تواجه السلطات المصرية تحدي دفع المواطنين للتصويت في انتخابات يرونها شكلية (أ ف ب)
تواجه السلطات المصرية تحدي دفع المواطنين للتصويت في انتخابات يرونها شكلية (أ ف ب)

بقلم د. عماد بوظو/

حددت الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر شهر آذار/مارس 2018 موعدا لإجراء الانتخابات الرئاسية. في نهاية عام 2017 أعلن الفريق أحمد شفيق من الإمارات العربية المتحدة نيته الترشح لهذه الانتخابات وسرعان ما تم ترحيله بعد أيام إلى مصر، ومن هناك أعلن بعد احتجازه لمدة 35 يوما بأحد فنادق القاهرة تحت الحراسة الأمنية عن تراجعه عن خوض هذه الانتخابات، وأصدر بيانا مقتضبا قال فيه "بالمتابعة للواقع فقد رأيت أنني لن أكون الشخص الأمثل لقيادة أمور الدولة خلال الفترة المقبلة".

وفي نفس الفترة، أعلن محمد أنور السادات ابن أخ الرئيس المصري الأسبق عزوفه عن الترشح نتيجة ما وصفه بمضايقات تعرض لها مثل عدم السماح له بالحصول على موافقة رئيس البرلمان لمقابلة النواب وأخذ التوكيلات منهم لإتمام الإجراءات القانونية المطلوبة، أو حتى السماح له بحجز قاعة بأحد فنادق القاهرة لعقد مؤتمر صحفي من أجل إعلان موقفه من الترشح.

وقبل ذلك، صدر الحكم بالسجن ست سنوات مع الشغل والنفاذ على العقيد بالجيش المصري أحمد قنصوة في كانون أول/ ديسمبر 2017 لإعلان رغبته بالترشح للانتخابات وما تضمنه بيان الترشح الذي بثه عبر الإنترنت من انتقادات للنظام، وفي 24 كانون الثاني/يناير 2018 أعلنت حملة المرشح المحامي خالد علي انسحابه نتيجة "خروقات وعدم توفر إمكانية التعبئة والمنافسة والدعاية وغياب الثقة في إمكانية تحول الاستحقاق الانتخابي إلى فرصة لبداية جديدة".

عندما عبّر الفريق سامي عنان عن تفكيره بالترشح تم اعتقاله مع بعض مساعديه كما تم الاعتداء بالأسلحة البيضاء على من قال عنان إنه سيرشحه لمنصب نائب الرئيس، المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، في واقعة تم تسجيلها من قبل الأمن المصري كمشاجرة. وكان هذا المستشار قد أقيل من منصبه عام 2016 بعد تصريحه بأن حجم الفساد الحكومي يتجاوز 600 مليار جنيه مصري، في رقم اعتبرته تحقيقات النيابة العامة غير دقيق.

رغم عدم وجود فرصة حقيقية لأي مرشح لهزيمة الرئيس السيسي لكن على ما يبدو لا يريد السيسي ومن حوله، أن يتحول أي مرشح بعد خسارته للانتخابات إلى نواة لمعارضة سياسية

​​في اليوم الأخير لموعد تقديم الطلبات، عندما لم يتبق أي مرشح لمنافسة الرئيس السيسي، وفي خطوة إنقاذية تقدم رئيس حزب الغد المصري موسى مصطفى موسى بطلب ترشيح حتى لا تتحول الانتخابات إلى استفتاء على مرشح وحيد على نمط ديكتاتوريات القرن الماضي. واللافت، أن حزب الغد ورئيسه هم من أشد مؤيدي السيسي، وصفحاتهم على موقع فيسبوك مليئة بصوره وتصريحاته، وليس مستغربا أن يقوموا يوم الانتخابات بالتصويت له وليس لمرشحهم المفترض.

إقرأ للكاتب أيضا: بخلاف الأديان الأخرى.. هذا سبب إزدياد الشرخ الطائفي بين المسلمين

لا يمكن أن تخدم مثل هذه الإجراءات الرئيس السيسي بل ستصوره كديكتاتور غير واثق من انتصاره على بقية المرشحين. فقد قالت وزارة الخارجية الأميركية إن المسؤولين الأميركيين "قلقون إزاء التقارير حول اعتقال وانسحاب واستبعاد مرشحين من العملية الانتخابية الرئاسية وسط شكاوى من عدم عدل هذه الانتخابات". كما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها بسبب اعتقال سامي عنان، وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك للصحفيين "نحن نحث السلطات المصرية على ضمان إجراء الحملة الانتخابية بطريقة موثوقة وشاملة وسليمة وتشاركية". وقالت مجلة نيوزويك "إن السيسي يتصرف كشخص يعرف أنه فقد الدعم المصري له ويخشى من المنافسة النزيهة".

