أحد الناشطين المصريين العاملين في منظمات المجتمع المدني خلال محاكمتهم عام 2012 (أرشيف)
أحد الناشطين المصريين العاملين في منظمات المجتمع المدني خلال محاكمتهم عام 2012 (أرشيف)

بقلم هاريس سيتزر/

بعد مرور أكثر من أربع سنوات على إدانة ثلاثة وأربعين ناشطا من العاملين في المنظمات غير الحكومية المصرية والأجنبية، لا تزال هذه القضية تثير التوترات في العلاقات الأمريكية ـ المصرية. فبالنسبة للكثيرين في واشنطن، شكلت إدانة جميع الأفراد الأمريكيين السبعة عشر بارتكاب جنايات ـ ومن بينهم نجل أحد الوزراء في إدارة أوباما ـ رمزا لمقاربة مصر القمعية المتزايدة تجاه المجتمع المدني، وبررت إنهاء التمويل الأمريكي للقاهرة. ومع ذلك، يأمل البعض الآخر، في كل من الكونغرس والإدارة الأمريكيين، بحل الأزمة بطريقة تنهي الخطر القضائي اللاحق بالأمريكيين وتمكن العلاقات الثنائية من المضي قدما في الوقت نفسه. وفي هذا السياق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هو الوضع الراهن لقضية المنظمات غير الحكومية وما هي فرص التوصل إلى حل؟

الخلفية

في كانون الأول/ديسمبر 2011، داهمت الشرطة المصرية مكاتب أكثر من اثنتي عشرة منظمة غير حكومية بارزة، بما فيها "المعهد الجمهوري الدولي (IRI)" و"المعهد الديمقراطي الوطني (NDI)" و"فريدوم هاوس"، "مؤسسة كونراد أديناور" و"المركز الدولي الأمريكي للصحفيين". في العام التالي، اتهمت محاكم مصرية عشرات الناشطين بتلقي أموال أجنبية، والعمل من دون تصاريح، والتحريض على إثارة الاضطرابات في مصر. وبحلول موعد المحاكمات التي أجريت في حزيران/يونيو 2013، كان جميع الأمريكيين ـ باستثناء الموظف لدى "المعهد الديمقراطي الوطني (NDI)" روبرت بيكر الذي اختار بكامل إرادته البقاء لحضور جلسات الاستماع ـ والعديد من المصريين المُدعى عليهم قد غادروا البلاد. وبالفعل، دفعت الحكومة الأمريكية كفالة قدرها 330 ألف دولار للمواطن الواحد من أجل السماح للأمريكيين بالمغادرة. وقد وجد المُدعى عليهم، الذين حوكم الكثير منهم غيابيا، مذنبين جميعهم وحُكم عليهم بالسجن لمدة خمس سنوات، على أن ينفذوا هذه الأحكام فور عودتهم إلى مصر. وعلى الرغم من أن القاهرة لم تختر القيام بهذه الخطوة، إلا أنه بإمكانها أن تقدّم إلى الإنتربول على نحو مماثل أسماء هؤلاء "الهاربين من وجه العدالة" والمطالبة بتسليمهم إذا ما تم رصدهم أثناء زيارتهم لأوروبا.

السلطة القضائية المصرية

في أعقاب صدور الأحكام، أصدرت المتحدثة باسم "مجلس الأمن القومي" في إدارة أوباما، كيتلين هايدن، بيانا أعربت فيه عن قلقها إزاء ما وصفته بـ"محاكمة ذات دوافع سياسية تقوض حماية حقوق الإنسان العالمية". وعلى الرغم من انتقاد واشنطن، أجريت المحاكمة مع بعض الاحترام للإجراءات القانونية على الأقل. بمعنى، أن المُدعى عليهم حوكموا وفقا لقانون قائم، وكانت المحاكمة علنية. ومع ذلك، عجز هذا الالتزام بالإجراءات عن إخفاء العدائية تجاه المجتمع المدني، المتأصلة بعمق في الدولة المصرية. ففي حين تم إنفاذ القوانين، إلا أن التشريع نفسه ينطوي على مشاكل.

