بقايا محرك طائرة سوخي التي أسقطت بداية شهر شباط/فبراير (أ ف ب)
بقايا محرك طائرة سوخي التي أسقطت بداية شهر شباط/فبراير (أ ف ب)

بقلم حازم الأمين/

المزاج الثأري الذي حرك رد الفعل الروسي على إسقاط طائرة الـ"سوخوي 25" في سماء إدلب في سورية، كشف عن انعدام حيلة موسكو حيال "سر الصاروخ" الذي أسقط الطائرة. وموسكو إذ تصرفت على نحو انتقامي، اختارت السكان المدنيين هدفا لرد فعلها، وهذا ليس دأب الساعين لمعرفة هوية الفاعل، الذي وعلى رغم إعلان جبهة النصرة مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة، ما زال مجهولا.

الطائرة أسقطت بصاروخ أرض جو، وإذا كان الصاروخ من نوع "ستينغر"، فهذا قد يعني أن انقلابا كبيرا في الوضع الميداني ستشهده سورية قريبا. ويُعزز هذا الافتراض واقعة الطائرات المسيرة المجهولة أيضا، التي استهدفت قبل أسابيع قليلة مطار حميميم العسكري والذي تستخدمه القوات الروسية في سورية. ذاك أن خبراء عسكريين قالوا في حينه إن هذه الطائرات غير متوافرة في الأسواق التقليدية، ولفت آخرون إلى أن الجيش التركي لا يملك منها.

موسكو إذ تصرفت في أعقاب سقوط الطائرة على النحو الدموي الذي تصرفت به، أطاحت بما كانت سوقته كإنجاز في رعايتها "الحل السوري"

​​لا تكفي هذه الوقائع لاستشراف الانقلاب، ويحتاج الركون إليها إلى مزيد من القرائن الميدانية. لكن أيضا، ثمة أمران يحرضان على الاستنتاج، الأول هو نوع رد الفعل الروسي، ذلك أن بوتين أراد أن يقول لأصحاب الصاروخ إن وسيلته للرد على عجزه ستكون باهظة الثمن، وهو بذلك ضاعف من صورة عجزه. والثاني أن المنطق يقول إن ترك الساحة له سيكون مكلفا على الجميع، لا سيما على واشنطن. وهنا، يمكن أن تختلف حسابات الإدارة عن حسابات المؤسسة العسكرية، إذ أن الأخيرة تقيس مصالحها وفقا لحسابات تتعدى في أحيان كثيرة قرارات الإدارة.

إقرأ للكاتب أيضا: الحب المستحيل بين حلفاء حزب الله

أن يكون الصاروخ من نوع "ستينغر"، وأن تكون "فتح الشام" قد تبنت عملية إطلاقه، فهذا مؤشر إلى وجهة في الوقائع تشبه في مسارها ما واجهه السوفيات في أفغانستان بفعل الـ"ستينغر" أيضا. لكن هذا أيضا، يدفعنا إلى احتمالات لا يمكن ضبطها في الواقع السوري اليوم. فالـ"ستينغر" كان أيضا الشهب الذي أعلن افتتاح زمن "الجهاد" مع ما جره هذا الافتتاح من ويلات لم ينج منها أحد. وهو إذ أصاب أولا الطائرة السوفياتية، فها هو الآن، إذا ما صدق التوقع، يكرر فعلته مع نفس الطائرة. وهذه الحقيقة تعيدنا إلى مراجعة توقعنا. فواشنطن لن تضع الـ"ستينغر" مجددا بأيدي "المجاهدين".

المشهد اليوم في سورية أكثر تعقيدا وأقل وضوحا من ذلك الذي كانت تعيشه أفغانستان في أواخر سبعينات القرن الفائت وبدايات ثمانيناته. تركيا ليست باكستان، وهي اليوم أقرب إلى موسكو وأبعد عن واشنطن، والأنظمة العربية التي سارعت إلى إرسال "مجاهديها" إلى بيشاور في ذلك الوقت تعيش اليوم أوضاعا صعبة على مختلف المستويات وهي ابتعدت عن الوضع السوري وصارت خارج حساباته تقريبا.

الأرجح أن الرسالة وصلت إلى موسكو، والأخيرة ستتصرف بموجبها على رغم الجرح النرجسي الذي خلفته في وجدان رجل الكرملين

​​ثم إن المقلق في هذا الغموض هو أن هزم "داعش" خلف فراغا كبيرا لا أحد مرشح لأن يملأه أكثر من نسخ جديدة من الـ"مجاهدين" قد يكونون في طور الولادة، وقد يضاعف إسقاط المزيد من "السوخوي" فرصهم في الاستثمار في هذا الفراغ.

كل هذا يدفع إلى الاستنتاج أننا لسنا حيال ولادة ظاهرة الـ"ستينغر"، إنما حيال رسائل موضعية تهدف إلى إشعار موسكو أن وجودها "الهش" في سورية لا يكفي لأن يسلّم لها العالم بدورها وحيدة في النزاع السوري. فشل مؤتمر "سوتشي" كان مؤشرا على ذلك، وإسقاط الـ"سوخوي" أيضا وقبلهما الطائرات المسيرة الغامضة التي أغارت على حميميم.

إقرأ أيضا للكاتب: حنين غدار وقيس الخزعلي وستيفن سبيلبرغ

وموسكو إذ تصرفت في أعقاب سقوط الطائرة على النحو الدموي الذي تصرفت به، أطاحت بما كانت سوقته كإنجاز في رعايتها "الحل السوري". فما أطيح كان ما أطلقت عليه هي نفسها مناطق "خفض التوتر"، وهشاشة هذا الخفض هو صورة عن هشاشة الحل الروسي. قصفت الطائرات الروسية المدنيين في إدلب، لكنها أيضا قصفت "خفض التوتر" وقصفت مقررات "سوتشي" على هُزالها، وقصفت أكثر ما قصفت، موقع أنقرة في سورية، إذ أن إدلب لطالما شكلت عمقا تركيا في سورية وورقة بيد أنقرة لطالما ساومت عليها.

الأرجح أن الرسالة وصلت إلى موسكو، والأخيرة ستتصرف بموجبها على رغم الجرح النرجسي الذي خلفته في وجدان رجل الكرملين. إعادة الاعتبار لـ"جنيف" وإطفاء الأنوار في منتجع "سوتشي". أما اللعب مع طهران وأنقرة بوصفهما شركاء موسكو الوحيدين في مستقبل سورية، فهذا فيه استبعاد لقوى كبرى لا تستقيم أي تسوية من دونها.

ثمة من أراد أن يقول لموسكو إن "جنيف" تتسع للجميع، أما "سوتشي" فهي أضيق من "روج آفا" ومن حميميم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.