مناصرون لحركة أمل يحرقون إطارات سيارات (رويترز)
مناصرون لحركة أمل يحرقون إطارات سيارات (رويترز)

بقلم فارس خشّان/

 في لبنان، تسود "شريعة الغاب".

قد يعتبر البعض أن هذا توصيف "مبالغ فيه"، ومجرد استنساخ آلي للاستياء الشعبي السائد، ولكن كثيرين يعتقدون بأنه توصيف دقيق جدا، وله ما يبرره.

وتبدو حرية التعبير مجالا رحبا لشرح هذا التوصيف، فالمحاكم تزدحم بدعاوى ضد صحافيين وإعلاميين وناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، بحجة المس بسمعة المسؤولين.

وكان يمكن إدراج هذه المسألة في خانة تطبيق القانون، لو أن المنحى الادعائي شامل ومتساو، ولكنه في الواقع يستهدف، وبشكل كبير، فئتين من الناس: المعارضة وغير المحميين.

ثمة فئة من الناس محمية كليا. من ينتسبون إليها لا يمسّون بسمعة المسؤولين فحسب، بل يذهبون، في كثير من الأحيان، إلى توجيه تهديدات بالقتل، أيضا.

حتى على هذا المستوى، يبدو الأمر، على فظاعته، بسيطا أمام معطيات أخطر، حيث يبرز هؤلاء الذين يعتبرون "المطاردة "القضائية، مجرد سلاح لا يلجأ إلى استعماله إلا الضعفاء.

فئة "الأقوياء" هذه تطبق "شريعتها" الخاصة، ضد كل من يتعرض لها. 

إقرأ للكاتب أيضا: بين التطبيع... والتطويع

تعرف اللبنانيون على هذه الفئة، يوم نزل مناصرون لـ"حزب الله" وأقفلوا الطرق وهددوا وتوعدوا، بسبب إدراج الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، في مقطع تمثيلي ساخر.

وسرعان ما التقط مناصرو رئيس مجلس النواب، رئيس "حركة أمل" المتحالفة مع "حزب الله" هذا الأسلوب، وبدأوا يتبعونه بحذافيره، كلما مسّ أحد بشخص نبيه بري الذي يلعب دورا مركزيا في صناعة القرار، أي أنه في موقع جاذب جدا للمعارضة والانتقاد.

وبذلك، يقع اللبنانيون بين مطرقة المحاكم "الممسوكة"، وبين سندان "الأقوياء".

ومع المجموعة الثانية، كانت "علقة" وزير الخارجية جبران باسيل الذي وصف الرئيس نبيه بري بـ"البلطجي" متوعدا، في لقاء انتخابي جرى تسجيله وتسريبه، بـ"تكسير رأسه"، فكان الرد المباشر لبري، أن حرك عضلاته "الشارعية"، فأقفلت الطرق بالإطارات المحروقة وهددت وشتمت وأرعبت... وأحيت شبح الحرب الأهلية.

لبنان محكوم بشريعة الغاب، حيث القوي يتحكم بالضعيف، ويسلب حقوقه ومكتسباته

​​وإعمالا لمعادلة تثبيت قوة الأقوياء، تقف السلطة القضائية ومعها، بطبيعة الحال، المؤسسات الأمنية على الحياد، بحيث لا ملاحقات ولا موقوفين، فيما يتدخل المسؤولون الآخرون، على أساس أنهم مصلحون، وليس باعتبارهم حكاما منوطة بهم مسؤولية منع "استيفاء الحق بالذات"، الذي هو جرم مكتمل العناصر في القانون اللبناني، كما في كل القوانين الوضعية في العالم.

وهذا تحديدا، يسمح بترجيح صحة القول إن لبنان محكوم بشريعة الغاب، حيث القوي يتحكم بالضعيف، ويسلب حقوقه ومكتسباته.

وحين تصبح حرية التعبير في خطر، يقع المجتمع في الهاوية، لأنه يصبح عاجزا عن إحداث التغيير المطلوب على مستوى القيادات السياسية.

وليس عبثا أن لبنان من الدول الديموقراطية القليلة التي لا تتجدد فيه طبقته السياسية ولا يقاد مسؤول مرتكب إلى السجن ولا تفتح تحقيقات جدية في ملفات فساد، ولا تجد فيه أي مشكلة حلا حقيقيا.

وهذا الترسيخ المتعمّد لشريعة الغاب، هو الذي يسمح بوصول شخصيات غير مؤهلة إلى مناصب عليا، استنادا إلى معايير الولاء والنسب والمصاهرة، في ظاهرة "نيبوتيزية" فاضحة (Nepotism: أن يفضل المسؤولون أقربائهم وأصدقائهم وخصوصا لجهة الحصول على الوظائف).

وينتج هؤلاء غير المؤهلين لشغل مناصب عليا، في العموم، مشاكل سياسية كبرى، لأنهم يستقوون بعملهم، من أجل تحقيق منافع كبرى خاصة، غير آبهين بما ينتجونه من مصائب عامة.

وفي هذا الإطار، لا تزال ظاهرة "دانيال ويلسون"، صهر الرئيس الفرنسي "جول غريفي" الذي أجبر على الاستقالة في العام 1887، ماثلة حتى تاريخه، لأسباب كثيرة ومن بينها تلك الأغنية الشهيرة التي استلهمت الكارثة التي لحقت بالرئيس بسبب صهره: "آه، ما هذه المصيبة، أن يكون لديك صهر"،(Ah! Quel Malheur d’avoir un gendre).

إقرأ للكاتب أيضا: السعودية والحريري.. التأزم!

وهذا كله يطيح بالهدف الذي يبرر به بعض الأطراف تنازلاتهم، إذ إنه تحت عنوان الاستقرار تم التغاضي عن مسائل جوهرية كثيرة، ووجد اللبنانيون أنفسهم يقبلون بانتخاب من كانوا يعارضونه، ويتغاضون عن شراكة سيادية بين جيشهم من جهة وبين ميليشيا مسلحة من جهة أخرى.

إلا أن ما هو مطلوب من الشعب لا يبدو مطلوبا من جميع القيادات التي أبرمت ما سمي بـ"صفقة الاستقرار"، إذ إن هؤلاء، ومتى وجدوا مصلحة انتخابية وسياسية، قالوا كلاما مستوحى من أدبيات الحروب، أو وجدتهم، إن سمعوا كلمة تؤذي كبرياءهم، افترشوا الطرق بشبح حرب أهلية.

والمصيبة في كل ذلك، أن من يشعل الطرق ويقفلها، خلافا للقانون، إنما يفعل ذلك اعتراضا على وصفه بـ"البلطجي"، فيما من "يقُد مراجل" أمام قواعده الانتخابية، سرعان ما يحاول "بلع كلماته"، لأن ثمة بونا شاسعا بين عضلة اللسان وبين عضلة الشارع.

ــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