بقلم د. توفيق حميد/

قد أتعجب من أن يقوم إنسان ما بجريمة بشعة ويكررها بصورة همجية، ولكني سأكون أكثر تعجباً بل سأكون مندهشاً لو توقع هذا الإنسان أن يصفه الناس بأنه مثال للإنسانية والرحمة.

وللأسف الشديد فهذا المثل يتشابه إلى حد كبير وينطبق مع أوضاع كثيرة في العالم الإسلامي تتسم بتناقض واضح يصل أحياناً إلى درجة "الشيزوفرينيا" الفكرية.

فمن أهم أعراض "الشيزوفرينيا" الإيمان والاعتقاد اليقيني بشيء يتناقض تماماً مع الواقع و الحقيقة، فعلى سبيل المثال لا الحصر أن يقتنع إنسان ما ويصر أن "فيلاً" كبيراً يدخل عليه كل يوم من ثقب الباب هو أمر يتناقض تماماً مع الواقع، وهو أن الفيل كبير الحجم ومن المستحيل أن يمر من ثقب الباب "الصغير" جداً.

ودعونا نرى بعض الأمثلة فى عالمنا العربي والإسلامي والتي تتسم بالتناقض الواضح مع الواقع أو - كما ذكرنا أعلاه- تصل إلى حد الشيزوفرينيا.

فعلى سبيل المثال يؤمن كثيرون فى العالم الإسلامي أن الغرب يضطهد المسلمين، وذلك ينتاقض تماماً مع الواقع، حيث أن الغرب استقبل الملايين من المهاجرين المسلمين، بل وسمح لهم ببناء الآلاف من المساجد والمدارس الإسلامية على أرضه بل ودعم بعضها.

وهذا التناقض الصارخ بين ما يؤمن به كثيرون فى العالم الإسلامي وبين الواقع المدعوم بالأدلة الدامغة لا يمكن وصفه بأقل من أنه نوع من أنواع الشيزوفرينيا المَرَضية التي تحتاج إلى علاج، فلو نحن عقدنا مقارنة بين عدد الكنائس أو دورعبادة غير المسلمين داخل العالم الإسلامي والعربي فى العقود السابقة وبين عدد المساجد الإسلامية التي تم بناؤها فى الغرب في نفس المدة الزمنية لعرفنا بوضوح من يضطهد الآخر!

ومن أحد شواهد هذه الشيزوفرينا الفكرية أن يتعجب البعض في العالم الإسلامي متسائلين كيف لا يرى الغرب أن الإسلام هو دين السلام؟، بالرغم من التناقض الواضح بين هذه المقولة وبين مبادئ أساسية فى الشريعة الإسلامية مثل وجوب قتال غير المسلمين لإخضاعهم للإسلام بعد تخييرهم بين الإسلام أو دفع الجزية أو القتل كما حدث فى تاريخ الخلافة الإسلامية منذ بدايتها وكما تُدرِّس كتب التراث (حتى يومنا هذا!).

وعل غرار ذلك يصر كثيرون من مشايخ وفقهاء الإسلام فى عصرنا الحالي أن الإسلام هو الذي احترم حرية العقيدة، وهو الذي أعطى المرأة حقوقها، وأنه أول من احترم حقوق الإنسان، بالرغم من التناقض الواضح بين هذه الاعتقادات وبين ما يقوم بتدريسه نفس الشيوخ بأن قتل المرتد واجب شرعي، وأن ضرب المرأة مباح للرجل، وأن الرق مشروع، وأن اغتصاب أسيرات الحرب جنسياً تحت مسمى "ملك اليمين" حلال، وأن المسلم لا يُقتَل بغير المسلم، لأن دم المسلم فى نظرهم "أعظم" عند الله من دم الكافر. فهل تتفق هذه التشريعات اللا إنسانية مع مقولتهم بأن الإسلام هو من احترم حرية العقيدة وأنه هو من أعطى المرأة حقوقها وأنه أول من احترم حقوق الإنسان؟

ومن نفس المنطلق يتعجب كثيرون في العالم الإسلامي متسائلين لما لا يؤمن الغربيون أن رسول الإسلام هو قدوة للإنسانية جمعاء؟ بالرغم من أن كتب التراث الإسلامي تدرس أنه (عليه السلام) تزوج وعاشر جنسياً طفلة فى التاسعة من عمرها وهى عائشة بنت أبى بكر الصديق وهو في الخمسينيات من عمره؟.

 ليس ذلك فحسب بل إنه بارك قتل "أم قرفة" وهي شاعرة كانت تهجوه بشعرها بأن "ربطها في ذَنَب فرسين وأجراهما فتقطعت" (كما جاء فى صحيح البخارى كتاب المغازي!) وأنه أباد رجال قبيلة يهودية عن أكملها وسبى نساءهم كما ذكرت لنا كتب التراث الإسلامي.

 فهل ينتظر المسلمون بعد ذلك أن يعتبر الغربيون أن "محمداً" هو سيد الخلق وهو الأسوة الحسنة للبشرية جمعاء؟ ولا تكفي أي كلمات لوصف هذا التناقض الفكري الشيزوفريني بين تعجبهم وبين واقع ما يقومون بتدريسه عن الرسول!

ومن مظاهر هذه الشيزوفرينا الفكرية أيضا الاقتناع المطلق بأن اليهود يخربون اقتصاد الأمم التي يعيشون فيها - فى حين أن الواقع يثبت العكس تماماً.

 فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن اقتصاد مصر كان فى قمته وقت وجود اليهود فيها قبل ثورة 23 يوليو، وانهار اقتصادها كما رأى الجميع بعد طرد اليهود منها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ولو كان اليهود يتسببون فى خراب اقتصاد الدول كما يؤمن البعض لرأينا ازدهاراً في اقتصاد مصر بعد أن طردهم عبد الناصر فى ستينيات القرن الماضي.

 والتناقض هنا ليس فقط تناقضاً واضحاً بل هو تناقض صارخ بين اعتقاد يؤمن به كثيرون في العالم الإسلامي، وبين واقع اقتصادي يمكن قياسه بالأرقام وبقيمة العملة وبغيرها من وسائل القياس الاقتصادية الحديثة.

ونحن هنا أمام ظاهرة لابد من دراستها وهي التناقض الشديد بين بعض المعتقدات السائدة في العالم العربي والإسلامي وبين الحقائق الواضحة والجلية على أرض الواقع.

 وحتى يتم علاج هذه الشيزوفرينا الفكرية فى عالمنا الإسلامي وإلى أن يتم اتباع المنطق في الحكم على الأشياء، فسيستمر التطرف والعصبية والتشنج الديني الذي لا ينتج عنه سوى الكراهية والعنف.

ـــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