لا إصلاح أو تغيير من خارج الكنيسة (أرشيف)
لا إصلاح أو تغيير من خارج الكنيسة (أرشيف)

بقلم صامويل تادرس/

ترك الخديوي إسماعيل مصر في أزمة مالية وسياسية عميقة دفع ثمنها ابنه توفيق. ظل إسماعيل طوال حكمه يلاعب الأقدار حتى غلبته وترك لتوفيق الذي لم يكن بنفس مهارة أبيه، وضعا يصعب على أفضل اللاعبين إدارته. لم يمض عامان على تولي توفيق مقاليد الأمور حتى كانت البلاد تشهد انفجارا سياسيا انتهى بالاحتلال الإنجليزي. أحمد عرابي كان الاسم الأبرز في تلك الفترة حتى سُميت الأحداث باسمه، فدعيت بـ"الهوجة" أو الثورة العرابية. تقييم الرجل اختلف مع تعاقب العهود. ظل عرابي طويلا بعدها مثارا للسخرية. كتب محمد عبده أن كل هم عرابي كان الحصول على المناصب والجاه. مصطفى كامل وصفه بـ"رجل تهور جبانا واندفع جاهلا". حين عاد إلى مصر عام 1901 استقبله أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدته "صغار في الذهاب وفي الإياب... أهذا كل شأنك يا عرابي".

بعد استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في مصر عام 1952 وفي إطار بحثهم عن شرعية تاريخية لدورهم وتهميش شرعية حزب الوفد وزعمائه، جرت إعادة اكتشاف لعرابي الذي تحول إلى زعيم لثورة. ربما لم توجد شخصية تاريخية على هذا القدر من الهزل تم تحويلها إلى زعيم وطني من قبل. القارئ لمذكرات عرابي وللأبحاث التاريخية عن تلك الفترة يفجع من مقدار عدم الجدية التي تمتع بها الرجل. يهاجم الإنجليز الإسكندرية، فيعقد عرابي مجلس ذكر. يواجه أزمة مالية فيبحث في إمكانية بيع الآثار المصرية. يتولى السلطة فيأمر بمنع المراقص والحفلات التنكرية. البلاد في أزمة طاحنة فيشجع عرابي الدهماء على تحطيم التماثيل لمخالفتها للشرع. يُهزم الجيش المصري فيرسل عرابي الأنباء بالانتصار.

في إطار اختراع بطولة عرابي ونفي أي إطار ديني لحركته، طاب لبعض الكتاب الحديث عن الوحدة الوطنية التي مثلتها. يذكرون أن بطريرك الأقباط وبطرس غالي باشا شاركا في اجتماعات الثورة ووقعا على بيان عزل توفيق. في الحقيقة، إن البطريرك وغيره لم يكن أمامهم بديل آخر. وجدوا أنفسهم تحت تهديد السلاح. هددهم علي الروبي، زميل عرابي، إن هم وقفوا ضد عرابي. خلال انسحاب العرابيين من الدلتا شجع الضابط سليمان داود الغوغاء قائلا: "انهبوا واحرقوا فإن أموال النصارى غنيمة للمسلمين وأولادهم". لدينا الآن السجلات الكاملة لتلك الحقبة. لم يتولَ قبطي واحد الوزارة، هذا أمر مفهوم في تلك الفترة. لكن الأمر الملفت للنظر هو عدم وجود ضابط قبطي واحد ضمن حركات الترقيات في الجيش المصري من رتبة رائد إلى لواء.

إقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 1

غاب الأقباط عن المشهد السياسي المصري طوال فترة الفوران السياسي 1879 ـ 1882. غابوا أيضا طوال فترة الركود التي تلتها 1882 ـ 1892. الغياب القبطي لم يكن وليد الاستبعاد فقط. الأقباط وجدوا أنفسهم في أزمة شغلت أذهانهم منذ أواخر عصر إسماعيل: أزمة الحداثة داخل الكنيسة القبطية.