أثارت هذه الإجراءات التي رافقت موسم الترشح للانتخابات الرئاسية المصرية انتقادات داخلية، وأدت إلى دعوة بعض القوى والشخصيات المصرية لمقاطعتها، وبعض هذه الشخصيات كان قبل هذه الأحداث من مؤيدي الرئيس السيسي.

تحديان بقيا أمام السلطات المصرية، أولها، كيفية دفع المواطنين للتصويت في انتخابات يرونها شكلية ومحسومة سلفا، وثانيهما، كيف سيقدمون للرأي العام الداخلي والخارجي النتائج عند صدورها والتي من المرجح أنها ستكون قريبة من التأييد المطلق على طريقة ما كان يحدث قبل ثورة 25 يناير. ورغم أن وجود فرصة حقيقية لأي مرشح لهزيمة السيسي في الانتخابات مستبعدة تماما، لكن، على ما يبدو لا يريد السيسي ومن حوله، أن يتحول أي مرشح بعد خسارته للانتخابات إلى نواة لمعارضة سياسية في مرحلة ما بعد الانتخابات، حتى يستكمل المحيطون بالسيسي عملية تفصيل الديموقراطية في مصر على مقاسه. 

حالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، مثال آخر على "ديموقراطية" مشرقية بطلها أيضا شخص واحد. فالرئيس بوتفليقة انتخب رئيسا عام 1999 وأعيد انتخابه لولاية ثانية، والتي حسب الدستور يجب أن تكون الأخيرة، عام 2004. وأصبح في وضع صحي صعب بعد إصابته عام 2005 بوعكة خطيرة كادت تودي بحياته، وأصبحت إطلالاته الإعلامية والخارجية نادرة نتيجة وضعه الصحي، ورغم ذلك فقد أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثالثة عام 2009 بنسبة 90.24 بالمئة، بعد تعديل الدستور بشكل يسمح للرئيس بوتفليقة بالترشح لعدد غير محدود من الدورات. ثم تعرض لأزمة صحية أخرى (جلطة دماغية) في نيسان/أبريل من العام 2013، وبقي في المشفى العسكري في فرنسا قرابة الأشهر الثلاثة بشكل متواصل، وعاد إلى الجزائر على كرسي متحرك؛ رغم كل ذلك، فاز الرئيس بوتفليقة بولاية رابعة عام 2014، مع أن خروجه للعلن كان نادرا. وكان فريقه ينتقي بعناية أفضل وأنسب اللقطات من مقابلاته الرسمية السريعة لبثها للجمهور، إلا أنها لم تستطع إخفاء صعوبة وضعه الصحي، وأصبحت خطاباته عباره عن رسائل مكتوبة توجه للشعب. وفي نهاية عام 2017 صرح صديق بوتفليقة المحامي فاروق قسنطيني أن الرئيس بوتفليقة يرغب بالترشح لولاية خامسة خلال النصف الأول من عام 2019! وقال إن صوت الرئيس تراجع وأنه يتحرك بصعوبة خصوصا بسبب رجليه وهو مقعد فوق كرسيه المتحرك لكن حالته جيدة وتحليله السياسي دقيق جدا! وحتى اليوم ترفض الرئاسة في الجزائر استحداث منصب نائب الرئيس حتى تستمر بالترويج للفكرة نفسها، وهي أن لا بديل عن بوتفليقة. لا يستطيع أحد التنبؤ بما سيحدث بعد غيابه عن المشهد وكيف ستتم عملية الانتقال وهل سيتهدد نتيجة لذلك الاستقرار في هذا البلد الكبير.