بما أن الحكم الاستبدادي قد حدد معالم القانون المصري على مدى عقود، فقد يعني تطبيق القانون بأمانة، إصدار قرارات تنتهك حقوق المجتمع المدني

​​وتجدر الملاحظة، أن القضاء المصري مؤسسة قوية ذات تاريخ عميق وطويل. ويتمتع القضاة بشعور الانتماء إلى مؤسسة خاصة مكلفة بمهمة خاصة. وبالفعل، بعد ثورة عام 2011، تطلع عدد كبير من المصريين إلى المحاكم لتوجيه دفة المرحلة الانتقالية. كما أن القضاة لا يتحركون وفقا لنزوات الرئيس أو الجيش أو أي كيان آخر. وكما يشير عالم السياسة ناثان براون، لا تأتي القرارات القمعية التي يتخذها القضاء المصري غالبا نتيجة "اتصال هاتفي" ـ أي تدخل مباشر من قبل الرئيس أو الجيش أو أي جهة أخرى، بل يتصرف القضاة وفقا لمصالح السلطة القضائية وتفسيرها للقانون. ومع ذلك، فنظرا إلى موقف القضاة المصريين بصفتهم أصحاب المناصب ـ أي شاغلي الوظائف، الذين يستمدون وضعهم القانوني من النظام القائم ـ فإنهم غالبا ما يميلون إلى اتخاذ قرارات قمعية. وعلاوة على ذلك، بما أن الحكم الاستبدادي قد حدد معالم القانون المصري على مدى عقود من الزمن، فقد يعني تطبيق القانون بأمانة، إصدار قرارات تنتهك حقوق المجتمع المدني.

وبالنظر إلى السياق الاستبدادي الذي عمل في ظله القضاة لفترة طويلة، فإنهم سيتكبدون خسارة مماثلة للجميع في حال تغير النظام. وهذا ما يفسر الاضطرابات الكبيرة التي أحدثتها فترة الحكم القصيرة للرئيس الإسلامي محمد مرسي في الجسم القضائي. فقد كان العداء كبيرا تجاه حكومة مرسي وسط مخاوف واسعة النطاق من حملة تطهير. وحتى لو استمر القضاة الفرديون في شغل مناصبهم في ظل نظام جديد، فإن قوة القضاء المصري، صاحب التاريخ المؤسسي الطويل، ستكون مهددة. أما بالنسبة للقضاة الذين يعتبرون أنفسهم في المقام الأول ممثلين لهذه المؤسسة الأكبر، فلن يقبلوا بمثل هذا التفكك.

سياسة المجتمع المدني

تشكل قضية المنظمات غير الحكومية خير دليل على التوافق الكامن في سياسة النظام المصري تجاه المجتمع المدني، حتى في سياقات سياسية مختلفة. وفي حين علت، نسبيا، أصوات المجتمع المدني في عهد مبارك، إلا أن ثورة عام 2011 عززت احتمال قيام المجتمع المدني بإحداث تغيير فعلي في مصر. ولكن خلال حقبة مرسي، وفي ظل الحكومة الحالية أيضا بقيادة عبد الفتاح السيسي، تم شن حملة قمع على المجتمع المدني. غير أنه خلال كافة هذه الحقبات، بقي المجتمع المدني حقلا تتولى الدولة إدارته من خلال التشريعات والقرارات القضائية. فالتحرر المؤقت، كالذي شهدته مصر في حقبة مبارك، لم يغير هذا المبدأ الأساسي.

