جانب من أحد الأسواق المالية في نيويورك-أرشيف
جانب من أحد الأسواق المالية في نيويورك (أرشيف)

بقلم جمال أبو الحسن/

الرأسمالية تلمس حياتنا جميعا. هي حاضرة في كل شيء حولنا تقريبا. ليست فقط في الأشياء المادية من سلع وأعمال ومنتجات، وإنما أيضا في القيم التي نتبناها والأفكار التي تحرك سلوكنا. هي حاضرة في كافة التفاصيل التي تشكل طريقة حياتنا. من بين مختلف الأفكار اللامعة التي أنتجها العقل الإنساني، ظلت هذه الفكرة الأخطر والأكثر تأثيرا. بل إنها نجحت في إزاحة الكثير من الأفكار الأخرى، أو في تحييدها وتهميشها حتى تربعت وحدها على عرش الأفكار التي تنظم الحياة والمجتمع.

الرأسمالية أكثر من مجرد نظام للاقتصاد. إنها وجهة نظر في الحياة وغايتها!

أشياء كثيرة تفرق البشر: الدين، اللغة، العرق، النوع، الوطن، الطبقة. شيء واحد تقريبا تجمعهم: السوق!

السوق ليست اختراعا جديدا. هي تنظيم قديم قدم التجمعات الإنسانية ذاتها. الحاجة إلى تبادل السلع والخدمات خلقت الحاجة إلى الأسواق، وهي الأماكن التي كان يجري فيها هذا التبادل. ولتسهيل عمليات التبادل، ظهرت النقود لتكون مخزنا للقيمة، وبحيث يمكن استبدالها بأي عدد من السلع والخدمات.

التجارة غريزة بشرية، وكذلك الجشع والطمع. الإنسان يريد أكبر قدر من النقود لتحويلها إلى سلع وخدمات تجلب له السعادة. هو يحصل على السلع المختلفة عبر التجارة مع الآخرين. كل هذا كان يحدث قبل بزوغ الرأسمالية، فما الجديد الذي أتت به؟

المشكلة أن السلع والخدمات محدودة، أو بمعنى آخر غير قابلة للزيادة. هكذا كان البشر يظنون. لم تكن هناك طرق لزيادة الإنتاج بصورة كبيرة. كان هناك اقتناع بأن الثروة ثابتة. وعليه، فإن حصول شخص على نصيب أكبر من الكعكة (أن يصبح غنيا) لا يعني سوى أنه جار على أنصبة الآخرين. ولهذا السبب على وجه التحديد فإن الأديان والنظم الأخلاقية لم تحتفل كثيرا بالغنى والثروة، بل على العكس كانت تمجد الفقراء والمساكين. الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين". المسيح (عليه السلام) قال إن دخول جمل في سم الخياط أسهل من دخول غني إلى الجنة.

الرأسمالية غيرت هذا الاقتناع الراسخ. وفقا لهذه "العقيدة" الجديدة، فإنّه من الجيد أن يكون المرء غنيا. ليس فقط بالنسبة له، ولكن بالنسبة للمجتمع أيضا. في كتابه "ثورة الأمم" (1776) جادل آدم سميث بأن الرأسمالي يفيد المجتمع، وأن أرباحه تصب في النهاية في صالح عموم الناس. لماذا؟ لأنه إذا ربح الرأسمالي أموالا أكثر، فإنه يتوسع في العمل ويقوم بتشغيل عدد أكبر من العمال، وهكذا يعود النفع على المجتمع في مجموعه. وعليه، فإنّ الجشع والطمع الرأسمالي ليست صفات مرذولة بل محركات للنمو. أي أنه من "الأخلاقي" أن يكون المرء غنيا. فكرة تبدو منطقية تماما، ولكنها ظلت منسية لقرون.

لاحظ أن الافتراض الرئيسي وراء هذه الفكرة هو أن الرأسمالي يتوسع باستمرار في أعماله. إنه يوجه أرباحه للعملية الإنتاجية لتولد بدورها أعمالا جديدة ومكاسب للجميع. هذا الافتراض يرتكز على فكرة أخرى عبقرية: بالإمكان زيادة السلع والخدمات في المستقبل. أي أن المستقبل سيكون أفضل من الماضي والحاضر.

ركيزة المنظومة الرأسمالية هي الثقة في المستقبل. إذا توفرت هذه الثقة يكون ممكنا زيادة الأرباح بصورة مهولة عبر الاستثمار في مشروعات لا وجود لها في الوقت الحاضر، ولكن يعتزم الرأسمالي إنشاءها. هذا النوع العجيب من المشروعات تطلب ضربا مختلفا من الأموال؛ أموال مستقبلية إذا جاز التعبير. هكذا ظهر ما يُسمى بالائتمان البنكي credit. إنها أموال يجري تداولها في المستقبل، وعلى أساس من الثقة في أنه سيحمل أرباحا وخيرا.

