وزيرا خارجية الولايات المتحدة الأميركية وقطر في لقاء سابق (أرشيف)
وزيرا خارجية الولايات المتحدة الأميركية وقطر في لقاء سابق (أرشيف)

بقلم سايمون هندرسون/

في 30 كانون الثاني/يناير يستضيف وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في واشنطن بالاشتراك مع وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس حوارا استراتيجيا بين الولايات المتحدة وقطر. وفي دلالة مبشرة بالخير على مدى جدية إدارة ترامب إزاء هذا المؤتمر الثنائي الأول من نوعه بين البلدين، تم التأكيد أيضا على اختيار الوزير تيلرسون كمتحدث في حفل الاستقبال الذي أقيم من قبل "غرفة التجارة" للوفد القطري مساء الإثنين التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير.

إن التزام واشنطن الرفيع المستوى بهذا الحدث يعود جزئيا إلى انحراف المساعي الأمريكية للتصدي لأنشطة إيران المخلة بالاستقرار في الخليج، عن مسارها منذ أيار/مايو الماضي بسبب اندلاع مظاهر التوتر السافرة داخل "مجلس التعاون الخليجي" بشكل مفاجئ. وفي ذلك الوقت، تعرضت "وكالة الأنباء القطرية" لهجوم إلكتروني واضح نشرت فيه تصريحات وهمية متعاطفة مع إيران أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين قطر والتحالف المكون من السعودية والإمارات والبحرين ومصر. ثم أصدر التحالف لائحة تضمنت 13 شكوى ضد الدوحة، من ضمنها دعمها المزعوم للإرهابيين.

وقد تجلى الموقف الأمريكي من هذا الصدع في بادئ الأمر من خلال تغريدة للرئيس الأمريكي عبر موقع "تويتر" أعرب فيها عن تعاطفه مع الموقف السعودي والإماراتي وجاء فيها: "صرحت خلال زيارتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط أنه لا يمكن أن يكون بعد الآن تمويل لـ "الأفكار المتطرفة". ووجه القادة أصابعهم نحو قطر وقالوا: انظر!". لكن ثبت بعد وقت قصير أن بعض أعضاء الإدارة الأمريكية اتخذوا موقفا أكثر حيادية وسربوا الخبر القائل إن دولة الإمارات هي التي نظمت الهجوم الإلكتروني الذي تعرضت له قطر. وبعد ذلك بوقت قصير وقعت واشنطن والدوحة اتفاقية لمكافحة الإرهاب، لكن الجهود الرامية إلى إقناع الأطراف بمعالجة الأزمة قد تعثرت على ما يبدو بسبب ممانعة القائد الفعلي للإمارات، ولي عهد أبوظبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان.

إقرأ للكاتب أيضا: الصراع والتغطية: حقيقة ما يجري في اليمن

وعلى مدى الشهرين الماضيين، تفاقمت التوترات بين قطر والإمارات مع تبادل الدولتين الاتهامات بتحليق الطائرات العسكرية لكل دولة في أجواء الدولة الأخرى ومع حدوث ضجة بشأن خريطة عرضت في متحف "اللوفر أبوظبي" تستثني شبه الجزيرة القطرية. وفي ما بدا تراجعا مدروسا بعناية، أعلنت القوات الجوية الإماراتية في 23 كانون الثاني/يناير أنها تتجنب التصعيد مع الدوحة، وبعد ذلك بيومين أعرب وزير الخارجية القطرية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عن موقف مماثل. وفي يوم الإثنين 29 كانون الثاني/يناير، أعلن "اللوفر أبوظبي" أن حذف دولة قطر عن الخريطة كان بسبب "خطأ في الطلبية" ("الإهمال").

وفي الوقت نفسه، كان الرئيس ترامب يلمح إلى حدوث تحول علني في السياسة الأمريكية تجاه الخلاف. وقبل أسبوعين، وفي محادثة هاتفية أعرب الرئيس الأمريكي عن شكره لأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني على جهوده "لمكافحة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله". وبعد ذلك، وخلال الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي أمام "المنتدى الاقتصادي العالمي" في دافوس في 26 كانون الثاني/يناير بدا أنه يشدد على أهمية وجود جبهة خليجية موحدة حين ضمّن مقدمة خطابه حول الشرق الأوسط بتصريح معبر جاء فيه: "لا نزال ندعو شركاءنا إلى مواجهة دعم إيران للإرهابيين". وفي وقت لاحق من ذلك اليوم أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر.

ومن المقرر أن يضم الوفد القادم من الدوحة هذا الأسبوع نائبَي رئيس الوزراء (وهما أيضا وزيرا الخارجية والدفاع) ووزير الطاقة والصناعة ووزير الاقتصاد والتجارة ووزير المالية. وقد ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية عبر موقعها على "تويتر" أن الحوار "سيناقش مجالات التعاون بين البلدين بما فيها التجارة والاستثمار والدفاع والأمن وإنفاذ القوانين ومكافحة الإرهاب والطيران". ومع ذلك، وإذ تبقى واشنطن ممتنة لقطر على استضافتها "قاعدة العديد الجوية" والطاقم العسكري الأمريكي المؤلف من عشرة آلاف فرد، إلا أن هناك أيضا مسائل عالقة بينها وبين الدوحة، لا سيما فيما يتعلق بالإرهاب ـ ويفسر ذلك على الأرجح السبب الذي دفع مكتب مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية إلى نشر تغريدة قبل انعقاد القمة مفادها أن "الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر سيتضمن مواضيع مكافحة الإرهاب".

ويقول مسؤولون سابقون إن أهمية الحوارات الاستراتيجية يمكن أن تختلف اختلافا كبيرا وفقا لمستوى التمثيل ونطاق المشاركة من الجانب الأمريكي. ويبشر المشروع المشترك بين تيليرسون وماتيس بعقد جلسات مثمرة، إلا أنه لا يمكن تكوين رأي كامل إلا بعد انتهاء الحوار.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.