وقد لاحق القضاء المصري أيضا قضية الناشطين في المنظمات غير الحكومية خلال ثلاث فترات حكم لديها اتجاهات مختلفة على ما يبدو. إذ تم فتح القضية في كانون الأول/ديسمبر 2011، أي عندما كانت مصر تخضع لحكم "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، وهي السلطة العسكرية الانتقالية التي استلمت زمام السلطة فور الإطاحة بمبارك. وقد صدرت الأحكام في نهاية رئاسة جماعة "الإخوان المسلمين" بقيادة مرسي. ولا تزال هذه الأحكام سارية المفعول اليوم في عهد السيسي. وعلى الرغم من أن مصر شهدت تغيرات سياسية عديدة، إلا أن النهج العقابي حيال المجتمع المدني لم يُظهر أي مؤشرات على الانحسار.

تعامل الحكومة المصرية مع المجتمع المدني، هو اختبار لاستعدادها لاحترام حقوق مواطنيها الأساسية، وبالتالي اعتبارا هاما للسياسة الأمريكية

​​ومن الأسباب الرئيسية لهذا النهج، الخوف من تجدد الانتفاضات المماثلة لتلك التي هزت مصر بين عامي 2011 و2013. ويبدو أن كل حكومة ترى تنظيم مؤسسات المجتمع المدني وسيلة للتخفيف من هذا الاحتمال. وفي حين قد يرى البعض أن ربط الحكومة بين المجتمع المدني والاضطرابات الشعبية غير منطقي وينم عن جنون الارتباك والشك، فإن الدور الهام الذي أدته أندية كرة القدم في احتجاجات عام 2011 يقدم على الأقل بعض الأدلة على عدم صحة ذلك. وبالفعل، تهدف الأنظمة التي تفرضها الدولة على المجتمع المدني إلى منع أي تحرك جماعي من أي نوع. وفي أيار/مايو 2017، أقرّت تشريعات بهدف تنظيم المجتمع المدني وشملت شبكة واسعة من المنظمات، حتى تلم التي لا علاقة لها بالسياسة أو بمنظمات أجنبية.

الخاتمة

بعيدا عن كون قضية المنظمات غير الحكومية حدثا منعزلا أو نتيجة بسيطة للاضطرابات التي أعقبت ثورة عام 2011، فهي تعكس حذر الحكومة المصرية القائم منذ سنوات طويلة من المجتمع المدني واستعداد المحاكم المصرية في تطبيق قوانين قمعية. وعلاوة على ذلك، تُظهر هذه القضية والتشريعات اللاحقة أن القاهرة تعتبر السيطرة على المجتمع المدني ضرورية لبقائها. ومن المؤكد أن تعامل الحكومة المصرية مع المجتمع المدني، هو اختبار لاستعدادها لاحترام حقوق مواطنيها الأساسية، وبالتالي اعتبارا هاما للسياسة الأمريكية. وفي حين أن حقوق الإنسان تعد عنصرا ثانويا ضمن سياسة إدارة ترامب تجاه مصر، فإن العديد من أعضاء الكونغرس يعتبرون أن حقوق الإنسان أولوية، وأن هذا التباين قد زعزع العلاقات الثنائية.

حتى لو تم التوصل إلى حل جزئي لقضية المنظمات غير الحكومية، ستبقى هذه رمزا للاستبداد في مصر

​​وعلى المدى القصير، يبدو أن قضية المنظمات غير الحكومية لا يمكن حلها من خلال حدوث تحول في السياسة المصرية أو من خلال ضغوط تمارسها الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة، فإن الالتزام الكبير من جانب القضاء المصري بالنظام الاستبدادي، رغم مظاهر الاستقلال العابرة، يحدد الخلفية التي تبرر وجهة نظر الحكومة القائلة بأن السيطرة على المنظمات غير الحكومية يعد أمرا أساسيا لاستمرارها. وعلى مدى العام الماضي أو نحو ذلك، أجرت واشنطن مناقشات سرية مع إدارة السيسي بشأن وضع آلية تسمح للرئيس بالعفو عن الأمريكيين المدانين ـ وهي عملية قد تشمل أولئك المدانين الذين يدلون بشهاداتهم عن بعد خلال جلسات الاستئناف، في خطوة ضرورية لتبرئتهم.