هكذا تحولت الثروة إلى رأسمال. ولهذا نميز بين الغني (الشخص الذي يمتلك نقودا كثيرة) والرأسمالي (الشخص الذي يستثمر هذه النقود باستمرار في مشروعات إنتاجية). في العصور القديمة، إذا توفرت لديك أموال إضافية يمكن أن تشيد هرما، أو تبني مقبرة لزوجتك الراحلة. في العقيدة الرأسمالية، الأموال لا مكان لها سوى في الاستثمار، والمزيد من الاستثمار.

ولكن كيف يمكن زيادة الإنتاج؟ هنا حدثت التوأمة بين الرأسمالية والثورة العلمية التي جعلت زيادة الانتاج أمرا ممكنا باستخدام تكنولوجيا جديدة. هذه التوأمة أفرزت الثورة الصناعية والباقي تاريخ معروف. الرأسمالية كانت عاملا أساسيا في الثورة العلمية التي صاحبت النهضة الأوروبية. لا وجود لمشروع علمي كبير لم يموله رأسماليون. هم دفعوا الاكتشافات العملية والكشوف الجغرافية في الاتجاه الذي يفهمونه جيدا: الربح!

هل الرأسمالية أخطر "اختراع" بشري؟ نعم. هي "الاختراع" الأخطر بالتأكيد. السبب أن المنظومة التي بشرت بها أعادت تشكيل المجتمعات والقيم والأخلاق وكل شيء حولنا تقريبا. أهم القيم التي تبشر بها الرأسمالية هي النزعة الاستهلاكية.

النظام الرأسمالي يُشبه راكب دراجة إذا توقف عن الحركة يسقط. مُحرك النظام الرأسمالي هو التوسع المستمر. هذا التوسع في الإنتاج يفترض توسعا مماثلا في الاستهلاك. الرأسمالية لا تستطيع العيش دون نزعة استهلاكية تجعلنا نشتري ما نحتاجه وما لا نحتاجه. وهكذا، يستهلك الإنسان ويستهلك حتى تصير البدانة أكبر أمراض العصر. ولعلاجها، يبتدع الرأسماليون سلعا أخرى (أطعمة خالية من السعرات). إنها دائرة جهنمية من الاستهلاك.

الرأسمالية تفترض أن القيمة الأهم في الحياة هي الربح. التراث الإنساني (الأخلاقي والديني والفلسفي) يبشر بقيم أخرى للحياة الفاضلة. هذا التناقض يشكل جوهر التوترات في المجتمعات التي أقامتها الرأسمالية.

الرأسمالية لم تأت بالنزعة الاستهلاكية فحسب، وإنما أيضا بالمنافسة القاتلة، وبانعدام المساواة (وهو لصيق بالرأسمالية)، وبالإمبريالية (التي بدأت كمشروع استثماري مع شركة الهند الشرقية، وشركة VOC الهولندية)، والإمبريالية جلبت بدورها العبودية. وهكذا. هذه الظواهر كلها مرتبطة بقيمة الربح وتحقيق المكسب كأساس للحياة السعيدة.

العجيب أن هذه القيمة (الربح والطمع في المزيد منه) ظلت تزحف حتى اقتلعت في مسيرتها المظفرة كل القيم الإنسانية والأخلاقية الأخرى. في عالم اليوم، الربح يُمثل القيمة الأولى والأعلى. لا معنى لعمل أو قيمة أو اختراع أو بحث أو فكرة أو سلعة أو خدمة دون أن ترتبط بأرباح عاجلة أو آجلة.

هنا ــ على وجه التحديد ــ تكمن خطورة الفكرة الرأسمالية بوصفها منظومة كاملة للحياة وليس فقط لإدارة الاقتصاد.

ما نعرفه من تاريخ الرأسمالية القصير (بالنسبة للتاريخ الإنساني) أنها نظام في حالة تطور مستمر. هو لا ينتج فقط المزيد من السلع والخدمات وأدوات الإنتاج والتكنولوجيا، ولكنه يُنتج أيضا أفكارا جديدة لتشغيل النظام نفسه بصورة أفضل وأكثر إنسانية (دولة الرفاهة، حقوق العمال، شبكات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، القوانين المضادة للاحتكار). ربما يكون ذلك هو سرّ بقاء الرأسمالية وصمودها أمام الأفكار المنافسة. ربما يعطينا هذا بعض الأمل في أن النظام قادر على تصحيح نفسه بإدخال تحسينات مستمرة على طريقة عمله.

الرأسمالية هي التي أنتجت العالم المعاصر، بخيره وشره، بكل ما فيه من أسباب السعادة والبهجة، وكذا من مصادر الألم والمعاناة. العالم الذي خلقته هو بالقطع أكثر غنى ورفاهية. ولكن ــ ووفقا للافتراض الجوهري في الرأسمالية ذاتها ــ هو ليس بالضرورة أفضل "العوالم الممكنة". غدا أفضل!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.