إن كانت أزمة الحداثة في مصر ذات وجهين: اكتشاف التقدم الغربي والتأخر المشرقي مع وصول نابليون إلى البلاد ومحاولات التحديث التي جرت بعدها على أيادي الحكام، والتي أدت إلى انفصام بين المفاهيم الإسلامية للسياسة، والاقتصاد، والقانون مع الواقع الجديد، فإن أزمة الحداثة في شكلها القبطي هي أيضا وليدة وجهين: مجيء المبشرين البروتستانت ومشروع التحديث الذي قاده البابا كيرلس الرابع.

عرفت مصر المبشرين الأجانب لقرون سابقة. نشطت إرساليات كاثوليكية عدة في البلاد. نجحت في ضم بعض الأقباط إليها ولكنها لم تشكل تهديدا عميقا للكنيسة القبطية. الكنيسة الكاثوليكية رغم الاختلافات العقيدية لديها نفس الإطار العقيدي والتنظيمي، فلم تطرح إطارا مختلفا في مصر عن الموجود. الأهم أن الكنيسة القبطية على مدى القرون قد طورت إجابات مطولة في هذه الاختلافات. الوضع كان مختلفا مع مجيء المبشرين البروتستانت. فوجئ الأقباط بمفاهيم لم يعرفوها: رفض للرهبنة والقديسين، رفض للتقليد والرتب الكنسية، التركيز على الإنجيل كمصدر وحيد للإيمان، التركيز على العلاقة الشخصية مع الله والرسالة الشخصية للخلاص.

إقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: الجنرال يعقوب

الحضور البروتستانتي الأول جاء على يد البعثة الانجليزية في العام 1825. لم تهدف البعثة إلى إنشاء كنيسة مستقلة. نظرت إلى الكنيسة القبطية باعتبارها كنيسة حقيقية ذات تاريخ مجيد، تمر بكبوة وتحتاج إلى مساعدة للنهوض مرة أخرى، لذلك ركزت على التعليم. الأزمة ولدت مع مجيء المبشرين من الكنيسة المشيخية المصلحة في أمريكا في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1854. نظر المبشرون الأميركيون إلى الكنيسة القبطية ككنيسة ميتة وهدفوا إلى تبشير الأقباط بالمسيحية من جديد وإنشاء كنيسة مستقلة. البداية كانت بطيئة. عام 1859 كان لديهم اثنان فقط من الأعضاء. سرعان ما زادت الوتيرة. عام 1865 بدأت الخدمة في أسيوط، عام 1866 في الفيوم، وفي نفس العام في المنصورة. سرعان ما تبعهم مبشرون من الكنيسة الألمانية 1864 والهولندية عام 1880.

جاء المبشرون بالترجمة العربية الأولى للكتاب المقدس عام 1864، وأنشأوا مدارس وصل عدد طلابها عام 1890 إلى أكثر من ستة آلاف طالب. عقدوا اجتماعات للصلاة باللغة العربية، قدموا تعليما روحيا خاليا من التقاليد ومركزا على الفردية. جذبت رسالتهم الكثيرين. في نفس عام وصولهم إلى أسيوط قام ثلاثة أقباط انضموا إليهم بمحاولة حرق الكنيسة القبطية في المدينة نظرا لاحتوائها على صور للقديسين رأوها أوثانا يجب القضاء عليها.

إقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: عصر محمد علي (3)

لم تكن الكنيسة مستعدة لهذا التحدي. الخطاب الروحي القبطي عانى من الضعف الشديد. أغلب الكهنة في تلك الفترة كانوا من الأميين توارثوا الكهنوت والصلوات عن أجدادهم. لم تكن هناك خدمة منظمة. الفراغ الروحي سيملأه المبشرون. حاول البطاركة الأقباط تدارك الأمر. قام كل من البابا ديمتريوس الثاني وكيرلس الخامس برحلات إلى الصعيد حيث تركز الوجود البروتستانتي لمقاومتهم. قام كيرلس الخامس بإنشاء الكلية الإكليريكية عام 1893 وأرسل بعض الرهبان إلى اليونان للدراسة الدينية. لم تنجح الجهود كليا. الرسالة البروتستانتية وجدت أذانا صاغية. بجانب الرسالة الروحية فتح المبشرون الأبواب لكثير من الأقباط للتعليم وللحصول على مميزات مادية من خلال العمل كقناصل للدول الأجنبية.