وفي وقت من المزمع فيه أن تجري الانتخابات المصرية في أواخر آذار/مارس، فقد تبرهن براءة المتهمين على المدى القريب على وجود جسر سياسي بعيد المنال بالنسبة للسيسي. فمن المرجح خلال الأسابيع المقبلة أن يقرر القضاء المصري إعادة محاكمة الثلاثة وأربعين ناشطا بناء على ادعاء بوجود مشاكل إجرائية شابت المحاكمة الأولى. وفي أفضل الأحوال، قد يواجه المتهم اتهامات أقل جسامة عند إعادة محاكمته.

وفي نهاية المطاف، وفي حين ستكون تبرئة مبتكرة للمواطنين الأمريكيين دليلا على حسن نية مصر، إلا أنها لن تعوض عن إدانة الموظفين المصريين السابقين في منظمات أمريكية في مصر أو غيرها من المنظمات غير الحكومية التي أقفلت أبوابها الآن. كما أنها لن تعالج مشكلة حقوق الإنسان المتجذرة في البلاد. ومن هذا المنطلق، حتى لو تم التوصل إلى حل جزئي لقضية المنظمات غير الحكومية، ستبقى هذه رمزا للاستبداد في مصر الذي يُعتبر العائق الفعلي أمام توطيد العلاقات الأمريكية ـ المصرية.

هاريس سيتزر، باحث يركز على سياسة الشرق الأوسط. وقد حصل مؤخرا على شهادة الدكتوراه من "جامعة كورنيل" عن إطروحته بعنوان "السلطة القضائية في الأنظمة الانتقالية: تونس ومصر منذ "الربيع العربي".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A volunteer from Basij forces wearing a protective suit and face mask sprays disinfectant as he sanitizes a bus station, amid…
أحد عناصر "الباسيج" خلال عملية تعقيم للأماكن العامة قي طهران

بعد أشهر من إنكار إيران تفشي فيروس كورونا على أراضيها، كانت أول مبادرة رئيسية قامت بها لاحتواء الفيروس هي إنشاء "مقر وطني" لمكافحة هذا الوباء تحت توجيه الرئيس حسن روحاني، إلى جانب مجلس لدعم قرارات هذا الكيان الجديد. 

ومع ذلك، فإن عدم كفاءة الحكومة، والفجوة بين الرئيس ومنافسيه، والانتشار السريع لـ "كوفيد-19" في جميع أنحاء البلاد سرعان ما أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بإشراك القوات المسلحة في المبادرة.

وبدلا من وضع القوات تحت سيطرة روحاني، أمر خامنئي بإقامة "مقر الإمام الرضا الصحي والعلاجي" في 12 مارس برئاسة رئيس "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" اللواء محمد باقري. وقد طُلب من اللواء التعامل مع الوضع على أساس أنه مناورة دفاعية [ضد هجوم] بيولوجي، بما يتماشى مع ادعاء خامنئي الخيالي بأن الوباء جزء من حملة حرب بيولوجية أميركية ضد النظام.

ومن خلال وضع "مقر" العلاج الجديد تحت سلطة "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" ـ أعلى هيئة عسكرية في إيران ـ كلّف خامنئي بشكل أساسي جميع القوات المسلحة في البلاد بمكافحة الفيروس. 

كثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دمية يحرّكها "الحرس الثوري"

على سبيل المثال، أُمرت وزارة الدفاع و "إسناد القوات المسلحة"، التي تشرف على جميع قضايا التخطيط والتمويل المتعلقة بالجيش، بإنتاج أجهزة تنفس اصطناعية، ومعدات وقائية، وإمدادات طبية أخرى. 

