مظاهرات منددة بالغلاء في السودان
مظاهرات منددة بالغلاء في السودان | Source: Courtesy Image

بقلم بابكر فيصل بابكر/

اندلعت الأسبوع الماضي تظاهرات جماهيرية في مختلف المدن السودانية احتجاجاً على الأوضاع المعيشية المتدهورة والارتفاع الكبير في أسعار السلع، ورفضاً لقرار الحكومة زيادة سعر رغيف الخبز بنسبة مائة بالمائة. وقد قابلت السلطات الأمنية التظاهرات السلمية بعُنفٍ ظاهر أدى لمقتل طالب بالمرحلة الثانوية بولاية غرب دارفور كما أصيب عشرات وتم اعتقال مئات المتظاهرين وبعض قادة الأحزاب السياسية المعارضة.

وبينما يتوحد السودانيون في الخروج للشارع لممارسة حقهم الطبيعي والمشروع في التعبير عن الرفض للسياسات الحكومية الجائرة، فإن شيوخ السلفية الوهابية أبدوا اعتراضهم المبدئي على الحراك الجماهيري، وأفتوا بعدم جواز الخروج على الحاكم حتى لو كان ظالماً، وأعادوا بث فيديو للواعظ محمد مصطفى عبد القادر يوضح فيه موقفهم من الخروج للشارع.

وكان أحد المواطنين قد وجه لعبد القادر السؤالين التاليين: لماذا لا تتحدثون عن الوضع الراهن والخروج عن الحكام؟ ولماذا لا تتفاعلون مع الشعب في غلاء الأسعار؟ فأجابه إجابة مُطوَّلة تمثلت خلاصتها في قوله: (و لماذا لا يتفاعل الشعب معنا في الالتزام بمنهج النبي (ص) ؟ غلاء الأسعار هو ابتلاءٌ من الله قبل أن يكون من الحكومة. نحن لسنا سياسيين متابعين للهوى بل نلتزم بمنهج الإسلام).

وللتدليل على صحة موقفه، استشهد عبد القادر بالحديث الذي رواه مسلم عن حذيفة الذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقومُ فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلتُ كيف أصنعُ يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتُطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.

ودون الخوض في مدى صحة الحديث أعلاهُ، فإننا نقول أنَّ دعوة شيوخ الوهابية لطاعة الحاكم كيفما اتفق هى وليدةتصوُّر عقلي أنتجتهُ عقيدة الجبر و الإرجاء في الفكر الإسلامي، وهى العقيدة التي وضع عمادها الأول مؤسس دولة بني أميَّة معاوية بن أبي سفيان عبر ترسيخ مفهوم "القضاء والقدر"، وثبَّت ركنها الثاني الخليفة مروان بن الحكم عبر إرساء مفهوم "الطاعة".

وتعود الجُذور التاريخية لهذه العقيدة إلى الفترة التي تفجَّرت فيها الأزمة القيميَّة الكبيرة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان نتيجة لتراكم الغنائم الكثيرة والكيفية التي اتبَّعها في توزيعها، حيث تدفقت الأموال بكثافة على أشراف قريش من "الطلقاء" الذين أسلموا في فتح مكة، فوقع التحوُّل الكبير في القيم التي كان قد أرساها الشيخان أبوبكر وعمر، من قبل بالتشديد على الأغنياء.

أدَّى فيضان الدُّنيا في عهد ذي النورين – بحسب تعبير محمد عابد الجابري – لظهور ما كان يُعدُّ في السابق من المنكرات مثل العبثُ بالأموال، فأصبحت الجاريةُ تُباع بوزنها من الفضَّة، والفرسُ الأصيلُ يُباعُ بعشرةِ آلاف درهم، والبعيرُ بألف درهم، والنخلةُ الواحدة بألف درهم.