إن كان التحدي البروتستانتي قد مثل الوجه الأول لأزمة الحداثة القبطية فإن مشروع البابا كيرلس الرابع للإصلاح قد فتح الباب أمام التحدي الثاني. حمل مشروع الإصلاح جانبين: تنظيم الكنيسة والتعليم. في البداية لم يكن هناك تناقض بينهما. مع مرور الوقت، صار التناقض صارخا. تنظيم الكنيسة أدى إلى تقوية مركز رجال الدين في الكنيسة وإلى مركزية القرار. فتح المدارس أدى إلى نشوء جيل جديد من الأقباط يتمتعون بتعليم حديث ومنفتحون على العالم وأفكاره. تخرجوا من المدارس وحصلوا على الوظائف الحكومية. سرعان ما ترقوا في مناصبهم، اشتروا الأراضي، وأصبحوا ذوي شأن. أنبغ هؤلاء، كان بطرس غالي باشا الذي كان أول قبطي يتولى الوزارة.

الصدام صار أمرا حتميا. لم تكن المرة الأولى التي تشهد صراعا بين رجال الدين والعلمانيين. على مدى تاريخها الطويل، كانت الكنيسة القبطية تثمن دور العلمانيين فيها بعكس كنائس أخرى. أدار كبار المباشرين الأقباط في العصر العثماني شؤون الكنيسة في الكثير من الأحيان. تصادموا في بعض الأوقات مع البطاركة وقتلوا اثنين منهم حين رفضوا انتشار الجواري بين الأقباط في هذا العصر. لكن الصدام هذه المرة كان مختلفا. كان صدام أفكار وليس أشخاص. رجال الدين ضد الباشوات الأقباط. الديمقراطية وحق الشعب القبطي في إدارة أموره صارت الشعار الذي جري الصدام حوله. الصدام حمل جانبا اجتماعيا وطبقيا. رجال الدين كانوا من الطبقات الأفقر. احتقرهم الباشوات. كانوا يرون أنفسهم الأحق في إدارة شؤون الكنيسة المالية والإدارية. الأمر كان أعمق من هذا. من ناحية، يفكر الباشوات في "الشعب القبطي" وحاله، ويريدون العمل على نهضته، ومن الناحية الأخرى يفكر رجال الدين في "الكنيسة القبطية" التي يريدون الحفاظ عليها.

إقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث (4): كيرلس الرابع

في فترة خلو الكرسي البابوي 1870 ـ 1874 نجح العلمانيون في إقناع النائب البابوي بإنشاء مجلس يعاونه في إدارة شؤون الكنيسة. الأهم من ذلك، أنهم حصلوا على أمر من الخديوي بإنشاء المجلس الملي في 15 شباط/فبراير 1874. سبقهم في الاتجاه ذاته اليهود والأرمن في مصر. في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام تم اختيار الراهب يوحنا الناسخ ذي الخمسين عاما بابا للكنيسة تحت اسم كيرلس الخامس. ظن الباشوات أن الأمر دان لهم. هم أصحاب السلطان والراهب العجوز لن يستطيع الوقوف في وجههم. خاب أملهم سريعا. رفض البابا دورهم، ونظر إلى الأمر كاعتداء على سلطته، وتأثرا بالأفكار البروتستانتية. لم يكن ظنه بعيدا عن الواقع تماما. سرعان ما توقف المجلس عن العمل نتيجة رفض البطريرك له. أعادوا المحاولة عام 1883 لكن الفشل كان من نصيبهم مرة أخرى.