وقد طُلب من الجيش النظامي ("أرتش")، المسؤول عادة عن حماية السلامة الإقليمية للبلاد، تطهير الأماكن العامة وإقامة مستشفيات ميدانية مؤقتة وتحضير أسِرّة للشفاء. 

وبالمثل، استَخدمت "قوة إنفاذ القانون" ("ناجا") بعض معداتها المخصصة للسيطرة على الحشود لتطهير الشوارع ـ وإن كان ذلك أثناء عرض لافتات تشير إلى أنها أكثر تركيزا على الدعاية من الصحة العامة.

ومع ذلك، فقد حدثت أكثر الخطوات الجديرة بالملاحظة داخل "الحرس الثوري" الإيراني وفروع ميليشيا "الباسيج" التابعة له. فإلى جانب إرسال القوات لفحص المرضى، والسيطرة على حركة الأشخاص، وتطهير الأماكن العامة، وتصنيع معدات الحماية، قام "الحرس الثوري" بتفعيل مقرٍّ مركزي دائم للدفاع البيولوجي يسمى "الشفاء". 

وفي الواقع، إن هذا المقر ليس قيادة جديدة. فقد تأسس عام 2012 من قبل "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" التابعة لـ "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة"، والتي أُنشئت في البداية عام 2003 لتعزيز قدرة إيران على الصمود في المعارك من خلال تعزيز البنى التحتية. ويخضع كلٌّ من "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" ومقر "الشفاء" لسلطة "المقر المركزي لخاتم الأنبياء"، الذي هو رسميا على نفس مستوى "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" والمسؤول عن إدارة القوات المسلحة الإيرانية خلال زمن الحرب.

وحين وضع "الحرس الثوري" مقر "الشفاء" تحت قيادته، أنشأ مقرّات فردية للدفاع البيولوجي في جميع المحافظات الإيرانية. وقبل عقد من الزمن، أصبح "الحرس الثوري" لامركزيا بصورة تدريجية حيث تم تقسيمه إلى 32 وحدة حرس موزعة بين المحافظات ["وحدات حرس المحافظات"] (واحدة لكل محافظة باستثناء طهران، التي لديها وحدتان). 

وكان يُقصد من هذه الخطوة جزئيا، ضمان تنسيق أفضل بين قوات "الباسيج" و"الحرس الثوري" العاملة في كل محافظة، وإعداد "الحرس الثوري" بشكل أفضل ضد أي تهديدات للنظام.  

واليوم تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري، ومتجسدة في حكومات المحافظات (أوستنداري) التي تخضع لسلطة وزارة الداخلية، والرئيس الإيراني في النهاية. 

وتتولى كل قيادة لـ "وحدات حرس المحافظات" الإشراف على العديد من الهيئات المحلية: "ناحية لـ "الحرس الثوري" ـ "الباسيج"" في كل مقاطعة (فرمنداري)، ودائرة واحدة على الأقل لـ "الباسيج" في كل بلدة (بخش)، ووحدة إقليمية أصغر مكوّنة من عدد قليل من البلدات (شهر) أو مناطق ريفية (دهستان) وقاعدة لـ "الباسيج" في كل حي.

A person with a walker crosses 42nd Street in a mostly deserted Times Square following the outbreak of Coronavirus disease …
فيروس العداء للولايات المتحدة!
حمى وباء كورونا أنتجت معها، من بين أمور أخرى، حمى التبشير بقرب سقوط الولايات المتحدة الأميركية وصعود الصين وروسيا، في مشهد يذكر بأولئك الراكضين إلى عرض البحر لالتقاط ما تسرب من سفينة ألقت بجزء من حمولتها لتخفيف الوزن، فيما هم يظنون بأن السفينة قد غرقت

ووفقا للنظام الداخلي لـ "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي"، يترأس المحافظ (أوستندار) جميع مقرات الدفاع السلبي في المحافظة، بما فيها مقر "الشفاء". ومع ذلك، فإن نقل "الشفاء" إلى سلطة "الحرس الثوري" قد وضع فعليا القادة المحليين لـ "وحدات حرس المحافظات" في موقع المسؤولية بدلا من الترتيب السابق.