مهَّدت هذه التحوُّلات لوقوع الحدث الذي كان له الأثر الأبعد في كل التاريخ الإسلامي: الفتنة الكبرى، ولنشوب الصراع بين قيم العهد الأول الذي دعم أصحابه الإمام على بن أبي طالب، وبين مؤيدي الفكر الجديد من الذين ساندوا معاوية بن أبي سفيان، وكانت الغلبة في خاتمة المطاف للمعسكر الثاني، ومعها ترسخت أعمق القيم التي صاحبت مسيرة "العقل الإسلامي" في الأخلاق والسياسة حتى اليوم.

تذهبُ عقيدة الجبر إلى أنَّ جميع ما يقعُ من أفعال إنما هو بقَدَرِ الله تعالى، وأنَّ الإنسان كالريشة في مهبِّ الرِّيح، لا فعل له على الحقيقة إلاَّ الاستسلام لذلك القدر، وأنَّ الملوك الظلمة هم عقابٌ من الله وإنما ظلمهم وبطشهم ما هو إلا شيءٌ خارجٌ عن إرادتهم.

ويرتبطُ الإرجاء إرتباطاُ وثيقاً بالجبر، فهو يُفيدُ بأنَّ الخلفاء والأمراء مهما استحلوا من المُحرًّمات وفعلوا من الموبقات وارتكبوا من الانحرافات فإنهم لا يخرُجون من دائرة الإسلام ما داموا يُقرُّون بالشهادتين، وأنَّ حسابهم والحُكم عليهم يجبُ أن يُرجأ إلى يوم القيامة.

رسخت هذه العقائد في عقول الناس، وشكلت قيمهم الأخلاقية طوال ثمانيةٍ وثمانين عاماً هى عُمر الدولة الأمويَّة، ومن ثمَّ التقطها خلفاء بني العباس، وأضافوا إليها بعداً أعمق من القداسة الدينية، فما أن اعتلى "أبو جعفر المنصور" كرسي السُّلطة حتى خاطب الناس بالقول :

( إنما أنا سُلطانُ الله في أرضهٍ أسوسُكم بتوفيقهِ وتسديدهِ وتأييدهِ، وحارسهُ على مالٍ أعملُ فيه بمشيئتهِ وإرادتهِ وأعطي بإذنه، وجعلني قِفلاً إنْ شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم و قسمة أرزاقكم وإنْ شاء أن يقفلني أقفلني).

أحدثَ إقحام الشأن المُقدَّس في أمور الدنيا للدرجة التي أضحى فيها الخليفة يُمثل سلطان الله في الأرض، بجانب شيوع الجبر والإرجاء، تحولات عميقة في بنية الأخلاق بحيث استقرَّت "الطاعة" كقيمة حاسمة و مُحددِّة لعلاقة الحاكم بالمحكوم، كما أضحت مُحاسبة الخلفاء أمراً متروكاً ليوم القيامة واكتفى رجال الدين من الفقهاء بالمناصحة كسقفٍ أعلى في مُجابهة انحرافات السلاطين والأمراء والخلفاء.

هذه هى الخلفية الفكرية التي تشكلت من خلالها الوظيفة التاريخية لمؤسسة الفقه المُعبرة عن تيار "أهل السنة والجماعة" أو السلفية الوهابية، وعن العديد من التيارات الإسلامية الأخرى، إذ قام الفقهاء بإثبات الخلافة لمن ينالها بالوراثة والقوة والغصب حتى ولو كان فاجراً وفاسقاً، وأفتوا بحُرمة الخروج عليه شرعاَ إلا إذا صدر منه كفرٌ بواح خوفاً من وقوع الفتنة.

ومن نافلة القول أن ظلم (الرَّعية) ومُصادرة حقوقها واضطهادها لا يدخلُ في دائرة الكفر البواح الذي يقصده هؤلاء الفقهاء.

هذا التقليد البائس هو الذي أعطى التبرير الديني و خلق الأرضية الشرعية التي تأسس عليها الاستبداد الطويل في العالم الإسلامي، وهو الذي وأد بذرة الديموقراطية و جعل المثقف ينحازُ إلى جانب السلطان على حساب الشعب صاحب الكلمة العليا.