حتى اليوم ترفض الرئاسة في الجزائر استحداث منصب نائب الرئيس حتى تستمر بالترويج للفكرة نفسها، وهي أن لا بديل عن بوتفليقة

​​لبنان له تاريخه الخاص بالعائلات السياسية والزعامات التي لا ترتبط بحزب معين أو أفكار محددة، بل يأخذ الولاء فيها طابعا شخصيا أو طائفيا. لذلك، عندما تم بث تسجيل مصور لوزير الخارجية اللبناني جبران باسيل يقول فيه إن سلوك رئيس مجلس النواب نبيه بري في القضايا المحلية لا يشبه سلوك مسؤول في الدولة وظيفته سن التشريعات والإشراف على السلطة التنفيذية بل سلوك بلطجي، ثار وغضب أتباع الرئيس بري ونزلوا إلى الشوارع حاملين أسلحتهم الخفيفة والمتوسطة ومطلقين النار في الهواء، ردا على الإهانة التي تعرض لها رئيسهم، في سلوك يتجاوز تهمة البلطجة التي قالها الوزير باسيل إلى سلوك "الزعرنة" وأساليب المافيات. وهو ما يعطي فكرة عن طبيعة التشكيلات السياسية اللبنانية التي من الصعب اعتبارها أحزابا سياسية. عمر الأستاذ المحامي نبيه بري قريب من عمر الرئيس بوتفليقة وهو رئيس مزمن لمجلس النواب اللبناني منذ العام 1992، كما أنه رئيس حركة أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) منذ عام 1980، وفي هذه الحركة أيضا، لا يوجد نائب أو خليفة محدد "للأستاذ" فالحركة خلال كل العقود الماضية تدور حول شخصه.

إقرأ للكاتب أيضا: مظاهرة في مدينة مشهد تردد صداها في كل العالم

رد مؤيدو الرئيس بري، على وزير الخارجية جبران باسيل، بشتائم ومفردات سوقية معتبرين أنه كان من الصعب أن يكون بهذا المنصب لو لم يكن زوج ابنة الرئيس ميشال عون، الذي يقدم بنفسه نموذجا آخر على هذا النوع من الزعامة على الطريقة الشرقية. ففي النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي كان الجنرال عون قائدا للجيش ثم رئيسا للحكومة العسكرية في لبنان، وكان يطلق على أتباعه اسم "العونيين" أي جماعة الجنرال عون. وقد أثبتوا أنهم كذلك، لأنهم يسيرون خلفه مهما اختلفت سياساته أو تغيرت مواقفه. إذ كان عون من أوائل المعارضين للوجود السوري في لبنان وخاض مواجهات عسكرية مباشرة مع القوات السورية المتواجدة في لبنان، كما كان رافضا لسلاح حزب الله وقام بنشاطات دولية كبيرة لحشد الدعم لسياساته هذه وتوسعت شعبيته كثيرا في الشارع المسيحي نتيجة لذلك. لكن، عند عودته إلى لبنان بعد انتصار ثورة الأرز، التي انطلقت عقب اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري وأخرجت القوات السورية من لبنان، اختلف مع قادة 14 آذار على زعامة هذه الحركة. فغير موقفه بالكامل وانتقل بكل يسر وسهولة إلى المعسكر الآخر وأصبح بين عشية وضحاها حليفا لحزب الله والنظام السوري. الغريب في الأمر، أن حزبه سار معه في توجهاته الجديدة دون تساؤلات أو اعتراضات ذات بال. ربما هذا أوضح مثال على هذا النوع من الزعامات المشرقية التي يلتف حولها أتباع لا رأي لهم، يؤيدون زعيمهم مهما فعل، فالصواب عندهم هو ما يراه الزعيم صوابا والخطأ كذلك.

عند التعلق والارتباط بالأشخاص، تغيب الحياة السياسية الحقيقية والتي تدور عادة حول التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ليحل مكانها نقاشات سطحية حول مواصفات ومؤهلات الأشخاص. فعندما تكون الخلافات حول البرامج السياسية فإنها تحلّ في المجتمعات الصحية بالحوار والتنازلات المتبادلة، بما فيه مصلحة المجتمع ككل، بينما تختلف الأولويات في دول الزعامات الفردية.

وقد عرف العالم في الماضي، ما اصطلح على تسميته، بعبادة الفرد لشخصيات قيادية يحملون فعلا مواصفات استثنائية مثل ستالين أو ماو تسي تونغ أو الجنرال فرانكو، رغم الجرائم الكبيرة التي اقترفها هؤلاء، لكنهم كانوا مؤمنين فعلا بما يفعلون وكرسوا حياتهم في سبيل ذلك. أما ما نراه اليوم في منطقتنا، هو محاولة لتقديس أشخاص مواصفاتهم متواضعة. وهو ما يدفعنا للتساؤل هل ما نراه هو تملق فقط من قبل أشخاص وصوليين؟ أم أنه يتم بدافع الترهيب والخوف؟ أو هو ناجم عن الخشية من بدائل مجهولة في حال غياب الزعيم؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.