ومع استدعاء "الحرس الثوري" لبعض قواته الخاصة ومختلف وحدات "الباسيج" ـ خاصة الطلاب وأعضاء النقابة والممارسين الطبيين ـ تمكّن من حشد نحو 600,000 عنصر للمساعدة في احتواء الفيروس في كافة أنحاء البلاد. كما شكّل ثماني لجان في كلٍّ مقر من مقرات المحافظات، وأُنيطَت بها المهام التالية:

  • لجان الأمن والمخابرات: تفتيش المستودعات بحثا عن لوازم طبية مكدّسة، واعتقال الأشخاص الذين ينتقدون رد النظام على تفشي المرض، وما شابه ذلك من مهمات.
  • لجان التطهير: تطهير الأماكن العامة.
  • لجان التعليم: إنتاج مواد تربوية حول الوباء وطرق احتوائه.
  • لجان الفحص: إجراء فحوصات الفيروسات في جميع المنازل.
  • اللجان اللوجيستية: تصنيع المعدات الأساسية مثل الأقنعة والمعقّمات اليدوية.
  • اللجان التنفيذية: مساعدة النظام على ضبط حركة المدنيين وفرض الحجر الصحي.
  • اللجان الثقافية: تأدية مهام مختلفة كتوزيع نسخ من "الصحيفة السجادية" التي تتكوّن من مجموعة أدعية أوصى خامنئي الناس بتلاوتها خلال الأزمة.
  • لجان إدارة الرأي العام: إنتاج المحتوى (على سبيل المثال، المجلات ومقاطع الفيديو القصيرة) الذي يروّج لجهود "الحرس الثوري" ـ "الباسيج" لمكافحة الفيروس.

تشكل "وحدات حرس المحافظات" منظومة إدارية عسكرية موازية بشكل مباشر لنظام الدولة الإداري

وعلى الرغم من كل هذه الأعمال، ما زال الكثير من الإيرانيين ينتقدون النظام، بما في ذلك "الحرس الثوري". وتشير تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، والمقابلات التي أجريت مع كاتب هذا المقال، إلى جانب أمور أخرى تمت ملاحظتها، إلى أن الحملات المذكورة أعلاه تُعتبر على نطاق واسع مجرد أدوات دعائية لا تؤتِ إلا بنتائج قليلة على أرض الواقع.

وفي الوقت نفسه، فإن إنشاء مقرات الدفاع البيولوجي والانتشار الواسع لـ "وحدات حرس المحافظات" التابعة لـ "الحرس الثوري" يُعدان إشارتان مقلقتان أخريان إلى عدم أهمية حكومة روحاني وازدياد وتيرة تسييس القضايا الأمنية في الجمهورية الإسلامية [وتبرير اللجوء إلى تدابير استثنائية لمعالجتها]. 

إنّ النفوذ والتغلغل الاجتماعي اللذين يستطيع "الحرس الثوري" تحقيقهما من خلال هذه القيادات المحلية في المحافظات سيعززان ثقله في الصراع النهائي لتحديد خلَف خامنئي. 

وأكثر الاحتمالات ترجيحا في الوقت الراهن هو أن يصبح المرشد الأعلى المقبل دميةً يحرّكها "الحرس الثوري". وفي الواقع، قد تستغني القيادة العسكرية حتى عن المنصب بالكامل. 

لذلك، يجب على صناع القرار السياسي مراقبة عن كثب المزيد من التوسع بين "وحدات الحرس الموزعة بين المحافظات"، مع التركيز على الدور البارز الذي قد يؤديه "الحرس الثوري" في إيران بعد رحيل خامنئي.