إنَّ الإدعاء بأنَّ غلاء الأسعار هو إبتلاءٌ من الله تعالى، يرمي في المقام الأول إلى إبعاد الناس عن التطرُّق للبرامج والسياسات الحكومية الفاشلة، وهي سياسات من صنع البشر الحاكمين، وهو يعمدُ إلى نقل المعركة (للسماء) هرباً من استخدام العقل لتفسير أسباب (الأرض).

وهو يهدف ثانياً إلى القول بأنَّتغيير الحاكم لن يحقِّق أية فائدة، ذلك لأنَّ الخلل ليس في الحكام وإنما فينا نحن، فالأمة هي التي تُخرج حكامها، ويخرج الوزراء من بيوتنا والخلل فينا نحن الذين نُخرجُ مثل هؤلاء، والإبتلاءُ يكون غالباً عقاباً للأمة لبعدها عن الله!

من الجلي أنَّ الحُجَّة أعلاه تعمل على تكريس واستمرار فساد السُّلطة وإلقاء اللوم على الضحيَّة، وهى في هذه الحالة "الأمة" كما يُسميها شيوخ الوهابية أو "الشعب" كما نسميه نحن، فالغرض منها – أي هذه الحُجَّة – هى أن تُثبِّت في نفوس الناس وعقولهم أنَّ أحوال الحكم لن تنصلح أبداً لأنَّ الخلل ليس في الحكام وإنما فيهم هم. فهؤلاء الحكام ليسوا سوى أداة لتنفيذ العقاب الإلهي على الشعب وليس هناك من سبيل سوى القبول والتسليم بها لأنها تعكس إرادة السماء.

والرسالة الأهم التي يُقصد إرسالها للناس تقول: لا فائدة من الخروج للشارع للتنديد بالغلاء والظلم والاستبداد والفساد، عليكم أن تقتنعوا بالموجود وتستسلموا له لأنه لو ذهب هؤلاء القتلة والفاسدون فسيحلُّ محلهم مجرمون ومفسدون آخرون ذلك لأنَّ العلة الأساسية موجودة في الشعب وليس في الحكام!

وعلى العكس من ذلك الادعاء، فإنَّ العلة الأساسية في رأينا تكمن في طبيعة النظام الاستبدادي وليس الشعب كما يقول هؤلاء الشيوخ، ذلك لأنَّ السُّلطة في أصلها مفسدة و"السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" وقد تعلمت الإنسانية في مسيرتها الطويلة أنَّه لا بدَّ من تقييد هذه السُّلطة وممارسة الرقابة المستمرَّة عليها والسماح بتداولها بطريقة سلمية.

إنَّ جوهر الحكم السليم وأساس التعاقد بين الحاكم والمحكوم ينبغي أن يقوم على "الاختيار الحر"، ودون ذلك فإنَّ أهداف السلطة ستتحدَّد وفقاً لتقدير مصالح الأطراف المحتكرة والنافذة في الحكم والمستفيدة منه وبما يضمن استمراره، هذا الاحتكار للسلطة يخلق البيئة المواتية للفساد والإفساد ولا سبيل للفكاك منه سوى كسره وفتح الباب أمام الاختيار الطوعي.

وللأسف الشديد فإن منهج السمع والطاعة الذي تتبناه الجماعات الوهابية لن يفتح المجال أمام إنجاز التغيير المطلوب لخروج المُجتمعات الإسلامية من حالة الاستبداد المُستمرَّة منذ قرون، فهو يُكرِّس لاستمرار الأمر الواقع، ويعملُ على تقييد حق الشعوب في السعي لكسر احتكار السلطة، ويدعو للاستسلام الكامل للحكام الطغاة في انتظار أن تتدخل إرادة السماء لإزاحتهم عن كراسي الحكم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.