المحاولة الثالثة كانت الأهم. في العام 1892 حصل الباشوات على أمر جديد بإنشاء المجلس الملي. كان كرومر (القنصل البريطاني في مصر) الحاكم الفعلي لمصر في تلك الفترة وكان متعاطفا معهم. أمام رفض البطريرك انعقاد المجلس استغلوا علاقتهم بالدولة. في الأول من أيلول/سبتمبر 1892 صدر الأمر بنفي البابا إلى الدير وتعيين أسقف صنبو نائبا بابويا. هو الانتصار أخيرا. أو هكذا ظنوا.

البابا العجوز حرم أسقفهم. الشعب القبطي هاله إهانة البابا. حتى المتعاطفين مع المجلس رفضوا الخطوة. هجر الشعب الكنائس، ورفض أن يصلي في كنيسة تتبع المجلس. وهجر الأساقفة أسقفياتهم، وتوقف الكهنة الأقباط عن إقامة الشعائر الدينية: لم تعد تقام مراسم الزواج أو المعمودية أو الصلاة على الأموات. حياة الأقباط كأقباط أصيبت بالشلل. حتى أسقف صنبو، رغم تبعيته لرجال المجلس، لم يجرؤ على تحدي الحرمان الذي وقع عليه ولم يصلِّ أي قداس. البطريرك العجوز أثبت أنه أقوى من الباشوات. فإذا كان لديهم سلطان الدولة فهو لديه سلطان أبائه أثناسيوس وكيرلس عمود الدين. الأهم، أن الشعب أيد البابا. أمام فشلهم التام لم يكن أمامهم سوى مطالبة الدولة بإعادة البابا إلى كرسيه. عاد كيرلس الخامس منتصرا في الرابع من شباط/فبراير 1893 وسط احتفال شعبي. الرجل الذي تولى البطريركية في الخمسين من عمره سوف يجلس ثلاثا وخمسين سنة على الكرسي.

إقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 5: الخديوي إسماعيل

أزمة الحداثة القبطية بوجهيها لم تنته عام 1893. من ناحية سيعيد الباشوات محاولتهم عامي 1906 و1927. وسيواصل خلفاء كيرلس الصدام مع المجالس الملّية. من الناحية الأخرى، لن ينتهي التحدي البروتستانتي للكنيسة القبطية. سوف يقع عاتق المقاومة لمدة نصف قرن بعدها على تلميذ كيرلس الخامس الشماس حبيب جرجس الذي اعترفت الكنيسة بقداسته مؤخرا. أهم ما في الأمر الدروس المستفادة.

مثلت تجربة 1892 المرة الأخيرة التي سيتورط فيها بطرس غالي باشا في الشأن القبطي الداخلي. أسرته ستتبع خطاه. علاقاتهم وعلاقة كبرى العائلات القبطية بالكنيسة ستظل ملتبسة. بعض الذين يأسوا من التغيير وجهوا جهودهم إلى العمل الخيري. وسوف تكون الحقبة اللاحقة الحقبة الذهبية للجمعيات القبطية والمجتمع المدني القبطي. الأهم، أن الباشوات فتحوا الباب لتدخل الدولة في الشأن الكنسي. الباب المفتوح لن يغلق منذ ذلك الحين. في 1892 استغل الباشوات الدولة، رجال الدين سيعون الدرس جيدا وسيقومون بالأمر عينه لاحقا. والدولة بدورها، سوف تدرك أهمية المنصب الديني وستسعى للسيطرة على من يتولاه. على المهتمين بعلاقة الكنيسة بالدولة في مصر في يومنا هذا، أن يدرسوا تلك الفترة وما نتج عنها. سيدرك الجميع مقدار السلطة التي يحظى بها البابا. الباحثون عن الإصلاح من الأقباط سيعون الدرس جيدا. لا إصلاح أو تغيير من خارج الكنيسة. ما فشل فيه بطرس غالي باشا سينجح فيه سعد عزيز (الأنبا صموئيل) ونظير جيد (البابا شنودة)، ولكن تلك قصة أخرى.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.