نيرو (وهو أسطورة فعلا) يهاجم فيها الرئيس الأمريكي ترمب بل وتصوير دي نيرو كمناصر للقضايا العربية لكنهم يغفلون مثلا أن الممثل الأسطورة يتنافس دوما مع زميله أرنولد شوازنغير بالتبرع للجيش الإسرائيلي!

----

في مقابلة أخيرة له مع مجلة باري ماتش الفرنسية بمناسبة مرور ستين عاما على بداياته كممثل، يقول الأسطورة الحية ألان ديلون وبترجمة عن الفرنسية أضعها على ذمة الصديق الناقد السينمائي هوفيك حبشيان: "الحياة ما عادت تعطيني أي شيء. عشتُ كل شيء، رأيتُ كل شيء. أكره هذا الزمن. أتقيأه. كل شيء أصبح مزيفاً. لم يعد للاحترام وجود. لا قيمة لغير المال. طوال اليوم لا نسمع إلا عن جرائم. تقريباً، كل الذين أعرفهم ماتوا. أعرف أنني سأترك هذا العالم بلا أي شعور بالندم".

لقد لخص هذا الفرنسي الأسطورة، مجمل القول بكلماته، كأنه يتحدث عن متحف الإنسانيات الذي بشر به فوكوياما.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.